بمجرد انطلاق منافسات دور الـ32 من كأس العالم 2026، تبددت سريعًا التوقعات التي رجحت أن تكون المواجهات محسومة لصالح المنتخبات الكبرى، إذ فرضت الأدوار الإقصائية واقعًا مختلفًا عنوانه المفاجآت والإثارة حتى الثواني الأخيرة.
وشهد هذا الدور مباريات اتسمت بالندية والتقارب الكبير في المستويات، بعدما نجحت المنتخبات الأقل ترشيحًا في مقارعة عمالقة الكرة العالمية، بل وإقصاء بعضها، في مشهد يعكس اتساع الفوارق الفنية بين المنتخبات لم يعد كما كان في النسخ السابقة.
ولم تكن المنتخبات المرشحة للقب في مأمن من المعاناة، إذ اضطر عدد منها إلى القتال حتى الدقائق الأخيرة أو اللجوء إلى الأشواط الإضافية وركلات الترجيح لحجز بطاقة العبور، بينما تلقى بعضها الآخر صدمات مدوية أنهت مشواره مبكرًا أمام منافسين لم يكونوا ضمن الحسابات.
وأكد دور الـ32 أن النسخة الحالية من كأس العالم تسير في اتجاه مختلف، حيث لم يعد اسم المنتخب أو تاريخه كافيًا لضمان التأهل، بل أصبحت التفاصيل الصغيرة والقدرة على التعامل مع الضغط هي الفيصل في تحديد هوية المتأهلين.
التانغو في مواجهة الفراعنة
يحتفل لاعبو المنتخب الأرجنتيني بتسجيل الهدف الثالث في شباك منتخب الرأس الأخضر ضمن منافسات كأس العالم – 4 تموز 2026 (رويترز)
في واحدة من أكثر مواجهات دور الـ16 إثارة في كأس العالم 2026، يضرب المنتخب المصري موعدًا ناريًا مع نظيره الأرجنتيني يوم الثلاثاء على أرضية ملعب مرسيدس بنز في مدينة أتالانتا، في مباراة تجمع بين الحلم الإفريقي المتجدد والطموح الأرجنتيني الباحث عن مواصلة رحلة الدفاع عن اللقب، وسط ترقب عالمي لموقعة تحمل كل ملامح الدراما الكروية.
وكان المنتخب الأرجنتيني قد حجز بطاقة العبور بشق الأنفس بعد ملحمة كروية أمام منتخب الرأس الأخضر امتدت لـ120 دقيقة، في مباراة قدّم فيها المنافس الإفريقي أداءً بطوليًا أجبر بطل العالم على خوض اختبار صعب حتى اللحظات الأخيرة.
ورغم تقدم “التانغو”، نجح الرأس الأخضر في العودة عبر دوراتي، قبل أن يعيد ليساندرو مارتينيز الأفضلية للأرجنتين في الأشواط الإضافية، غير أن كابرال رفض الاستسلام وسجل هدفًا رائعًا اعتُبر من أجمل أهداف البطولة، ليجبر المباراة على أقصى درجات التوتر قبل أن تحسم الأرجنتين المباراة عن طريق ركلة ركنية سجلها ديني طريق الخطأ في مرماه.
وفي المقابل، كتب المنتخب المصري إنجازًا تاريخيًا ببلوغه دور الـ16 للمرة الأولى، بعد مباراة ماراثونية أمام المنتخب الأسترالي انتهت بالتعادل 1-1 قبل أن تُحسم بركلات الترجيح (4-2).
وافتتح إمام عاشور التسجيل مبكرًا للفراعنة، قبل أن يعود الأستراليون بهدف عكسي سجله محمد هاني، ليصمد المنتخب المصري حتى ركلات الحسم، حيث تألق اللاعبون في تسجيل محاولاتهم بثبات كبير، بينما أهدر هاري سوتار ولوكاس هيرينغتون ركلتين حاسمتين، مانحين مصر فوزًا تاريخيًا كسر عقدة الأدوار الإقصائية وفتح صفحة جديدة في سجلها المونديالي.
الدقائق الأخيرة تحسم بطاقات العبور
أكدت مباريات دور الـ32 أن صافرة النهاية لا تعني شيئًا قبل إطلاقها، بعدما شهدت الأدوار الإقصائية عدة مواجهات حُسمت في اللحظات الأخيرة، لتتحول الدقائق الحاسمة إلى عنوان بارز في النسخة الحالية من كأس العالم 2026.
وكان المنتخب الإنجليزي من بين أكثر المنتخبات التي عانت قبل التأهل، إذ ظل التعادل مسيطرًا على مواجهته أمام الكونغو الديمقراطية حتى الدقيقة 86، قبل أن يظهر القائد هاري كين ويسجل هدف العبور الذي منح “الأسود الثلاثة” بطاقة التأهل.
