كيف تحل سوريا عقدة سداد قروض بنك الاستثمار الأوروبي؟

  • 2026/07/12
  • 4:12 م
وزير المالية السوري محمد يسر برنية يبحث مع وفد من المفوضية الأوروبية وبنك الاستثمار الأوروبي ملف الديون على سوريا خلال مشاركته باجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن - 15 نيسان 2026 (وزارة المالية السورية)

وزير المالية السوري محمد يسر برنية يبحث مع وفد من المفوضية الأوروبية وبنك الاستثمار الأوروبي ملف الديون على سوريا خلال مشاركته باجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن - 15 نيسان 2026 (وزارة المالية السورية)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – وسيم العدوي

في وقت تبحث فيه الحكومة السورية عن موارد جديدة لإنعاش اقتصاد البلاد، عادت إلى الواجهة ديون قديمة تراكمت على سوريا منذ عام 2011، قروض أوروبية بلغت، وفق ما أكده أحد الخبراء، نحو 1.55 مليار يورو.

ورغم وجود تكليف رئاسي لوزارة المالية السورية بمعالجة وإغلاق ملف قروض بنك الاستثمار الأوروبي، فإن الوزارة تواصل التمسك بسياسة التحفظ بشأن الإفصاح عن الأمر، وحتى الآن، لا يعرف السوريون حجم الديون الحقيقي ولا هوية المقترضين، بعد مرور أكثر من عام ونصف على سقوط نظام الأسد.

القروض الأوروبية الممنوحة لعدة جهات حكومية سورية، بحسب ما أكده مصدران لعنب بلدي، بدأ بتقديمها بنك الاستثمار الأوروبي منذ 1978، بهدف دعم المشاريع التنموية والبنى التحتية في سوريا، وأسهم بمئات ملايين اليوروهات لتمويل مشاريع في مجالات المياه والكهرباء ومعالجة المياه، ومشروع محطة الكهرباء في دير علي.

وصرح مسؤول سوري سابق في مكتب الارتباط السوري مع بنك الاستثمار الأوروبي، قبل توقفه عن العمل، لعنب بلدي (تحفظ على نشر اسمه)، أنه كان من المقرر أن “يشارك البنك أيضًا في تمويل صفقة لشراء طائرات مدنية لسوريا بقيمة 600 مليون يورو، إلا أن ذلك لم يتم”.

وكانت عنب بلدي توجهت سابقًا بأسئلة لوزارة المالية السورية، حول الحلول المطروحة من قبل الوزارة لمعالجة قروض البنك الأوروبي المذكورة سابقًا، دون أن تتلقى ردًا على الحجم الإجمالي لهذه القروض وهوية المقترضين حتى تاريخ نشر هذا التقرير.

المالية السورية توقف الملاحقة القضائية

توقف بنك الاستثمار الأوروبي عن نشاطاته في سوريا بقرار من الاتحاد الأوروبي بعد اندلاع الثورة السورية، ورغم أن العقوبات على سوريا كانت عاملًا مؤثرًا في القرار، فإن السبب الأهم تمثل في:

  • ارتفاع حجم المخاطر البنكية نتيجة الحراك الشعبي.
  • الضغوط التي تعرض لها البنك لزيادة نسب الاحتياطيات للتحوط من المخاطر، في ظل عدم وجود التزام قانوني بإجراء ذلك.

واستثنى الرئيس السوري، أحمد الشرع، في حزيران الماضي، التسهيلات الائتمانية (القروض) الممنوحة من بنك الاستثمار الأوروبي، من أحكام المرسوم رقم “70” لعام 2026، القاضي بتطبيق أحكام تسوية الديون والتسهيلات الائتمانية المتعثرة في المصارف العامة، ومنح إعفاءات من الفوائد التأخيرية والعقدية والغرامات، مع تنظيم إعادة جدولة الديون التي تتجاوز كتلة الدَّين فيها مئة مليون ليرة سورية، وذلك وفق الشروط والمهل المحددة في مواد المرسوم.

المرسوم ذاته وكّل وزارة المالية السورية بمعالجة الملف، عبر قيام الوزير، محمد يسر برنية، بتشكيل لجنة للنظر في قروض بنك الاستثمار الأوروبي بقرار منه.

