أعادت الشهادة التي نشرتها الصحفية الألمانية إيفا ماريا ميشلمان، بعد الإفراج عنها من الاحتجاز في سوريا، فتح النقاش حول مسارها المهني والبيئة الإعلامية التي عملت ضمنها خلال السنوات الماضية، بالتزامن مع استمرار الجدل حول طبيعة بعض المؤسسات الإعلامية الناشطة في شمال شرقي سوريا وعلاقاتها السياسية.
ونشرت ميشلمان تسجيلًا مصورًا تحدثت فيه عن فترة احتجازها التي قالت إنها بدأت منذ مطلع عام 2026، مشيرة إلى أنها بقيت في عزلة تامة، ونُقلت بين عدة مواقع احتجاز في حلب وإدلب ودمشق، قبل الإفراج عنها في حزيران الماضي بعد جهود دبلوماسية ألمانية ودولية.
وقالت الصحفية الألمانية إنها واجهت ظروفًا قاسية خلال فترة احتجازها، بينها الاكتظاظ، وغياب التواصل مع العالم الخارجي، وادعاءات باستخدام التعذيب أثناء التحقيقات.
ولم تصدر الحكومة السورية، حتى وقت نشر شهادتها، ردًا تفصيليًا على ما ورد فيها، فيما تبقى رواية ميشلمان شهادة شخصية عن تجربتها خلال فترة الاحتجاز.
لكن جانبًا آخر من قصة الصحفية الألمانية يتعلق بالمسار الذي سبق اختفاءها، وطبيعة المؤسسات الإعلامية التي عملت معها، والأسماء التي استخدمتها خلال نشاطها الصحفي في مناطق شمال شرقي سوريا.
صحفية ألمانية في مناطق الإدارة الذاتية
ولدت إيفا ماريا ميشلمان عام 1989 في مدينة كولن الألمانية، وعملت صحفية مستقلة إلى جانب عمل سابق في المجال الاجتماعي.
وخلال السنوات الأخيرة، ركز نشاطها الصحفي على تغطية مناطق شمال شرقي سوريا، وهي المناطق التي كانت تحت سيطرة “الإدارة الذاتية”، حيث أنتجت موادًا إعلامية تتناول قضايا سياسية واجتماعية مرتبطة بالمنطقة.
ومنذ عام 2022، ظهرت أعمالها في عدد من المؤسسات الإعلامية الكردية، بينها وكالة “ETHA” وقناة “Özgür TV”، وهما وسيلتان تنشطان ضمن بيئة إعلامية كردية ويسارية تهتم بقضايا الحركة الكردية و”الإدارة الذاتية”.
وتقدم هذه المؤسسات نفسها باعتبارها وسائل إعلام مستقلة أو مرتبطة بالعمل الإعلامي الكردي، وتنفي وجود تبعية تنظيمية مباشرة لحزب العمال الكردستاني، لكن المتابعة الدقيقة لخطابها الإعلامي يُظهر تمجيدها لعبد الله أوجلان؛ مؤسس الحزب المحتجز في تركيا.
في المقابل، تصنف السلطات التركية عددًا من وسائل الإعلام والمنظمات الناشطة ضمن هذا المجال على أنها قريبة من الحزب أو متأثرة بخطابه السياسي، بسبب طبيعة تغطيتها وعلاقتها بالتيارات السياسية المرتبطة بالحركة الكردية.
“Özgür TV”.. مساحة إعلامية لأفكار أوجلان
تظهر قناة “Özgür TV” اهتمامًا بأفكار عبد الله أوجلان، مؤسس “حزب العمال الكردستاني”، يصل إلى حد التمجيد العلني، إذ تنشر مواد تتناول مفاهيم مرتبطة بأفكاره، بينها “الديمقراطية المجتمعية” و”تحرير المرأة” و”حل القضية الكردية”.
وتعد هذه المفاهيم جزءًا أساسيًا من الخطاب السياسي للحركة المرتبطة بأوجلان، الذي ما يزال يمثل المرجعية الفكرية الأساسية لحزب العمال الكردستاني رغم وجوده في السجن منذ عام 1999.
اسم “توشكين”.. بين الاسم الصحفي والاسم الحركي
خلال عملها ضمن هذه البيئة الإعلامية، ظهرت ميشلمان في بعض المواد باسم “Tekoşin” (توشكين)، إلى جانب اسمها الحقيقي.
وفي مادة منشورة عبر وكالة “ETHA”، ظهر اسمها بصيغة: “Eva Maria Michelmann (Tekoşin)”.
واستخدام أسماء مستعارة أو حركية ليس ظاهرة جديدة داخل بعض الأوساط السياسية والعسكرية الكردية، إذ استخدم مقاتلون وناشطون أسماء بديلة لأسباب مختلفة، بينها الاعتبارات الأمنية أو ارتباط الاسم بالعمل التنظيمي أو الميداني.