لاعبو المنتخب البرازيلي يحتفلون بعد تسجيل جابرييل مارتينيلي الهدف الثاني في شباك اليابان – 29 حزيران 2026 (رويترز)
وعاشت البرازيل السيناريو ذاته أمام اليابان، بعدما بقيت المباراة متعادلة حتى الوقت بدل الضائع، قبل أن يخطف غابرييل مارتينيلي هدف الفوز في الدقيقة 95، مسجلًا واحدًا من أكثر الأهداف تأثيرًا في البطولة.
أما النرويج، فلم تكن مهمتها أسهل أمام ساحل العاج، حيث احتاجت إلى هدف متأخر من هدافها إيرلينغ هالاند في الدقيقة 86 لحسم بطاقة التأهل، بعد مواجهة اتسمت بالندية حتى دقائقها الأخيرة.
وفي واحدة من أكثر المباريات إثارة، قلب المنتخب البلجيكي الطاولة على السنغال، بعدما أنقذ روميلو لوكاكو منتخب بلاده بهدف التعادل في الدقيقة 89، لتمتد المباراة إلى الأشواط الإضافية، قبل أن يحسم يوري تيليمانس التأهل بهدف قاتل في الدقيقة 120، ليؤكد أن الإثارة في مونديال 2026 لا تتوقف إلا مع صافرة النهاية.
باراغواي تصنع أكبر مفاجآت المونديال
خوسيه كانالي لاعب منتخب باراجواي يحتفل بتسجيله ركلة الجزاء الحاسمة خلال ركلات الترجيح في مباراة فريقه أمام ألمانيا في دور ال 32 – 30 حزيران 2026 (رويترز)
شهدت مواجهة ألمانيا وباراغواي واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم 2026، بعدما أطاح المنتخب الباراغواياني ببطل العالم أربع مرات عقب فوزه 4-3 بركلات الترجيح، إثر تعادل الفريقين 1-1 على مدار 120 دقيقة، ليحجز مقعده في دور الـ16 ويكتب واحدة من أبرز قصص البطولة حتى الآن.
وجاء الحسم عبر ركلة الجزاء الأخيرة التي نفذها خوسيه كانالي بنجاح، مطلقًا أفراحًا عارمة في صفوف لاعبي وجماهير باراغواي، التي حققت أكبر انتصار في تاريخها بكأس العالم منذ بلوغها ربع نهائي نسخة 2010.
ولم يكن الخروج الألماني مجرد مفاجأة في النتيجة، بل حمل معه سلسلة من الأرقام التاريخية.
فقد تعرض منتخب ألمانيا لأول خسارة بركلات الترجيح في تاريخ مشاركاته بكأس العالم، بعدما كان قد خرج منتصرًا في جميع مواجهاته السابقة التي حُسمت بهذه الطريقة.
إفريقيا تفقد سبعة ممثلين
شهدت المنتخبات الإفريقية حضورًا تاريخيًا في النسخة الحالية من كأس العالم 2026، بعدما نجحت 9 منتخبات في بلوغ دور الـ32، وهي: السنغال، ساحل العاج، المغرب، الرأس الأخضر، مصر، الجزائر، غانا، الكونغو الديمقراطية، وجنوب إفريقيا، في رقم عكس التطور الكبير الذي تشهده الكرة الإفريقية وقدرتها على منافسة كبار المنتخبات العالمية.
لكن ومع انطلاق الأدوار الإقصائية، تقلص الحضور الإفريقي بشكل كبير، إذ ودعت 7 منتخبات المنافسات من دور الـ32، بينما واصل المغرب ومصر فقط مشوارهما في البطولة، ليحملا آمال القارة السمراء في الأدوار المقبلة، ويؤكدا استمرار تفوق منتخبات شمال إفريقيا في النسخة الحالية من المونديال.
آسيا تودّع المونديال
شهدت المنتخبات الآسيوية مشاركة واسعة في النسخة الحالية من كأس العالم 2026، حيث خاضت القارة البطولة بـ9 منتخبات تمثلت في: كوريا الجنوبية، اليابان، أستراليا، أوزبكستان، إيران، السعودية، قطر، الأردن، والعراق، في حضور عكس تطور الكرة الآسيوية واتساع قاعدة المنافسة على الساحة العالمية.
ورغم الآمال الكبيرة التي رافقت هذه المشاركة، خاصة بعد بلوغ اليابان وإيران وأستراليا الأدوار الإقصائية، إلا أن جميع المنتخبات الآسيوية ودّعت البطولة لاحقًا من دور الـ32، لتخرج القارة الآسيوية من المنافسة دون أي ممثل في دور الـ16، في نتيجة صادمة قياسًا بتوقعات ما قبل انطلاق البطولة، وتعيد طرح تساؤلات حول قدرة المنتخبات الآسيوية على الاستمرارية في الأدوار الحاسمة أمام المدارس الكروية الكبرى.
أرقام تاريخية
لم تخلُ الأدوار الإقصائية من الأرقام التاريخية، إذ واصل عدد من النجوم والمنتخبات كتابة صفحات جديدة في سجلات كأس العالم.