برنية أصدر أيضًا قرارًا بتكليف المصارف العامة ذات الصلة بقروض بنك الاستثمار الأوروبي، بدراسة إمكانية التريث في إجراءات الملاحقة القضائية بحق المقترضين (دون أن يحدد هويتهم)، وذلك لحين انتهاء أعمال لجنة معالجة قروض بنك الاستثمار الأوروبي وإصدار القرار بشأنها.

واشترط في “وقف الملاحقة القضائية” المقررة، الحفاظ على ما تم من إجراءات قانونية سابقة، حماية للمال العام ومصالح المواطنين، وفقًا لما نقلته الوكالة السورية للأنباء (سانا) آنذاك عن الوزارة.

وكانت صحيفة محلية سورية كشفت عندما أوقف الاتحاد الأوروبي تعاون بنك الاستثمار الأوروبي مع سوريا في 2011، أن أغلبية المقترضين من البنك هم من الجهات الحكومية السورية وليسوا مواطنين.

وقالت الصحيفة، حينها، إن معظم القروض كانت مخصصة لمشروعات تنموية أو مساندة لتطوير وتحديث البنى التحتية ووسائل النقل، لا سيما تمويل جزء من صفقة طائرات مدنية أوروبية لتحديث أسطول الخطوط الجوية السورية.

وفي حزيران الماضي، أكد وزير المالية السوري أهمية تسريع معالجة ملف القروض المتعثرة لبنك الاستثمار الأوروبي، وذلك خلال ترؤسه اجتماعًا للجنة المكلفة بمعالجة هذه القروض والمشكّلة بموجب المرسوم رقم “70” لعام 2026.

وشدد برنية على أهمية تسريع أعمال اللجنة، وإنجاز المهام الموكلة إليها ضمن الأطر الزمنية المحددة، بما يضمن:

  • التوصل إلى آلية قانونية وحلول مالية منصفة وعملية لمعالجة ملف هذه القروض.
  • حفظ حقوق البنوك من جهة، والمساعدة من جهة أخرى في تخفيف الأعباء على المتعثرين وتنشيط الاقتصاد.

سوريا تقترح تحويل الديون إلى استثمارات

وزير المالية السوري ناقش، في نيسان الماضي، مع وفد رفيع المستوى من مفوضية الاتحاد الأوروبي وبنك الاستثمار الأوروبي، فرص “تحويل الديون القائمة تجاه سوريا إلى استثمارات ومنح”.

وجاء ذلك ضمن لقاء مشترك على هامش مشاركة الوزير السوري في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، وضم الوفد الأوروبي، المدير العام لعمليات بنك الاستثمار الأوروبي، أندرو ماكدويل، والمدير العام للإدارة العامة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخليج في المفوضية الأوروبية، مايكل كارنيتشنيغ.

وتناولت المباحثات أيضًا مركز المعرفة والتدريب وبناء القدرات الذي يعتزم الاتحاد الأوروبي إنشاءه في سوريا، وتوفير الدعم الفني للإصلاحات الاقتصادية والمالية الجارية، وتعزيز الاستثمارات الأوروبية في سوريا.

خبير: القروض تقارب 1.4 مليار يورو

استنادًا إلى مصادر أوروبية، كشف الخبير المالي والاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم، في حديث إلى عنب بلدي، عن حجم وتفاصيل التمويل المقدم من جانب بنك الاستثمار الأوروبي لسوريا.

وقال إن البنك موّل مشاريع في سوريا قبل 2011 بقيمة تقارب 1.4 مليار يورو منذ عام 1978، وتوقفت القروض والدفعات الجديدة بعد قرار من مجلس الاتحاد الأوروبي في 2011، منع بموجبه البنك من إجراء أي دفعات أو تحويلات مرتبطة باتفاقيات القروض القائمة مع سوريا.

وكانت أكبر حصة من القروض لقطاع الطاقة والكهرباء بنحو 676 مليون يورو، وشملت تحديث شبكات النقل والتوزيع، وبناء محطتي دير علي 1 و2 بطاقة تقارب 1500 ميجاواط، منها:

75 مليون يورو لتحديث شبكة نقل الكهرباء عام 2000.

115 مليون يورو لتوزيع الكهرباء عام 2001.

200 مليون يورو لمحطة دير علي عام 2004.

275 مليون يورو لمحطة دير علي 2 عام 2008.

