أنهت محافظة الحسكة موسم حصاد الحبوب الشتوية للعام الزراعي 2025- 2026 على وقع إنتاج يُعد من الأعلى خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بموسم مطري وفير انعكس مباشرة على إنتاجية القمح والشعير، وخفّض حاجة المزارعين إلى الري، في وقت تتواصل فيه عمليات استلام المحصول وسط توقعات بتجاوز الكميات المسوّقة حاجز المليون طن.
إنتاج مرتفع وتسويق مستمر حتى نهاية آب
وبحسب معاون مدير الزراعة والإصلاح الزراعي في الحسكة، المهندس عز الدين الحسو، فإن أعمال حصاد المحاصيل الشتوية للموسم الحالي انتهت، محققة “مؤشرات إنتاجية جيدة” مقارنة بالسنوات السابقة، مع استمرار عمليات تسويق القمح إلى مراكز الاستلام المنتشرة في المحافظة.
وقال الحسو، في حديث إلى عنب بلدي، إن كميات القمح المسوّقة إلى مراكز الاستلام تجاوزت 863 ألف طن حتى 12 من تموز الحالي، مشيرًا إلى أن عمليات التسويق لا تزال مستمرة، ومن المتوقع أن يصل إجمالي الإنتاج المسوّق إلى مليون طن على الأقل مع انتهاء الموسم.
وأوضح أن المساحات القابلة للحصاد خلال الموسم الحالي بلغت نحو 373.5 ألف هكتار مزروعة بالقمح، و289 ألف هكتار بالشعير، إضافة إلى نحو 24 ألف هكتار من العدس بمختلف أنواعه، وهو ما يعكس اتساع الرقعة المزروعة بالمحاصيل الشتوية في المحافظة.
وأضاف أن مراكز الاستلام تواصل استقبال القمح بنوعيه “المجوّل” و”الدوكما”، مؤكدًا أن إجراءات التسويق أصبحت أكثر انسيابية بعد تجاوز المشكلات التي واجهت بعض المزارعين في بداية الموسم عند استخدام المنصة الإلكترونية المخصصة لتنظيم عمليات التسويق.
وأشار الحسو إلى أن الصعوبات المرتبطة بالتسجيل الإلكتروني انتهت، وأن إجراءات تسليم المحاصيل تسير حاليًا بصورة سلسة، ما ساهم في تسريع وتيرة الاستلام وتقليل الازدحام في المراكز.
ولفت إلى أن عمليات استلام المحاصيل ستستمر حتى نهاية آب المقبل، أو إلى حين استلام آخر الكميات المسجلة على المنصة، بما يضمن تسويق كامل الإنتاج المخصص للبيع.
وقف منح شهادات المنشأ بعد انتهاء الحصاد
وفيما يتعلق بإجراءات منح شهادات المنشأ، أوضح معاون مدير الزراعة أن العمل بإصدار هذه الشهادات توقف بعد انتهاء موسم الحصاد، تنفيذًا لتعميم صادر عن مديرية الزراعة، مع استمرار عمليات التسويق للمزارعين الذين سبق أن حصلوا على أدوار عبر المنصة الإلكترونية.
وفي السياق ذاته، أصدر مدير الزراعة والإصلاح الزراعي في الحسكة، المهندس هايل أحمد خليف، تعميمًا يقضي بوقف منح شهادات المنشأ اعتبارًا من انتهاء موسم حصاد القمح لعام 2026، مع استثناء المزارعين الذين تعذر عليهم الحصول عليها خلال الموسم، على أن تُمنح حصريًا عبر مديرية الزراعة.
ويأتي القرار بالتزامن مع دخول الموسم مرحلة التسويق النهائية، في ظل استمرار استقبال المحاصيل المسجلة على المنصة الإلكترونية حتى نهاية آب، بما يضمن استكمال استلام الكميات المتبقية من المزارعين.
المزارعون: الأمطار خفضت تكاليف الري ورفعت الغلة
ويرى مزارعون أن الموسم الحالي شكّل نقطة تحول مقارنة بالمواسم السابقة التي تأثرت بالجفاف وتراجع الهطولات المطرية، إذ أسهمت الأمطار الوفيرة التي شهدتها المحافظة خلال الشتاء الماضي في تحسين نمو المحاصيل وخفض تكاليف الإنتاج.
