سوريا.. حين يصبح الجنون اللغة الوحيدة

  • 2026/07/05
  • 4:13 م
غزوان قرنفل

غزوان قرنفل

enab_get_authors_shortcode

غزوان قرنفل

إغلاق أبواب الحوار لا يعني مجرد تعثر النقاش العام أو تراجع مستوى التفاهم بين الناس، بل يعني شيئًا أخطر بكثير، يعني موتًا سريريًا للأفكار والعقول، لأن الأفكار لا تنمو في العزلة، ولا تتطور في البيئات المغلقة، بل تحتاج إلى الاحتكاك والاختبار والمراجعة المستمرة، وعندما يُحرم المجتمع من هذه العملية الحيوية تدخل عقول أفراده في حالة من الجمود تشبه الغيبوبة الطويلة، وتتحول الحياة العامة إلى مساحة تتكاثر فيها الأوهام وتزدهر فيها أشكال مختلفة من التطرف والجنون.

المجتمعات الحية ليست تلك التي يتفق أفرادها على كل شيء، وإنما تلك التي تملك القدرة على إدارة خلافاتها بصورة عقلانية، فالحوار ليس ترفًا ثقافيًا ولا نشاطًا نخبويًا، بل هو الآلية الأساسية التي تسمح للمجتمع بتصحيح أخطائه واكتشاف عيوبه وتطوير أدواته السياسية والثقافية والمعرفية، وعندما تتوقف هذه الآلية عن العمل تبدأ الأمراض بالتراكم داخل الجسد الاجتماعي حتى يصبح عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والوهم.

في سوريا اليوم يبدو المشهد وكأن البلاد تعيش واحدة من أكثر مراحلها فقرًا على مستوى النقاش العام، إذ لا يكاد يُسمع صوت العقل وسط ضجيج التخوين والتحريض والكراهية، كل طرف يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وكل رأي مختلف يُنظر إليه باعتباره تهديدًا أو خيانة أو مؤامرة.

لم يعد الهدف إقناع الآخر بل إلغاءه، ولم يعد المطلوب البحث عن حلول بل البحث عن أعداء جدد، هذه الحالة ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل أزمة وطنية مستحكمة ومؤشر خطير على تدهور البنية العقلية للمجتمع نفسه، فعندما يفقد الناس القدرة على الإصغاء لبعضهم يفقدون تدريجيًا القدرة على التفكير النقدي، عندها يصبح الانتماء للجماعة أهم من الحقيقة، وتتحول العقول إلى مجرد أدوات لترديد الشعارات والدفاع عن المواقف المسبقة مهما كانت متناقضة أو خاطئة.

لقد مرت سوريا خلال السنوات الماضية بتجارب قاسية كان يفترض أن تنتج قدرًا أكبر من الحكمة والتواضع الفكري، فالحروب والكوارث عادة ما تدفع المجتمعات إلى مراجعة أفكارها وإعادة تقييم مسلّماتها، لكن ما نشهده في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا، فبدلًا من أن تؤدي المأساة إلى تعزيز ثقافة الحوار، أدت إلى مزيد من الانغلاق والاستقطاب، وبدلًا من أن تخلق شعورًا بالحاجة إلى التفاهم الوطني رسخت لدى كثيرين قناعة بأن النجاة لا تكون إلا داخل الجدران الضيقة للطائفة أو العشيرة أو الحزب أو الجماعة.

الأخطر من ذلك أن وسائل التواصل الاجتماعي التي كان يفترض أن توسع مساحة التعبير، تحولت في كثير من الأحيان إلى غرف مغلقة يتبادل فيها المتشابهون الأفكار ذاتها ويعيدون إنتاج القناعات نفسها، وهكذا أصبح كل فريق يعيش داخل عالمه الخاص، يسمع صدى الأصوات والأفكار التي تشبهه فقط ويرى الوقائع من زاوية واحدة، ويعتبر كل ما عداها ضربًا من الضلال أو العداء.

حين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح الجنون هو اللغة الأكثر انتشارًا، والجنون هنا لا يقصد به بطبيعة الحال المرض العقلي بالمعنى الطبي، بل يعني فقدان القدرة الجماعية على التفكير المتزن، ويعني أن تتحول الشائعات إلى حقائق، وأن يُنظر إلى الاعتدال باعتباره ضعفًا وإلى التعصب باعتباره قوة، عندها لا يعود العقل هو المرجعية بل الغضب والخوف والأهواء.

لهذا فإن الخطر الحقيقي الذي يواجه سوريا اليوم لا يقتصر على أزماتها الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية، بل يتمثل أيضًا في تآكل المساحات التي تسمح للعقل بأن يؤدي وظيفته الطبيعية، فالمجتمع الذي يغلق أبواب الحوار يحكم على نفسه بالعجز عن التعلم، ما يفقده كل قدرة على التطور فيدخل تدريجيًا في مسار الأفول مهما امتلك من موارد أو تراث أو شعارات أو انتصارات مؤقتة.

إن استعادة الحوار ليست مهمة سياسية فقط، بل هي ضرورة وجودية، فلا مستقبل لأي دولة إذا كان مواطنوها عاجزين عن الاستماع لبعضهم البعض، ولا أمل في بناء وطن يتسع للجميع إذا كان الاختلاف يعامَل بوصفه جريمة، فالعقول التي تدخل في غيبوبة طويلة قد تستيقظ يومًا، لكن ذلك يتطلب إرادة واعية لإعادة فتح النوافذ والأبواب أمام الهواء النقي للأفكار، أما إذا استمرت الحال على ما هي عليه، وإذا بقي صوت العقل غائبًا وسط ضجيج التعصب والانفعال، فقد تتحول سوريا بالفعل إلى أكبر مأوى للمجانين والمجاذيب في العالم، ليس لأن أهلها فقدوا عقولهم، بل لأنهم فقدوا رشدهم عندما فقدوا المساحة التي تسمح للعقل بأن يعمل.

مقالات متعلقة

  1. سوريا.. الثورة المهزومة
  2. قواعد السلامة الوطنية
  3. حتى لا يُبنى استبداد جديد
  4. شماعة الخراب الموروث وتغييب الكفاءات

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي