ماذا يعني رفع واشنطن لدمشق من قائمة الإرهاب؟

  • 2026/07/13
  • 9:54 ص
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي نظيره الأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو المقامة في تركيا - 8 تموز 2026 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)

الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي نظيره الأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة الناتو المقامة في تركيا - 8 تموز 2026 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)

enab_get_authors_shortcode

تتجه الأنظار إلى التحول المحتمل في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، بعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عزمه المضي في إجراءات رفع اسم سوريا من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، في خطوة، إذا استكملت مسارها القانوني، قد تمثل أحد أبرز التحولات في العلاقات بين واشنطن ودمشق منذ أكثر من أربعة عقود.

كما أعلن وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، الأربعاء 8 من تموز، أن الولايات المتحدة بدأت إجراءات إزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب،

وذكرت وكالة “فرانس برس” أن روبيو أبلغ الكونجرس رسميًا ببدء هذه الإجراءات، على أن يصبح إلغاء التصنيف نافذًا في غضون 45 يومًا، ما لم يرفضه المشرّعون، وهو أمر غير مرجّح.

ورغم أن القرار لم يدخل حيز التنفيذ بصورة نهائية حتى الآن، فإن مجرد الإعلان عن بدء الإجراءات أثار تساؤلات واسعة حول خلفيات هذا التوجه، وأبعاده السياسية والاستراتيجية، وانعكاساته المحتملة على مستقبل سوريا وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

لماذا أدرجت واشنطن سوريا على القائمة عام 1979؟

وضعت الولايات المتحدة سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب في 29 كانون الأول 1979، في عهد الرئيس آنذاك حافظ الأسد.

وذلك استنادًا إلى قانون المساعدات الخارجية الأمريكي، الذي يمنح وزارة الخارجية صلاحية تصنيف الدول التي ترى أنها تقدم دعماً متكرراً لأعمال الإرهاب الدولي.

وبررت واشنطن القرار آنذاك بعدة اعتبارات، أبرزها:

  • اتهام دمشق بدعم تنظيمات فلسطينية مسلحة اعتبرتها الولايات المتحدة منظمات إرهابية.
  • تقديم الدعم السياسي واللوجستي لحركات مثل حزب الله اللبناني في الثمانينات، الذي صنفته واشنطن لاحقًا منظمة إرهابية.
  • اتهامات بتوفير ملاذ أو تسهيلات لبعض الجماعات المسلحة العاملة في المنطقة.

كما تبني سياسات اعتبرتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة مهددة للاستقرار الإقليمي، وهو ما أدى إلى استمرار التصنيف لعقود.

وبقيت سوريا على القائمة رغم تغير الإدارات الأمريكية، بل توسعت العقوبات المفروضة عليها لاحقًا، خصوصًا بعد عام 2011، عقب بدء الثورة السورية، عبر حزم عقوبات منفصلة، من بينها “قانون قيصر”، الذي استهدف شخصيات وكيانات مرتبطة بالحكومة السورية، وبدوره ترامب ألغى القانون وأقر رسميًا في كانون الأول 2025.

ورحبت الحكومة السورية بإعلان الولايات المتحدة الأمريكية بدء إجراءات إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب.

واعتبرت وزارة الخارجية السورية في بيان، الأربعاء 8 من تموز، أن إبلاغ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نظيره السوري بنيته اتخاذ هذه الخطوة، تطور مهم في مسار العلاقات بين البلدين القائمة على الحوار والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.

إعادة صياغة سياسة واشنطن

لا ينظر إلى إعلان الرئيس ترامب، باعتباره مجرد قرار إداري يتعلق بقائمة تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية، بل أنه يحمل دلالات سياسية أعمق، تعكس تحولًا في طريقة تعامل واشنطن مع الملف السوري بعد سنوات طويلة من سياسة العزل والضغط.

أستاذ القانون الدولي العام والباحث في العلاقات الدولية، الدكتور عامر فاخوري، قال لعنب بلدي إن ما صدر حتى الآن لا يتجاوز مرحلة بدء الإجراءات القانونية اللازمة لرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وشدد على أن القرار لم يصبح نافذًا بصورة نهائية بعد، إلا أن مجرد الإعلان عنه يمثل، من الناحية السياسية، أكبر تحول في الموقف الأمريكي تجاه سوريا منذ أكثر من أربعة عقود.