ومعظم الجهات المرتبطة بهذه المشاريع كانت جهات حكومية، خصوصًا وزارة الكهرباء، والمؤسسة العامة لتوليد ونقل الكهرباء، وفقًا للخبير عبد الكريم.

ولكن ليس صحيحًا أن كل القروض ذهبت فقط لوزارة الكهرباء، بحسب الخبير السوري، فهناك قروض لقطاعات أخرى منها:

  • قروض للصحة بقيمة 230 مليون يورو عبر وزارة الصحة.
  • قروض للمياه والصرف الصحي والبنية البلدية بنحو 186 مليون يورو.
  • خطوط ائتمان للمشاريع الصغيرة والمتوسطة بنحو 107 ملايين يورو.
  • قرض بنحو 105 ملايين يورو لشركة إسمنت خاصة قرب حلب.
  • إضافة إلى مليوني يورو لمؤسسة التمويل الصغير الأولى في سوريا.

أحكام أوروبية بأكثر من 150 مليون يورو مع الفوائد

فيما يتعلق بالأحكام الصادرة عن المحاكم الأوروبية، أوضح الدكتور عبد الكريم أن هناك أحكامًا صادرة من المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي لمصلحة الاتحاد الأوروبي ممثلًا ببنك الاستثمار الأوروبي، بسبب عدم سداد أقساط القروض بعد 2011، وكانت على الشكل التالي:

  •  في ملف توزيع الكهرباء رقم “20948”، صدر حكم في 2019 بمبلغ 52.657 مليون يورو، ثم حكم آخر في 2023 بمبلغ 28.778 مليون يورو، مع فوائد تعاقدية وتأخيرية.
  • في ملف نقل الكهرباء رقم “20868”، صدر حكم في 2019 بمبلغ 38.934 مليون يورو و3.384 مليون فرنك سويسري، ثم حكم آخر في 2023 بمبلغ 22.857 مليون يورو و1.985 مليون فرنك سويسري، مع استمرار الفوائد التأخيرية حتى السداد.

ونفى الخبير الاقتصادي السوري أن يكون قد تم “إسقاط الفوائد” من قبل المحكمة الأوروبية في موضوع قروض بنك الاستثمار الأوروبي، وقال إنه “لا يوجد ما يثبت أن الفوائد على القروض الخارجية أُسقطت فعليًا، وعلى العكس، فإن الأحكام الأوروبية تنص على استمرار احتساب الفوائد التأخيرية حتى تاريخ السداد”.

وأشار إلى أن قرار المالية السورية الأخير حول دراسة إمكانية التريث في الملاحقات القضائية بحق المقترضين إلى حين انتهاء اللجنة من عملها، مع الحفاظ على الإجراءات القانونية السابقة حماية للمال العام، لا يعتبر “إسقاطًا نهائيًا للفوائد أو أصل الدَّين”، يحسب الخبير ذاته.

ويرى عبد الكريم أن أي إسقاط أو إعادة جدولة حقيقية للفوائد الخارجية يحتاج إلى اتفاق رسمي مع بنك الاستثمار الأوروبي أو الاتحاد الأوروبي، وليس مجرد قرار داخلي من وزارة المالية السورية، موضحًا أن ملف الديون الخارجية قديم، ومعظمها سيادي أو مرتبط بجهات عامة، خصوصًا الكهرباء.

وتندرج الجهود الحكومية نحو إنهاء ملف قروض بنك الاستثمار الأوروبي في إطار تعزيز معايير الامتثال والحوكمة، التي سبق أيضًا أن أعلن عنها مصرف سوريا المركزي ضمن استراتيجيته (2026-2030)، عبر إلزام المصارف الخاصة السورية بالاعتراف بأن ودائعها في المصارف اللبنانية هي خسائر، وتكوين مخصصات وأصول كاملة جديدة، وتعديل التشريعات لتتوافق مع معايير مجموعة العمل المالي العالمية (FATF).

مقالات متعلقة

  1. تعليق العقوبات الأوروبية.. أثر محدود لا يلبي متطلبات التعافي
  2. قروض تبدأ بـ50 مليون يورو لمشاريع الطاقة المتجددة في سوريا
  3. صعوبات أمام مشروع عربي أوروبي لهيكلة المصارف
  4. النظام السوري يراكم عبء خزينته بـ"السندات"

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية