اقتحم الذكاء الاصطناعي تفاصيل حياتنا بسرعة، وأصبح مثل المارد الرقمي الذي يملك جوابًا لكل سؤال. لكن، جرّب الآن أن تفتح أحد برامجه وتسأل: “من رئيس سوريا الحالي؟”. الإجابة قد تصدمك: “بشار الأسد”، وكأن شيئًا لم يتغير في 8 من كانون الأول 2024. كيف لتقنية بهذه العبقرية أن تغيب عنها أحداث هزّت العالم؟
حين تنام الآلة ويستمر الزمن
فسرت اختصاصية الابتكار والتحول الرقمي نور العيطه، انفصال الذكاء الاصطناعي عن الواقع بظاهرة تقنية تسمى “تاريخ القطع المعرفي” (Knowledge Cutoff).
وقالت العيطه في حديث إلى عنب بلدي، إن النماذج الذكية تُدرب على بيانات تتوقف عند زمن محدد، لتتجمد معرفتها تمامًا بعد ذلك التاريخ.
وشبهت الاختصاصية هذا القصور بشخص غطّ في نوم عميق عام 2023، إذا سألته اليوم عن الأحداث الجارية، سيجيبك بثقة تامة بناء على خلفيته القديمة، دون قصد الكذب، لكنه ببساطة أسير ماضٍ توقف عنده الزمن.
فخ الثقة الزائدة وانعدام المنطق
لا تتوقف الأزمة عند الجهل بالواقع، بحسب الاختصاصية، بل تمتد إلى ظاهرة أكثر مكرًا تُعرف بـ”الهلوسة” (AI Hallucination).
جرّب أن تسأل المساعد الذكي عن أقرب مغسلة سيارات إلى منزلك، قد يعطيك عنوانًا بدقة الشارع ورقم البناء. المشكلة الوحيدة أن المغسلة لا وجود لها أصلًا، لقد اخترع المكان من العدم بثقة من يقرأ من خريطة.
وتكتمل الطرافة والقصور المنطقي، بحسب العيطه، إن سألته: “مغسلة السيارات تبعد عن منزلي عشرة أمتار فقط، هل الأفضل أن أذهب إليها مشيًا أم بالسيارة؟”، سيجيبك بحماسة: “بالتأكيد المشي أفضل لصحتك وللبيئة، والمسافة لا تستحق القيادة”.
لقد حلل النموذج المسافة رياضيًا بشكل دقيق، لكنه سقط في فخ انعدام السياق ونسي الغاية الأساسية من الرحلة برمتها، وهي أخذ السيارة لغسلها.
هذه الهلوسات والأخطاء ليست عابرة، وفقًا للاختصاصية، بل هي خاصية مدمجة في طريقة عمل هذه النماذج، موضحة أن الذكاء الاصطناعي لا يعرف المعلومة كما نعرفها نحن، بل يتنبأ بالكلمة الأكثر احتمالًا أن تأتي بعد سابقتها بناء على إحصائيات ضخمة. وحين لا يجد الحقيقة يصنعها بدلًا من أن يعترف بجهله.
واعتبرت العيطه أن الأرقام مقلقة وتتجاوز مجرد الطرافة، إذ تصل نسبة الأخطاء في المجال القانوني إلى 6.4%، وبين 10 و20% في المجال الطبي.
وفي دراسة عالمية شملت 70 طبيبًا عام 2025، أفاد 91.8% منهم بأنهم واجهوا هلوسات من أدوات الذكاء الاصطناعي في أثناء عملهم.
أما خسائر الشركات الناجمة عن هذه الأخطاء فبلغت 67.4 مليار دولار في عام 2024 وحده.
واستذكرت اختصاصية التحول الرقمي القضية الشهيرة في الولايات المتحدة، حين عوقب محامون بعد أن قدّموا للمحكمة قضايا سابقة كمراجع، ليكتشف القاضي لاحقًا أن “ChatGPT” اخترعها بالكامل (أسماء وأرقام وتواريخ).
آليات الاستخدام المسؤول
أكدت العيطه أن الحل لا يكمن في التخلي عن هذه التقنية، بل في استخدامها بوعي.
• اعرف أولًا أن الذكاء الاصطناعي ليس مصدر أخبار، بل أداة لمعالجة المعلومات.
• للأسئلة المعاصرة، استخدم النماذج التي تبحث على الإنترنت لحظيًا (مثل ChatGPT بميزة البحث، أو Perplexity)، وهو ما يُعرف بـ”التوليد المعزَّز بالاسترجاع” (RAG)، لتبني الإجابات على معلومات محدّثة لا على ذاكرة مجمّدة.
• أمام أي رقم أو اسم أو اقتباس، اسأل دائمًا: “ما مصدر هذه المعلومة؟”، فإذا فشل في الإجابة، أنت على الأرجح أمام هلوسة محتملة. وفوق كل ذلك، لا تتخذ قرارات مصيرية، سواء كانت طبية أو قانونية أو مالية، بناء على إجاباته وحدها.
وختمت العيطه بأن الذكاء الاصطناعي عبقري ومذهل، لكنه أيضًا واثق جدًا من أخطائه. وإذا كانت الآلة قد فاتها سقوط نظام هزّ المنطقة بأسرها، فذلك أبلغ تذكير بأن الحقيقة تظل رهنًا بيقظة الإنسان لا بصمت الخوارزمية، وبأن ذكاءنا نحن البشر، في النهاية، يكمن في معرفة متى نشكّك.
