عنب بلدي – شعبان شاميه
في عالم يفيض بالتنافسية، لم تعد الطفولة مجرد سنوات للعب والمرح، بل تحولت في بيوت كثيرة إلى “مشروع تجاري مؤجل” يدار بعقلية الاستثمار طويل الأجل.
هذا الواقع الجديد يترجمه تزاحم الأسر غير المسبوق على إلحاق الصغار بصفوف البرمجة واللغات والموسيقا. سباق محموم وحقائب مثقلة بالمهارات، يخفي وراءه تساؤلًا جوهريًا: هل نضمن مستقبلهم، أم نسرق طفولتهم؟
فلسفة الأنشطة وحرية الطفولة
أكد استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، أن الأنشطة قيمتها عالية كأدوات تعليمية، لكن الأزمة تكمن في الفلسفة المحركة لها.
وقالت الاستشارية، إن مبالغة الوالدين في حشو جدول الطفل تسلب منه أهم احتياجاته النفسية، وتحديدًا “المساحة الحرة” الضرورية لتشكيل الخيال ونضج الشخصية والاعتماد على الذات.
وشددت العرنوس على أن الطفل ليس آلة للتعبئة المعرفية، بل ينمو في لحظات الصمت والملل واللعب غير الموجه، معتبرة أن أوقات الفراغ هذه تشكل ركيزة أساسية للبناء النفسي والمعرفي وليست وقتًا ضائعًا.
ذكاء الملل الإيجابي
يرى مختصو التربية الحديثة أن الملل ليس عدوًا للطفل، بل هو أداة تطويرية تُعرف بـ”الملل الإيجابي”، وقالت الاستشارية، إن توقف الدماغ عن استقبال الأنشطة الجاهزة يحفزه تلقائيًا على البحث عن بدائل، مما ينشط المخيلة ويفجر طاقات الابتكار لدى الطفل.
وأشارت العرنوس إلى أن ترك الطفل لبعض الوقت دون برنامج مسبق يدعوه إلى ابتكار ألعابه، أو تأليف القصص، أو الرسم، أو طرح أسئلة عميقة.
هذه العمليات العقلية المعقدة تتطلب مساحات حرة يشعر فيها الطفل بالمسؤولية عن إدارة وقته، ولا يمكن أن تنمو في بيئة مزدحمة بالتوجيهات المستمرة.
بناء على ذلك، تعيد التربية الحديثة تعريف “الملل” كفرصة لتدريب الطفل على المبادرة، وتحمّل الفراغ، وإيجاد الحلول الذاتية، فالطفل الذي يتقن إدارة وقت فراغه اليوم، يتحول مستقبلًا إلى شخصية أكثر استقلالية وقدرة على التفكير الإبداعي.
من فقدان الاستقلالية إلى القلق الحاد
نبهت الاستشارية إلى أن المبالغة في هندسة تفاصيل حياة الطفل اليومية تخلق تداعيات نفسية خطيرة، أبرزها تجريده تدريجيًا من حسه الاستقلالي، فعندما يتولى الكبار تخطيط كل شاردة وواردة في يومه، ينشأ الطفل على ثقافة “تلقي التعليمات” بدلًا من “صناعة القرار”، مما يعطل نموه الشخصي والقيادي.
كما أن التكديس المفرط للأنشطة والالتزامات يحرم الطفل من فرصة الإنصات لداخله واستكشاف هويته، إذ ينتقل من برنامج إلى آخر دون أن يُتاح له الوقت لطرح تساؤلات جوهرية حول رغباته وشغفه ومصادر متعته الحقيقية، والنتيجة الحتمية لذلك هي صناعة طفل قد يكون “متفوقًا” في مجالات متعددة، لكنه منفصل تمامًا عن ميوله الحقيقية.
في السياق ذاته، حذرت العرنوس من وقوع هؤلاء الأطفال تحت ضغط نفسي يرفع مستويات القلق والإجهاد لديهم، نتيجة العيش المستمر تحت وطأة الإنجاز، إذ يتحول كل نشاط في نظرهم إلى اختبار جديد يتطلب الأداء المثالي، وهو ما يطور لديهم شخصية تخشى التوقف، وترهن قيمتها الإنسانية بحجم ما تنجزه لا بما هي عليه.
