عنب بلدي – وسيم العدوي
لم يكن 1 من كانون الثاني 2026 مجرد صفحة جديدة في التقويم السوري، بل بداية لواحدة من أكثر العمليات النقدية حساسية في تاريخ البلاد الحديث، حيث بدأت سوريا للمرة الأولى منذ الاستقلال عملية شاملة لاستبدال كامل الأوراق النقدية المتداولة بعملة جديدة، في خطوة وصفها مصرف سوريا المركزي آنذاك، بأنها إعادة تأسيس للنظام النقدي وطيّ لمرحلة ارتبطت بالانهيار الاقتصادي والتضخم.
وبعد مرور أكثر من ستة أشهر على استبدال أول فئة نقدية قديمة، شارفت المهلة المحددة لاستبدال العملة على نهايتها، ورافقتها إعلانات من المركزي السوري عن تقدم متدرج في نسب الاستبدال، كان آخرها تأكيد المركزي السوري في 10 من حزيران 2026 تجاوز نسبة الاستبدال 66%، أي أكثر من 27 تريليون ليرة من أصل 42 تريليونًا (الحجم الكلي للعملة القديمة المعلن عنه من قبل المركزي).
ورغم تأكيد المركزي أن استبدال العملة إجراء تقني لن يغيّر القوة الشرائية أو يرفع معدلات التضخم، فإن العملية لم تخلُ من الانتقادات.
ورصدت عنب بلدي، في تقاريرها منذ بدء العملية، استمرار الانتشار الواسع للأوراق النقدية القديمة في الأسواق بعد ثلاثة أشهر من بدء التنفيذ، رغم الإعلان عن استبدال أكثر من ثلث الكتلة النقدية، كما نقلت شكاوى حول محدودية توفر العملة الجديدة، ورفض بعض الفعاليات التجارية والسائقين قبول فئات من العملة القديمة ولا سيما فئتي 1000 و500 الزرقاء، وتفاوت سرعة الاستبدال بين المحافظات، والاعتماد المستمر حتى على الفئات القديمة الكبيرة مثل 5000 و2000 في التعاملات اليومية.
محطات في عملية استبدال العملة
المرحلة الأولى: إطلاق عملية الاستبدال في 1 من كانون الثاني 2026، وسحب الفئات القديمة تدريجيًا من التداول واعتماد الإصدارات الجديدة، مع بدء مرحلة التعايش بين العملتين لتسهيل الانتقال.
المرحلة الثانية: إعلان المركزي في أواخر شباط 2026، بلوغ نسبة الاستبدال 35% من إجمالي الكتلة النقدية المستهدفة، وبدء عمليات منظمة لإتلاف الأوراق النقدية القديمة تحت إشراف الجهاز المركزي للرقابة المالية لمنع إعادة ضخها في السوق.
المرحلة الثالثة: قرار مصرف سوريا المركزي تمديد فترة التعايش بين العملة القديمة والجديدة لمدة شهرين إضافيين اعتبارًا من 27 من شباط، مبررًا ذلك بالحاجة إلى ضمان انتقال سلس، وتخفيف الضغط على المصارف ومراكز الاستبدال.
المرحلة الرابعة: التمديد الأول لمهلة الاستبدال، عن طريق إعلان مصرف سوريا المركزي، في 1 من أيار 2026، عن تمديد فترة الاستبدال 30 يومًا إضافية لتستمر حتى نهاية حزيران، مبررا ذلك بـ”التقدم الجيد الذي تشهده العملية”، مع منح المواطنين وقتًا إضافيًا لاستكمال الإجراءات.
المرحلة الخامسة: التمديد الثاني لمهلة الاستبدال حتى نهاية تموز 2026، وإعلان المركزي، في 1 من حزيران، تجاوز النسبة 63%، والطلب من المصارف وشركات الصرافة الامتناع عن إعادة ضخ أي أوراق نقدية قديمة، وتسليم المواطنين العملة الجديدة فقط.
المرحلة السادسة: الاقتراب من نهاية العملية، وتأكيد المركزي في 10 من حزيران 2026، تجاوز نسبة الاستبدال 66%، وأن العملة القديمة ستبقى محتفظة بقوتها الإبرائية فقط حتى 30 من تموز، داعيًا المواطنين للإسراع في الاستبدال قبل انتهاء المهلة النهائية.
عملة قديمة بالأسواق وغموض في “المركزي”
مع بلوغ المرحلة الأخيرة تقريبًا من استبدال العملة القديمة، واستمرار انتشار فئات الـ5000 والـ2000 والـ500 ليرة سورية القديمة، تزايدت الآراء والتحليلات عن التقديرات المعلنة من قبل المركزي حول الكتلة النقدية القديمة، والمهلة الزمنية لاستبدالها.
الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، يعتقد أن الرقم الذي أعلن عنه مصرف سوريا المركزي، والمقدّر بـ 42-43 تريليون ليرة سورية قديمة، حول حجم الكتلة القديمة، لا يمكن اعتباره رقمًا “يعكس الواقع الفعلي للكتلة النقدية المتداولة”.