ويحمل اسم “Tekoşin” دلالة سياسية في بعض الأدبيات الكردية اليسارية، إذ يُستخدم بمعنى يرتبط بالمقاومة أو النضال، وظهر ضمن أسماء شخصيات مرتبطة بالحركات الكردية المسلحة.
ومن بين الأسماء التي حملت هذا المصطلح، مقاتلون في قوات الدفاع الشعبي التابعة لـ”حزب العمال الكردستاني”، مثل “Tavîn Tekoşîn”.
كما ظهر اسم “Avaşin Tekoşin Güneş” كاسم حركي للناشطة الألمانية “Ivana Hoffmann”، التي قاتلت ضمن صفوف تنظيم مقرب من حزب العمال الكردستاني، وقُتلت عام 2015 خلال معارك قرب تل تمر.
ويشير عاملون سابقون في هذه البيئة، تحدثت إليهم عنب بلدي، إلى أن استخدام أسماء حركية مستوحاة من شخصيات سابقة أو رموز داخل الحركة يعد ممارسة معروفة.
اختفاء ميشلمان برفقة أحمد بولاد
في 18 كانون الثاني 2026، اختفت ميشلمان أثناء وجودها في مدينة الرقة برفقة الصحفي الكردي التركي أحمد بولاد، وذلك خلال العمليات العسكرية التي شهدتها المدينة.
لاحقًا، أكدت السلطات السورية احتجازها، قبل الإفراج عنها في حزيران.
وكان بولاد يعمل ضمن المؤسسات الإعلامية نفسها التي ظهرت فيها ميشلمان، ومنها وكالة ETHA وقناة Özgür TV، كما ارتبط اسمه بـ “جمعية الصحافة الحرة في روج آفا” (YRA)، وهي مؤسسة تضم عاملين في المجال الإعلامي المحلي.
ويضع هذا المسار المهني بولاد ضمن شبكة إعلامية تنشط في بيئة سياسية وإعلامية مرتبطة بالحركة الكردية اليسارية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
شهادة عامل سابق: “شبكة إعلامية تتجاوز الحدود“
قال عامل سابق في مؤسسات إعلامية كردية مرتبطة بهذا الفضاء، تحدث إلى عنب بلدي شريطة عدم الكشف عن اسمه، إن وجود أسماء مثل أحمد بولاد داخل هذه المؤسسات “لا يمكن فصله عن طبيعة المنظومة التي تعمل ضمنها”.
وأضاف المصدر أن “عددًا من العاملين في المجال الإعلامي المرتبط بهذه الشبكة هم من كوادر أو أنصار حزب العمال الكردستاني، من أصول تركية وإيرانية وسورية، ويعملون ضمن ترتيبات مرتبطة بالحزب”.
وبحسب المصدر، فإن هذه الشبكة لا تقتصر على شمال شرقي سوريا، بل تمتد إلى دول أوروبية، وهي “مرتبطة تنظيميًا بقيادة الحزب الموجودة في جبال قنديل”، حيث مقر القيادة العسكرية والسياسية للحزب.
وأشار إلى أن الأسماء المستعارة أو الحركية تستخدم ضمن هذه البيئة، وأن بعض العاملين لا يظهرون بأسمائهم الأصلية أثناء نشاطهم الإعلامي أو السياسي.
ما الذي يمكن إثباته؟
يثير ارتباط اسم ميشلمان باسم “توشكين” وأسئلة حول المؤسسات التي عملت معها نقاشًا حول طبيعة البيئة الإعلامية والسياسية التي كانت تنشط فيها.
لكن تحديد طبيعة العلاقة بين الصحفية الألمانية و”حزب العمال الكردستاني” يتطلب أكثر من مجرد العمل في مؤسسات إعلامية تحمل توجهًا سياسيًا قريبًا من خطاب الحركة الكردية، أو استخدام اسم حركي ظهر في سياقات مرتبطة بالحزب.
وتبقى المؤشرات المتاحة مرتبطة بمسار مهني، وأسماء مؤسسات، وطبيعة خطاب إعلامي، وشهادات من أطراف مختلفة، بينما لا توجد معلومات علنية تثبت بصورة قاطعة وجود عضوية تنظيمية لميشلمان في حزب “العمال الكردستاني”.
وتسلط القضية الضوء على إشكالية أوسع تتعلق بالحدود بين العمل الإعلامي والنشاط السياسي في مناطق شمال شرقي سوريا، حيث تداخلت المؤسسات الإعلامية مع بيئات سياسية متباينة، وصار تحديد طبيعة العلاقة بين الصحفي والمؤسسة التي يعمل معها موضع نقاش مستمر.