ونجح النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو في أن يصبح أكبر لاعب يسجل هدفًا في الأدوار الإقصائية لكأس العالم، بعدما هز شباك كرواتيا وهو يبلغ 41 عامًا و147 يومًا، كما سجل أول أهدافه في تاريخ الأدوار الإقصائية للمونديال.
كما شهدت النسخة الحالية رقمًا قياسيًا جديدًا في الأهداف العكسية، بعدما ارتفع عددها إلى 14 هدفًا، وهو الأعلى في تاريخ كأس العالم، متجاوزًا الرقم السابق المسجل في مونديال روسيا 2018. وكان لافتًا أن 9 من هذه الأهداف جاءت عن طريق لاعبين عرب، في رقم غير مسبوق.
وسجل المدافع المصري محمد هاني اسمه في سجل الأرقام السلبية، بعدما أصبح أول لاعب في تاريخ كأس العالم يسجل هدفين عكسيين في نسخة واحدة من البطولة، وذلك بعد هدفه في مرمى أستراليا، ليحطم رقمًا صمد منذ مونديال 1966.
على الجانب الآخر، واصل ليونيل ميسي إعادة كتابة تاريخ المونديال، بعدما أصبح أول لاعب يسجل في 8 مباريات متتالية بكأس العالم، وأول لاعب يهز شباك 14 منتخبًا مختلفًا في تاريخ البطولة، ليضيف إنجازين جديدين إلى مسيرته الاستثنائية.
صراع الحذاء الذهبي
يشهد صراع الهدافين في بطولة كأس العالم 2026 استمرارًا مثيرًا بين نخبة من أبرز نجوم كرة القدم في العالم، حيث ما زال التألق الهجومي عنوانًا رئيسيًا للمنافسة على الحذاء الذهبي.
ونجح ليونيل ميسي في الوصول إلى 7 أهداف ليواصل تربعه على قمة الهدافين، بينما يطارده بقوة النجم الفرنسي كيليان مبابي برصيد 6 أهداف، في منافسة مشتعلة تعكس حجم تأثيره الكبير في المباريات الحاسمة.
وفي المركز الثالث، يتواجد كل من النرويجي إيرلينغ هالاند والإنجليزي هاري كين برصيد 5 أهداف لكل منهما، ليبقى الصراع مفتوحًا على مصراعيه بين القوة البدنية والفعالية الهجومية.
كما يواصل عثمان ديمبيلي وفينيسيوس جونيور تقديم مستويات مميزة، حيث سجل كل منهما 4 أهداف، مؤكدين حضورهما القوي ضمن قائمة أبرز المهاجمين في البطولة.
ومع دخول الأدوار الإقصائية، يزداد الضغط وتشتد المنافسة بين هذه الأسماء الكبيرة، في ظل توقعات بأن يشهد القادم من المباريات تغيّرًا محتملًا في ترتيب الهدافين حتى صافرة النهاية.
مشوار استثنائي للمنتخبات المستضيفة
شهدت المنتخبات المستضيفة لكأس العالم 2026 مسارًا استثنائيًا حتى الآن، بعدما واصلت جميعها مشوارها في البطولة دون أي خروج مبكر، في إنجاز تاريخي يعكس قوة حضورها داخل المنافسة.
ويأتي في مقدمتها المنتخب المكسيكي، الذي يقدم مستويات مميزة، حيث يواصل الحفاظ على سجله الدفاعي المميز إلى جانب منتخب إسبانيا كأكثر منتخبين لم يستقبلا أي هدف حتى الآن، كما يستعد لخوض مواجهة قوية يوم الأحد على ملعب أزتيكا التاريخي أمام المنتخب الإنجليزي في اختبار كبير لطموحاته في البطولة.
أما المنتخب الأمريكي، فقد واصل نتائجه الإيجابية بعد فوزه المهم على منتخب البوسنة والهرسك بقيادة المدرب بوكتينيو، في أداء عزز من ثقة الفريق قبل المواجهات المقبلة، حيث من المنتظر أن يواجه المنتخب البلجيكي يوم الاثنين في مدينة سياتل في مباراة تُعد من أبرز مواجهات هذا الدور.
ياسين بونو حارس منتخب المغرب يتصدى لركلة جزاء سددها كريسينسيو سمرفيل لاعب منتخب هولندا خلال ركلات الترجيح في مباراة الفريقين في دور ال 32 من كأس العالم – 30 حزيران 2026 (رويترز)
وفي المقابل، يواصل المنتخب الكندي رحلته في البطولة بطموح كبير، حيث يخوض اليوم مواجهة قوية أمام المنتخب المغربي في مدينة هيوستن، في لقاء يحمل طابعًا خاصًا بعد أن تمكن المنتخب المغربي من إقصاء هولندا بركلات الترجيح في مباراة مثيرة، ما يجعل المواجهة بين الطرفين مفتوحة على كل الاحتمالات في واحدة من أبرز مباريات هذا الدور.
