عنب بلدي – غنى جبر
برزت خلال الفترة الأخيرة ظاهرة انتشار مراكز الأعمال في سوريا، بالتزامن مع عودة النشاط الاستثماري تدريجيًا.
وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد السوري، يُنظر إلى مراكز الأعمال بوصفها ركيزة داعمة للاستثمار، لما تقدمه من خدمات تسهم في تسهيل تأسيس الشركات، وتحسين كفاءة الأعمال، وربط السوق المحلية بالأسواق الإقليمية والدولية، بما يعزز فرص التعافي الاقتصادي وإعادة بناء بيئة الأعمال في سوريا.
وفي هذا السياق، افتتحت مؤخرًا مجموعة “Tier Four” السعودية- السورية في دمشق، مركز “Tier Four Business Center”، برعاية وزارة الاقتصاد والصناعة.
وقال المدير التنفيذي للمجموعة السعودية- السورية، ساجر الشمري، في حديث إلى عنب بلدي، إن الطلب على مراكز الأعمال في سوريا يشهد نموًا متسارعًا، خاصة مع عودة النشاط الاقتصادي، وازدياد اهتمام المستثمرين ورواد الأعمال بإطلاق مشاريع جديدة أو إعادة هيكلة أعمالهم، مشيرًا إلى أن الشركات لم تعد تبحث فقط عن مكتب، بل عن بيئة عمل متكاملة تساعدها على الانطلاق بسرعة، وتوفر لها الخدمات الإدارية والاستشارية والتشغيلية التي تختصر الوقت والجهد والتكاليف.
ووفقًا للشمري، هناك اهتمام متزايد من شركات محلية، ومستثمرين سوريين في الخارج، وشركاء عرب، يبحثون عن بيئة أعمال احترافية تواكب متطلبات المرحلة الجديدة، موضحًا أن مفهوم مراكز الأعمال ما زال حديثًا نسبيًا في السوق السورية، لذلك تختلف طبيعة هذه المراكز والخدمات التي تقدمها.
السوق السورية ما زالت في بداياتها، بحسب الشمري، وهي تحتاج إلى المزيد من المراكز المتخصصة التي لا تقتصر على تأجير المكاتب، بل تقدم منظومة متكاملة من الخدمات الداعمة للأعمال والاستثمار.
وأضاف الشمري أن الدور الحقيقي لمراكز الأعمال يبدأ من إزالة العوائق أمام المستثمر ورائد الأعمال، فعندما يجد المستثمر في مكان واحد خدمات تأسيس الشركات، والاستشارات الإدارية، والدعم التشغيلي، والمساحات المكتبية المرنة، وقاعات الاجتماعات، وبرامج التدريب، وفرص بناء الشراكات، فإنه يستطيع التركيز على تطوير مشروعه بدلًا من الانشغال بالإجراءات والتفاصيل التشغيلية، وفقًا للشمري.
ولفت المدير التنفيذي إلى أن مراكز الأعمال الحديثة أصبحت جزءًا من البنية الداعمة للاستثمار، لأنها تسهم في تسريع انطلاق المشاريع، وخفض تكاليفها التشغيلية، وتعزيز فرص التعاون بين الشركات، وخلق بيئة أعمال أكثر مرونة واحترافية.
مؤسسات اقتصادية وخدمية
يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديث إلى عنب بلدي، أن مراكز الأعمال ليست مجرد مبانٍ أو مكاتب، بل هي بنية مؤسسية حديثة تُنشأ لردم فجوة المعلومات، وتنشيط العلاقات التجارية، وتوفير بيئة عمل منظمة في اقتصاد يعاني من ضعف البيانات وغياب المؤشرات كما هي الحال في سوريا.
وقال قوشجي، إن مراكز الأعمال هي مؤسسات اقتصادية- خدمية توفر بيئة عمل متكاملة للشركات ورواد الأعمال والمستثمرين، عبر تقديم خدمات لوجستية ومعلوماتية وإدارية واستشارية تساعد على تأسيس الأعمال وتشغيلها بكفاءة.
وعن أبرز الخدمات والتسهيلات، أشار قوشجي إلى أنها تشمل:
– توفير البيانات الاقتصادية والقطاعية: قواعد بيانات للأسعار والإنتاج والتجارة والعمالة والضرائب وتكاليف التشغيل ومؤشرات السوق.
– خدمات تأسيس الشركات: تسجيل الشركات والترخيص والاستشارات القانونية والضريبية.
– مكاتب جاهزة للعمل: مساحات عمل مشتركة وقاعات اجتماعات وخدمات “سكرتاريا” وإنترنت وتجهيزات تقنية.
– خدمات تطوير الأعمال: إعداد دراسات جدوى وخطط عمل واستراتيجيات تسويق وتقييم مشاريع.
– ربط الشركات بالأسواق الخارجية: معلومات عن التصدير والمواصفات القياسية وشبكات الموردين وفرص الاستثمار.
– حاضنات أعمال للشركات الناشئة: دعم مالي أولي وتدريب وتوجيه إداري وتقني.
– منصات بيانات رقمية: بوابات إلكترونية توفر مؤشرات اقتصادية محدثة.
– خدمات التحكيم التجاري وتسوية النزاعات: لتقليل مخاطر التعاملات التجارية.