ويرى فاخوري أن قراءة القرار باعتباره مكافأة مباشرة للحكومة السورية الجديدة ستكون قراءة قاصرة، لأن المسألة، بحسب تقديره، ترتبط بإعادة صياغة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أكثر مما ترتبط بتغيير موقف واشنطن من دمشق بحد ذاته.

ويضيف أن الولايات المتحدة لم تصل إلى هذه المرحلة لأنها غيرت قناعاتها تجاه سوريا، وإنما لأنها توصلت إلى أن أدوات الضغط التقليدية، وعلى رأسها العزلة الاقتصادية والسياسية، لم تعد تحقق النتائج التي كانت تراهن عليها خلال السنوات الماضية.

وبحسب فاخوري، فإن التجربة أثبتت للإدارة الأمريكية أن استمرار عزل سوريا قد يقود إلى نتائج معاكسة، أبرزها إضعاف مؤسسات الدولة، وخلق فراغ أمني يمكن أن تستفيد منه التنظيمات المتطرفة، فضلاً عن زيادة اعتماد دمشق على حلفائها التقليديين، وفي مقدمتهم إيران وروسيا.

ويتفق الباحث في الشؤون العربية علي فوزي، مع هذا التقدير، معتبرًا أن الإعلان الأمريكي يعكس قراءة جديدة للتحولات التي شهدتها المنطقة خلال الأعوام الأخيرة، وأن واشنطن بدأت تتعامل مع سوريا باعتبارها جزءًا من معادلات الاستقرار الإقليمي، وليس فقط بوصفها ملفًا للعقوبات والضغوط السياسية.

ويشير فوزي إلى أن الخطوة، إذا استكملت إجراءاتها القانونية، قد تؤسس لمرحلة مختلفة في العلاقات بين دمشق والمجتمع الدولي، وإن كانت لا تعني بالضرورة إنهاء جميع القيود الأمريكية المفروضة على سوريا.

تحقيق الاستقرار السوري أولى دوافع إعلان ترامب

يرى الخبراء أن القرار المحتمل تحركه مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية التي تتجاوز العلاقة الثنائية بين واشنطن ودمشق، وترتبط بإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في المنطقة.

ويضع الدكتور عامر فاخوري تحقيق الاستقرار في مقدمة هذه الدوافع، موضحًا أن الولايات المتحدة أصبحت تنظر إلى وجود دولة سورية مستقرة، مهما واجهت من تحديات، باعتباره أقل كلفة وأكثر انسجامًا مع مصالحها من استمرار حالة الانهيار أو الفوضى.

ويستشهد فاخوري بتجارب العراق وليبيا وأفغانستان، التي أثبتت، بحسب رأيه، أن انهيار مؤسسات الدولة لا يؤدي إلى نشر الديمقراطية أو تحقيق الأمن، بل يخلق بيئات خصبة للإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، وهي تحديات دفعت واشنطن إلى إعادة تقييم سياساتها.

ويعتبر أن منح سوريا فرصة للانفتاح على العالم العربي والغرب، يعيد رسم موازين القوى في المنطقة.

كما يلفت إلى البعد الاقتصادي، موضحًا أن إعادة إعمار سوريا لن تتحقق عبر المساعدات الحكومية وحدها، وإنما تحتاج إلى استثمارات ضخمة من القطاع الخاص، وهو أمر يصعب تحقيقه طالما بقيت سوريا مصنفة رسميًا دولة راعية للإرهاب.

ويشير إلى أن إزالة التصنيف ستكون رسالة طمأنة للبنوك العالمية وشركات التأمين والمؤسسات المالية والمستثمرين، أكثر من كونها رسالة موجهة إلى الحكومة السورية نفسها، لأنها تخفض مستوى المخاطر القانونية المرتبطة بالتعامل مع السوق السورية.

ويضيف فاخوري أن القرار ينسجم كذلك مع توجه أمريكي لدعم إعادة دمج سوريا في محيطها العربي، بما يسمح للدول الخليجية والعربية بلعب دور أكبر في مشاريع إعادة الإعمار، بدلًا من ترك الساحة الاقتصادية بالكامل لروسيا والصين وإيران.

ولا يستبعد وجود بعد تنافسي دولي، إذ تدرك واشنطن أن سوريا تمثل موقعًا جيوسياسيًا مهمًا على شرق البحر المتوسط، وأن مرحلة إعادة الإعمار ستفتح سوقًا اقتصادية كبيرة، وبالتالي فإن استمرار سياسة العزل قد يمنح القوى المنافسة فرصًا أكبر لترسيخ نفوذها.

