أعلنت غرفة التجارة الدولية (ICC) أنها ستطبق تخفيضًا على الرسوم الإدارية في قضايا التحكيم المؤهلة المرتبطة بجهود تعافي سوريا، وذلك بنسبة 20%.
وقالت الغرفة، حسبما نشرت عبر موقعها الإلكتروني في 1 من تموز، إن هذا الإجراء يأتي استنادًا إلى إطار مماثل كانت قد اعتمدته استجابة للنزاعين المستمرين في أوكرانيا ولبنان، بما يعكس التزامها بدعم الاقتصادات التي تواجه ظروفًا استثنائية.
ويتبع لغرفة التجارة الدولية (ICC)، غرفة للتجارة الدولية في سوريا (icc syria)، يتولى منصب رئيس مجلس الإدارة رجل الأعمال ناجي شاوي، ونائبه رجل الأعمال أحمد صابر حمشو، النجل الأكبر لرجل الأعمال السوري محمد صابر حمشو المعروف بقربه من نظام الأسد سابقًا.
ويدخل في عضوية مجلس إدارتها، عدد من الشخصيات، من بينهم، معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي السورية، سامح عرابي.
الغرفة الدولية: احتمال نشوء نزاعات في الطاقة مثلًا تتطلب التحكيم
في حديثه إلى عنب بلدي، وصف رئيس مركز الميزان للوساطة والتحكيم وحل النزاعات في سوريا الدكتور محمد وردة، هذا القرار بأنه “مبادرة استثنائية لدعم التعافي الاقتصادي في سوريا، من خلال تشجيع اللجوء إلى التحكيم الدولي في المشاريع والاستثمارات المرتبطة بإعادة الإعمار”.
وأوضح أن تخفيض الغرفة للرسوم الإدارية بنسبة 20% لا يشمل جميع تكاليف التحكيم، فتكلفة التحكيم تتكون عادة من الرسوم الإدارية للـ “ICC” (وهذه هي التي خُفِّضت)، وأتعاب هيئة التحكيم والمحامين والخبراء والترجمة وغيرها (وهذه لا يشملها القرار، وهي التي تشكل الكلفة الأكبر في التحكيم).
ويرى أن الهدف من القرار هو:
- تشجيع المستثمرين على العمل في سوريا.
- منحهم قدرًا أكبر من الاطمئنان إلى وجود آلية تحكيم دولية معروفة لحل المنازعات.
- التوفير في نفقات التحكيم عند اللجوء إليه.
بينما قال الأمين العام لغرفة التجارة الدولية، جون دبليو إتش دينتون إن سوريا بقيت، لفترة طويلة جدًا، معزولة عن الأسواق العالمية، وستسهم هذه المبادرة في توسيع إمكانية الوصول إلى خدمات تسوية المنازعات العالمية التي تقدمها غرفة التجارة الدولية، بما يساعد على:
- تقليل المخاطر التي تواجه رؤوس الأموال الخاصة.
- تسريع إعادة اندماج البلاد في الاقتصاد العالمي.
ومع بدء تبلور جهود إعادة الإعمار، أضاف دينتون، قد تنشأ نزاعات، لا سيما في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل، وسيؤدي ضمان الوصول إلى آليات موثوقة ومحايدة لتسوية المنازعات دورًا محوريًا في:
- تعزيز ثقة المستثمرين من خلال توفير قدر أكبر من اليقين وقابلية التنبؤ.
- الإدارة الفعالة للنزاعات المعقدة العابرة للحدود.
- دعم التعافي الاقتصادي المستدام.
وفي هذا السياق، وفقًا لما نشرته الغرفة، ستدعم المحكمة الدولية للتحكيم التابعة لغرفة التجارة الدولية، الأطراف التي تعمل داخل سوريا أو على صلة بها، من خلال إتاحة الوصول إلى خدمات التحكيم عالية الجودة التي تقدمها الغرفة بتكلفة مخفضة.
وسيمكن ذلك الشركات من الاستفادة من إجراءات تحكيم فعالة، وقرارات قابلة للتنفيذ، ويقين قانوني، وفقًا لقواعد التحكيم المعتمدة لدى غرفة التجارة الدولية.
كما ستعمل الغرفة بنشاط مع الجهات المحلية المعنية، بما في ذلك المختصين القانونيين والمؤسسات العامة والسلطات ذات الصلة، لدعم بناء القدرات على المدى الطويل في مجال:
- تسوية المنازعات الدولية.
- استكشاف سبل التعاون مع الجهات الوطنية والمؤسسية ذات الصلة المشاركة في جهود إعادة إعمار سوريا.
ما العقود التي يشملها القرار الدولي
يؤكد الخبير المحكم وردة أنه يجب أولًا التمييز بين غرفة التجارة الدولية (ICC)، ومحكمة التحكيم الدولية (ICA).
فغرفة التجارة الدولية (ICC) هي منظمة دولية غير حكومية مقرها الرئيسي في باريس، وتحت مظلتها توجد المحكمة الدولية للتحكيم (ICA)، وهي مؤسسة خاصة لإدارة التحكيم، تعد من أشهر مؤسسات التحكيم التجاري الدولي في العالم، وتوجد أمانتها العامة في باريس، وهي تدير النزاعات التي يختار المتنازعون حلها عن طريق ICC، ولا تحكم فيها، فالحكم يصدر عن هيئة التحكيم وليس عنها.