وفي ظل غياب الإحصاءات الدقيقة وضعف العلاقات التجارية، بحسب قوشجي، يمكن لمراكز الأعمال أن تؤدي دورًا محوريًا في إعادة بناء المعلومات الاقتصادية المفقودة من خلال تجميع البيانات، وإصدار تقارير دورية، وبناء قواعد معلومات تساعد الحكومة والقطاع الخاص على اتخاذ قرارات دقيقة.
كما يمكنها دعم الاستثمار المحلي والأجنبي، وتقديم معلومات واضحة عن الفرص الاستثمارية وتكاليف الإنتاج والمخاطر والقوانين، مما يقلل حالة عدم اليقين التي تمنع المستثمرين من الدخول للسوق.
ولفت الخبير الاقتصادي إلى دور مراكز الأعمال في تنشيط التجارة الخارجية، وربط الشركات السورية بالموردين والمستوردين، وتقديم خدمات التصدير، وتسهيل الامتثال للمعايير الدولية.
وتسهم هذه المراكز أيضًا في تحسين كفاءة الشركات الصغيرة والمتوسطة، من خلال تقديم تدريب واستشارات تساعد على رفع الإنتاجية وخفض التكاليف، إلى جانب خلق بيئة أعمال منظمة بتوفير خدمات إدارية وقانونية تقلل الاحتكاك مع البيروقراطية الحكومية، وفقًا لما ذكره قوشجي.
كذلك تقوم مراكز الأعمال في دعم عملية إعادة الإعمار الاقتصادي، من خلال توفير معلومات دقيقة للمشاريع الصناعية والزراعية والخدمية، بحسب تصريحات الخبير الاقتصادي.
وأوضح الخبير إبراهيم قوشجي أن المستفيدين الأساسيين من هذه المراكز هم:
- الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى دعم إداري وتقني.
- المستثمرون المحليون والأجانب الباحثون عن بيانات دقيقة قبل اتخاذ القرار.
- رواد الأعمال والشركات الناشئة التي تحتاج إلى حاضنة أعمال.
- القطاع الصناعي والزراعي الذي يعاني من ضعف المعلومات حول التكاليف والأسواق.
- الجهات الحكومية التي تحتاج إلى بيانات موثوقة لصياغة السياسات الاقتصادية.
- بالإضافة إلى الجامعات ومراكز الأبحاث التي تعتمد على البيانات الاقتصادية للتحليل والدراسات.
التحديات وشروط النجاح
عن التحديات التي يمكن للمراكز معالجتها، أشار قوشجي إلى غياب الإحصاءات والمؤشرات الاقتصادية، وضعف الشفافية في السوق، وصعوبة الوصول إلى المعلومات التجارية والقطاعية، وتعقيد الإجراءات الإدارية والبيروقراطية، وضعف العلاقات التجارية الخارجية، وغياب دراسات الجدوى المهنية، وارتفاع مخاطر الاستثمار بسبب عدم اليقين المعلوماتي.
وفيما يخص المشكلات التي أُنشئت هذه المراكز للتعامل معها، قال قوشجي إن أبرزها يكمن فيما يلي:
- نقص البيانات الاقتصادية الرسمية.
- ضعف قدرة الشركات على إعداد خطط عمل احترافية.
- غياب منصات تربط السوق السورية بالأسواق الإقليمية.
- ضعف الخدمات اللوجستية والإدارية للشركات الصغيرة.
- الحاجة إلى دعم الشركات الناشئة في بيئة اقتصادية صعبة.
ولإنجاح هذه المراكز يجب توفر عدد من الشروط أهمها، بحسب ما ذكره قوشجي، الشفافية والاستقلالية الإدارية، وتوفير بيئة معلومات قوية ومحدثة وربطها بالجهات الحكومية والقطاع الخاص، ووجود كوادر متخصصة ضمن المراكز من خبراء في الاقتصاد والإدارة والتسويق والقانون والتحليل المالي، إلى جانب عقد شراكات دولية مع غرف التجارة العالمية ومنظمات الأمم المتحدة ومراكز الأعمال الإقليمية.
وتحدث قوشجي عن أهمية توفير بيئة قانونية داعمة لتسهيل إجراءات الشركات وحماية الملكية وتسوية النزاعات التجارية، وأيضًا وجود تمويل مستدام من خلال رسوم الخدمات والشراكات والدعم الحكومي أو الدولي، إلى جانب توفير منصات إلكترونية توفر خدمات التسجيل والبيانات والاستشارات والتقارير، مع تحقيق ارتباط مباشر بالقطاع الخاص لضمان أن الخدمات المقدمة تلبي احتياجات السوق الفعلية.
وختم قوشجي حديثه بالقول، إن إنشاء مراكز أعمال في سوريا ليس رفاهية، بل ضرورة اقتصادية لتعويض غياب البيانات وتحسين بيئة الأعمال وتنشيط الاستثمار والتجارة.
هذه المراكز، بحسب الخبير الاقتصادي، يمكن أن تصبح العمود الفقري لمرحلة التعافي الاقتصادي عبر توفير المعلومات ودعم الشركات وتحسين التواصل التجاري مع الخارج، بشرط أن تُدار باحترافية واستقلالية وتُبنى على أسس تقنية حديثة.