ومن جانبه، يرى الباحث علي فوزي أن دوافع الإدارة الأمريكية تجمع بين الأبعاد السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، إذ تسعى واشنطن إلى دعم الاستقرار، وتهيئة الظروف لدخول الشركات الأمريكية والغربية إلى السوق السورية مستقبلًا، وتعزيز حضورها في مرحلة إعادة الإعمار، بالتوازي مع مواكبة المتغيرات الإقليمية التي فرضت مقاربة مختلفة للملف السوري.

ماذا يعني القرار إذا أصبح نهائيًا؟

وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، وصف الإجراء بـ”الخطوة التاريخية من قبل الرئيس ترامب لمنح الشعب السوري فرصة لتحقيق العظمة”.

وأضاف أن رفع العقوبات عن سوريا سيفتح المجال أمام التجارة والاستثمار الدوليَين، ويمنح سوريا فرصة لإعادة البناء، ويفتح فصلًا جديدًا للشعب السوري”، موضحًا أن سوريا المستقرة والموحدة والتي تعيش في سلام مع نفسها ومع جيرانها، لا تفيد المنطقة فحسب بل تفيد العالم أجمع.

ويرى الدكتور عامر فاخوري أن الآثار المترتبة على القرار ستكون كبيرة، لكنها لن تظهر بصورة فورية، لأن رفع اسم سوريا من القائمة لا يعني تلقائيًا إنهاء جميع العقوبات الأمريكية.

فعلى المستوى السياسي، يعتقد أن القرار سيحمل اعترافًا أمريكيًا ضمنيًا بأن الدولة السورية أصبحت شريكًا يمكن التعامل معه، وهو ما قد يشجع عددًا من الدول على توسيع علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع دمشق.

أما اقتصاديًا، فيتوقع أن يكون الأثر الأكبر على القطاع المالي، إذ ستصبح البنوك والمؤسسات المالية العالمية أكثر استعدادًا للتعامل مع سوريا بعد انخفاض المخاطر القانونية المرتبطة بتصنيفها، وهو ما يسهل عمليات التحويلات البنكية والاعتمادات المستندية وتمويل التجارة والاستثمار.

كما يتوقع أن يشجع القرار الشركات الأجنبية على دراسة فرص الاستثمار في السوق السورية، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والطاقة والإسكان، باعتبار أن إزالة التصنيف ستبعث برسالة بأن الولايات المتحدة لم تعد تعتبر سوريا دولة داعمة للإرهاب.

ومع ذلك، يحذر فاخوري من المبالغة في تقدير النتائج، مؤكدًا أن العقوبات الأمريكية الأخرى ستبقى قائمة، سواء تلك المفروضة على شخصيات وكيانات محددة، أو العقوبات المرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فضلاً عن قوانين مثل “قيصر”، ما يعني أن الطريق نحو التعافي الاقتصادي الكامل سيظل طويلًا.

ويخلص إلى أن القرار ينبغي النظر إليه باعتباره بداية لمسار جديد، وليس نهايته، وأن نجاح هذا المسار سيعتمد على قدرة الحكومة السورية على ترسيخ الاستقرار الداخلي، وتعزيز سيادة القانون، والاستمرار في مكافحة الإرهاب، وبناء الثقة مع المجتمع الدولي.

من جهته، يرى علي فوزي أن المكاسب الاقتصادية والسياسية لن تتحقق بصورة تلقائية، وإنما ستظل مرتبطة بقدرة الحكومة السورية على تنفيذ إصلاحات اقتصادية وإدارية حقيقية، وتحسين بيئة الاستثمار، وإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية.

ويؤكد أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة سوريا على استثمار هذا التحول في تحسين الظروف المعيشية، وجذب رؤوس الأموال، وإعادة دمج اقتصادها تدريجيًا في المنظومة الإقليمية والدولية، بما ينعكس في نهاية المطاف على عملية إعادة الإعمار والتنمية.

سوريا ترحب ببدء الإجراءات الأمريكية لإزالتها من الدول الراعية للإرهاب

مقالات متعلقة

  1. سوريا ترحب ببدء الإجراءات الأمريكية لإزالتها من الدول الراعية للإرهاب
  2. دمشق توافق على طلب أمريكي بخفض استيراد النفط الروسي
  3. أمريكا تزيل سوريا من الدول الراعية للإرهاب
  4. سوريا خارج "قائمة الإرهاب".. دمشق ترحب وواشنطن تصف الخطوة بـ"التاريخية"

سوريا

المزيد من سوريا