الدكتور قوشجي أشار، في حديث إلى عنب بلدي، إلى أن المنهجية التي اعتمد عليها المركزي في التقدير، ترتكز على بيانات دائرة الإصدار النقدي ومديرية المحاسبة والتدقيق ومديرية الرقابة المصرفية، وهي بيانات محاسبية داخلية لا تعكس حجم التداول الحقيقي خارج الجهاز المصرفي.
الكتلة النقدية القديمة المتداولة أكبر من المعلن
يرى قوشجي أن أحد الأسباب الجوهرية لعدم دقة هذا الرقم هو غياب الشفافية المالية والمصرفية في عهد النظام البائد، إذ لم يكن هناك أي تدقيق خارجي مستقل لبيانات المصرف المركزي، ولم تُنشر تقارير سنوية حقيقية عن حجم النقد المتداول أو حجم النقد خارج المصارف.
كما أن سياسة التمويل بالعجز لسنوات طويلة أدت إلى تضخم نقدي كبير، وتوسّع غير مضبوط في إصدار الفئات الكبيرة، خصوصًا فئتي 5000 و2000 ليرة، دون وجود بيانات منشورة توضح حجم الإصدار الفعلي أو حجم النقد الذي خرج من التداول.
استنادًا إلى هذه المعطيات، وإلى طبيعة الاقتصاد السوري الذي أصبح نقديًا بالكامل، قال الخبير السوري، إن الاحتمال كبير جدًا أن يكون الحجم الحقيقي للكتلة النقدية القديمة أكبر من 42-43 تريليون ليرة، وقد يصل إلى 50-56 تريليون ليرة سورية قديمة، بل إن هذا الرقم لا يشمل الكتلة النقدية الموجودة خارج الحدود السورية، سواء في دول الجوار أو في مناطق التهريب والتجارة غير النظامية، وهي كتلة لا يمكن قياسها عبر سجلات المركزي، لكنها تؤثر في حجم الكتلة النقدية الإجمالية.
وتجعل سياسة التمويل بالعجز لسنوات، وغياب الشفافية والتدقيق الخارجي في عهد النظام السابق، من غير الممكن الاعتماد على الرقم المعلن حول الكتلة النقدية القديمة، حيث يعتبر الخبير السوري قوشجي، أن الكتلة الحقيقية أكبر بكثير، وتشمل نقدًا متداولًا داخل البلاد وخارجها، ما يستدعي إعادة تقييم شامل للبيانات النقدية، وتمديد المهلة الزمنية، وتوسيع شبكة الاستبدال لضمان عدالة العملية، ومنع حدوث اضطرابات نقدية.
تقييم مهلة استبدال العملة القديمة
يرى الأكاديمي السوري قوشجي، أن المهلة الزمنية المحددة حتى نهاية تموز غير كافية إطلاقًا لضمان استبدال العملة القديمة في جميع المناطق، وخاصة المناطق النائية والريفية التي تعاني من:
- ضعف انتشار فروع المصارف.
- بطء عمليات الاستبدال مقارنة بحجم النقد المتداول.
- غياب حملات التوعية المالية.
- وجود فئات صغيرة لم تُستبدل بعد، ما يخلق ارتباكًا في التعاملات اليومية.
- مخاطر فقدان القوة الإبرائية قبل أن يتمكن المواطنون من الاستبدال.
وحذر من أن عدم كفاية المهلة قد يؤدي إلى خسائر مباشرة للمواطنين والتجار، ويخلق حالة من الفوضى النقدية في الأسواق.
مقترحات وحلول
لضمان عدالة استبدال العملة القديمة، ودقة القياس، اقترح الخبير الاقتصادي والمصرفي:
- تمديد المهلة لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر إضافية، حتى نهاية تشرين الأول، لضمان وصول القرار إلى جميع المناطق.
- إنشاء مراكز استبدال متنقلة، عبر سيارات مصرفية مجهزة، تعمل وفق جدول معلن وتزور القرى والبلدات.
- تكليف الوحدات والشعب أو الأقسام المالية، في جميع المناطق والنواحي بعملية استبدال العملة القديمة، وجمع النقد القديم ضمن أكياس مختومة وتسليمها للمصارف، خاصة في المناطق التي لا توجد فيها فروع مصرفية.
- إطلاق حملة إعلامية وطنية واسعة، تشرح الإجراءات، وتوضح الفئات المقبولة، وتحدد المواعيد بدقة.
ومع استمرار الضغط على القطاع المصرفي منذ بداية العام الحالي، نتيجة توافد أعداد كبيرة من المواطنين، وصعوبة وصول آخرين بالمناطق البعيدة إلى مراكز الاستبدال، والمخاوف لدى التجار وأصحاب الأعمال الصغيرة من تأثير سحب السيولة على النشاط التجاري، ولدى بعض المواطنين من فقدان مدخراتهم النقدية، بعد نهاية تموز الحالي، تواجه الأسواق وحدها مخاطر نقص السيولة وتعطل الأنشطة التجارية، مما ينذر بازدياد آثار سلبية مرتبطة بها، مثل بطء النمو الاقتصادي، وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي، وزيادة الاعتماد على النقد الأجنبي والسوق السوداء.