وقال المزارع عبد الله المحيمد، من ناحية تل براك شمال شرقي الحسكة، إن الأمطار التي هطلت خلال فصل الشتاء كانت العامل الأبرز في نجاح الموسم الزراعي، موضحًا أن معظم الأراضي البعلية حققت إنتاجًا جيدًا دون الحاجة إلى كميات كبيرة من مياه الري.
وأضاف لعنب بلدي أن المزارعين اعتمدوا هذا العام بصورة رئيسية على مياه الأمطار، الأمر الذي خفف بشكل كبير من ساعات تشغيل مضخات المياه واستهلاك الوقود، وهو ما انعكس مباشرة على انخفاض تكاليف الزراعة.
وأشار المحيمد إلى أن وفرة الأمطار ساعدت أيضًا على تحسين امتلاء سنابل القمح والشعير، ما رفع متوسط الإنتاج في كثير من الحقول مقارنة بالسنوات الماضية التي شهدت موجات جفاف متكررة.
وبيّن أن الموسم الحالي أعاد الأمل لعدد كبير من المزارعين الذين تكبدوا خسائر خلال الأعوام السابقة نتيجة ارتفاع تكاليف الري وضعف الإنتاج، معتبرًا أن الظروف المناخية الملائمة هذا العام لعبت الدور الأكبر في تعويض جزء من تلك الخسائر.
من جهته، قال المزارع محمد المخلف، من ناحية العريشة جنوب الحسكة، إن الهطولات المطرية المنتظمة منذ بداية الموسم الزراعي وحتى الربيع أسهمت في تقليل الحاجة إلى الري التكميلي، خاصة في الأراضي التي تعتمد عادة على الآبار.
وأوضح لعنب بلدي أن كثيرًا من المزارعين لم يضطروا إلى تشغيل مضخات المياه إلا في حالات محدودة، وهو ما وفر مبالغ كبيرة كانت تُنفق سابقًا على الوقود وصيانة الآبار والمعدات الزراعية.
وأضاف أن تحسن الرطوبة في التربة طوال الموسم ساعد المحاصيل على النمو بصورة طبيعية، كما انعكس على جودة الحبوب وكميات الإنتاج، لافتًا إلى أن معظم المزارعين في المنطقة ينظرون إلى الموسم الحالي باعتباره من أفضل المواسم خلال الأعوام الأخيرة.
وأشار المخلف إلى أن استمرار عمليات التسويق بعد انتهاء الحصاد يمنح المزارعين فرصة لتسليم كامل إنتاجهم دون استعجال، داعيًا إلى الحفاظ على وتيرة الاستلام الحالية لضمان إنهاء الموسم دون تأخير.
موسم يعزز مكانة الحسكة الزراعية
وتُعد الحسكة أكبر المحافظات السورية إنتاجًا للقمح والشعير، إذ تشكل سلة الغذاء الرئيسة في البلاد، وتعتمد مساحات واسعة من أراضيها على الزراعة البعلية، ما يجعل حجم الهطولات المطرية عاملًا حاسمًا في تحديد إنتاجية الموسم.
وخلال السنوات الماضية، تعرض القطاع الزراعي في المحافظة لتحديات متراكمة، أبرزها موجات الجفاف، وتراجع مناسيب المياه، وارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات الإنتاج، ما أدى إلى انخفاض الإنتاج في بعض المواسم، وزيادة الاعتماد على الري في مساحات واسعة.
لكن الموسم الحالي شهد تحسنًا ملحوظًا في الظروف المناخية، مع تسجيل هطولات مطرية جيدة خلال فصل الشتاء، وهو ما انعكس على نمو المحاصيل الشتوية وتقليص الحاجة إلى الري، إضافة إلى تحسين إنتاجية الأراضي البعلية التي كانت الأكثر تأثرًا بالجفاف خلال الأعوام السابقة.
وفي الوقت الذي تقترب فيه كميات القمح المسوّقة من حاجز المليون طن، يتواصل استقبال المحصول من المزارعين، مع استمرار العمل بالمنصة الإلكترونية لتنظيم عمليات التسليم حتى نهاية آب المقبل، في إطار استكمال تسويق كامل إنتاج الموسم.
ويأمل المزارعون أن يشكل نجاح الموسم الحالي بداية لاستقرار الإنتاج الزراعي في المحافظة، إذا ما استمرت الظروف المناخية المواتية، إلى جانب توفير مستلزمات الإنتاج وضمان انسيابية عمليات التسويق، بما يعزز مكانة الحسكة بوصفها المصدر الرئيس للحبوب في سوريا.