وينص القرار على أن التخفيض يشمل القضايا المؤهلة المرتبطة بجهود التعافي في سوريا.
وهو ما يوضحه المحكم السوري بأن المقصود بـ”القضايا المؤهلة” (Eligible arbitration cases) ليس كل نزاع له علاقة بسوريا، بل القضايا المرتبطة بجهود التعافي فيها، وبناءً عليه، فإن القضايا التي يُرجح أن تستفيد تشمل:
- عقود إنشاء وإعادة إعمار الطرق والجسور والمطارات والموانئ.
- مشاريع الطاقة (الكهرباء، النفط، الغاز، والطاقة المتجددة).
- عقود المياه والاتصالات والنقل.
- عقود التوريد الدولية للمعدات والمواد اللازمة لإعادة الإعمار.
- عقود الاستثمار المشترك بين شركات سورية وأجنبية.
- بعض منازعات التمويل أو الشراكات إذا كانت مرتبطة بمشاريع التعافي الاقتصادي.
ويبقى تقدير ما إذا كانت القضية مؤهلة للاستفادة من هذا التخفيض خاضعًا للمعايير التي تعتمدها “ICC” عند تسجيل الدعوى، وفقًا لوردة.
وفي المقابل، فإن القرار لا يشمل النزاعات التجارية الشخصية والرسمية، التي لا علاقة لها بالتعافي أو إعادة الإعمار، ولا المنازعات التي لا يوجد فيها اتفاق للتحكيم عن طريق “ICC”.
ووقعت سوريا، منذ سقوط النظام السابق، الكثير من العقود مع شركات عالمية سواء في قطاعات إعادة الإعمار أو النفط أو غيرها، والتي يمكن أن تستفيد من قرار غرفة التجارة الدولية، عبر بند التحكيم فيها.
وكان لشركة “UCC” العالمية، التي يترأس مجلس إدارتها معتز ورامز الخياط، أبناء شقيقة رجل الأعمال السوري محمد حمشو، الحصة الأكبر فيها، إذ وقعت مع وزارة الطاقة السورية، في أيار 2025، مذكرة تفاهم بقيمة نحو 7 مليارات دولار، تتيح الاستثمار في قطاع الطاقة لتوليد 5000 ميغاواط، عبر تطوير أربع محطات توليد كهرباء بتوربينات غازية تعمل بالدورة المركبة (CCGT)، باستخدام تقنيات أمريكية وأوروبية، إلى جانب محطة طاقة شمسية بسعة 1000 ميغاواط في منطقة وديان الربيع بريف دمشق.
هل استعانت سوريا بغرفة التجارة الدولية
حول إمكانية أن تكون هناك قضايا معروضة من قبل سوريا على الغرفة للتحكيم، حتى اتخذت هذا القرار، اعتبر الدكتور وردة أن القرار لا يتعلق بوجود قضايا سورية معروضة أمام “ICC”، بل يبدو مرتبطًا بالمرحلة الاقتصادية التي تمر بها سوريا، والنشاط الاستثماري الذي تتوجه شركات خارجية عديدة للاستفادة منه، وهو نشاط مرشح للازدياد بقوة.
وتتمسك الشركات الدولية عادة بوجوب إدراج شرط التحكيم في عقودها لتتجنب التقاضي عن طريق القضاء الوطني عند نشوب النزاع.
وأضاف: “يبدو لي بصراحة أن القرار يحمل جانبًا تسويقيًا واضحًا، تسعى ICC من خلاله إلى استقطاب العقود المرتبطة بإعادة الإعمار”.
ومما لا شك فيه أن غرفة التجارة الدولية من أشهر الجهات التي تتولى قضايا التحكيم التجاري الدولي في العالم، ولديها خبرة واسعة وكوادر قوية وقواعد واضحة، وتصدر عنها أحكام تحكيم سليمة إجرائيًا، حسب المحكم السوري، مما يجعلها تحظى بإمكانية واسعة للاعتراف بها وتنفيذها في الدول المنضمة إلى اتفاقية نيويورك لعام 1958 بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها.
وشهد العقدان الأخيران زيادة ملحوظة في منازعات الاستثمار الدولي، وأظهرت تقارير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) أن عددًا كبيرًا من الدول المدعى عليها في هذه المنازعات كانت من الدول النامية.
ويقول محمد وردة إن من أبرز التحديات التي تواجه هذه الدول في منازعات التحكيم الاستثماري الدولي، ارتفاع التكاليف، وتحقيق المستثمرين الأجانب نسب نجاح مرتفعة في عدد من المنازعات بسبب عوامل متعددة، منها :
- طبيعة اتفاقيات الاستثمار.
- الصياغة التعاقدية.
- مستوى الخبرة القانونية، وغير ذلك.
ويؤكد أن هذا الأمر يفرض على الأطراف السورية الانتباه الشديد عند إبرام العقود، وخاصة عند صياغة شرط التحكيم، لا سيما عندما تكون الجهات الحكومية طرفًا فيها.
و”أونكتاد” (UNCTAD) منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، هي هيئة حكومية دولية دائمة أنشأتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1964، تدعم البلدان النامية في الوصول إلى فوائد الاقتصاد المعولم بشكل أكثر إنصافًا وفعالية، وتوفر لها التحليل الاقتصادي والتجاري، وتقدم المساعدة التقنية على استخدام التجارة والاستثمار والتمويل والتكنولوجيا من أجل التنمية الشاملة والمستدامة.