كما لفتت الانتباه إلى أثر سلبي خطير قد يغفل عنه الكثير من الآباء، ويتجسد في ضعف المرونة النفسية، فالطفل الذي اعتاد جداول معلّبة ومبرمجة لكل دقيقة، يُصاب بالارتباك الشديد والعجز أمام أي وقت مفتوح أو سيناريو غير مخطط له، نظرًا إلى أنه لم يتعلم مهارة إدارة الفراغ أو اتخاذ القرار بمفرده.
دوافع التكثيف التربوي
عزت الاستشارية اندفاع الآباء لملء جداول أبنائهم دون توقف إلى ثقافة العصر التي تربط النجاح بالانشغال الدائم، فضلًا عن الخوف من تأخر الأطفال عن أقرانهم.
وأشارت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تعزيز هذا القلق عبر استعراض إنجازات أطفال آخرين، مما يضغط على أولياء الأمور لتقليدهم.
وتعتمد التربية الصحيحة، بحسب العرنوس، على فهم احتياجات الطفل ومناسبتها لعمره وشخصيته، وليس مقارنة الجداول، مع ضرورة ترك وقت كافٍ للراحة واللعب الحر والحياة الأسرية.
عندما يتحول الإنجاز إلى عبء ثقيل
حددت الاستشارية مجموعة من العلامات التحذيرية التي تؤكد معاناة الطفل من الإفراط في الأنشطة، أبرزها فقدان الشغف بالهوايات المفضلة، والشكوى المستمرة من الإرهاق، وسرعة الانفعال، واضطرابات النوم.
وأشارت إلى أن مقاومة الذهاب للتدريبات وتراجع الدافعية العامة تعد إشارات واضحة على الضغط النفسي والبدني.
وحذرت العرنوس من خطورة تحول الطفل في بعض الحالات إلى مجرد “منفذ آلي” للتعليمات، يفقد القدرة على المبادرة والفضول المعرفي، وينتظر التوجيه الدائم نتيجة حرمانه من اختيار أنشطته بحرية.
كما حذرت الأسر من غياب متعة الإنجاز لدى الأبناء، والتعامل مع النجاح كواجب مستمر وثقيل، داعية أولياء الأمور إلى وقفة جادة لتقييم ما إذا كانت هذه الأنشطة تدعم نمو الطفل أم أنها مجرد سباق منهك لا ينتهي.
استراتيجية التوازن النفسي
ترى الاستشارية أن تحقيق التوازن بين تنمية مهارات الطفل والحفاظ على فطرته يبدأ أساسًا من تغيير الفلسفة التربوية السائدة لدى الوالدين، إذ لا يكمن الهدف في إجبار الطفل على إتقان كل شيء، بل في ضمان نموه بشكل سليم ومتوازن.
ونصحت العرنوس باختيار عدد محدود من الأنشطة التي تتوافق بدقة مع ميول الطفل وقدراته الحقيقية، بدلًا من إغراق أسبوعه ببرامج متلاحقة تستهلك طاقته.
كما أكدت ضرورة إدراج وقت يومي حر وغير مخطط له في جدول الطفل، بحيث يخلو تمامًا من الواجبات أو التعليمات، مشيرة إلى أن هذا الوقت ليس فراغًا، بل مساحة حيوية يختبر فيها الطفل قدرته الذاتية على الاختيار وتنظيم نفسه وصناعة أفكاره الخاصة.
وأشارت إلى أهمية تخصيص وقت أسري مشترك يتجرد من لغة الإنجاز والتقييم المستمر، ليكون مساحة مفتوحة للحوار والضحك والخروج العفوي دون أي هدف تعليمي مسبق، معتبرة أن هذه اللحظات البسيطة هي التي تبني الأمان النفسي للطفل بشكل أعمق مما تفعله عشرات الدورات التدريبية.
