يشهد قطاع النقل والخدمات اللوجستية في سوريا مرحلة جديدة مع توسع استثمارات شركة “CMA CGM” الفرنسية، التي لم تعد تقتصر على تشغيل محطة الحاويات في مرفأ اللاذقية، بل امتدت إلى مشاريع تربط المرافئ بالمواني الجافة والحدود وشبكات النقل.
ويضع هذا التوسع ملف البنية اللوجستية السورية أمام اختبار يتعلق بقدرتها على استعادة دورها في حركة التجارة الإقليمية.
وتعزز هذا الحضور مع الإعلان، في 8 من تموز الحالي، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، إلى دمشق، عن شراكة شملت مشاريع مرتبطة بالمواني الجافة في دمشق وحلب، والمنطقة اللوجستية في منفذ “نصيب”، وتطوير منشآت الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي، إلى جانب خطة لإعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية.
وتأتي هذه الخطوة بعد اتفاق سابق وُقّع في أيار 2025 بين الجهة المشرفة على المواني والشركة الفرنسية، لتطوير وتشغيل محطة حاويات مرفأ اللاذقية لمدة 30 عامًا، ضمن استثمارات تبلغ 230 مليون يورو.
وينص العقد الموقع عام 2025 على استثمار 30 مليون يورو خلال السنة الأولى، و200 مليون يورو خلال السنوات الأربع التالية لإنشاء رصيف جديد بطول 1.5 كيلومتر وعمق 17 مترًا، بما يسمح باستقبال سفن أكبر ورفع القدرة التشغيلية للمرفأ.
إلا أن الرئيس السوري، أحمد الشرع، خلال زيارة ماكرون، أعلن أن الشركة قررت تقديم 200 مليون يورو بعد 14 شهرًا من توقيع العقد، في حين كان العقد الموقع عام 2025 ينص على استثمار هذا المبلغ في السنوات الأربع التالية، ما يشير إلى تسريع تنفيذ هذا الجزء من الاستثمار.
خلف الأرقام والاستثمارات، يطرح توسع دور الشركة الفرنسية أسئلة حول قدرة سوريا على تحويل هذا المشروع من تطوير لمرفأ واحد إلى منظومة نقل قادرة على إعادة رسم موقعها التجاري في المنطقة.
من تشغيل محطة إلى شراكة استثمارية
بدأت علاقة شركة “CMA CGM” مع مرفأ اللاذقية عام 2009، عندما أبرمت أول عقد لإدارة وتشغيل محطة الحاويات، ضمن تحالف ضم شركة “Terminal Link” وشركاء سوريين، باستثمارات بلغت حينها نحو 45.9 مليون دولار، لكن الاتفاقية الجديدة، تختلف عن العقد السابق.
وقال الخبير الاستراتيجي في قطاع النقل البحري، الدكتور عدنان حاج عمر، لعنب بلدي، إن الفرق الأساسي بين العقدين هو الانتقال من مرحلة تشغيل محطة حاويات إلى مرحلة تطوير منظومة نقل متكاملة.
وأضاف أن الاتفاقية الجديدة تنص على تقاسم العائدات بين الدولة السورية والشركة بنسبة 60% للدولة و40% للشركة مع إمكانية تعديل النسب وفق تطور حركة الحاويات بالإضافة لخضوع العقد لقانون الاستثمار السوري ووجود بند للتحكيم الدولي.
الرصيف الجديد.. بداية التحول
يرتكز الجزء الأكبر من استثمارات المشروع، على إنشاء رصيف بحري جديد بطول 1.5 كيلومتر وعمق 17 مترًا، وهي مواصفات تسمح باستقبال سفن حاويات أكبر من تلك التي يستقبلها المرفأ حاليًا.
وقال حاج عمر، إن تطوير المرفأ لا يتوقف عند إنشاء الرصيف، إذ يحتاج إلى تحديث منظومة التشغيل، ومنها:
- رافعات الحاويات الجسرية ورافعات الساحات.
- أنظمة التشغيل الرقمية.
- الربط الإلكتروني مع الخدمات الجمركية.
وقدّر حاج عمر أن هذه الاستثمارات قد ترفع الطاقة الاستيعابية للمرفأ من نحو نصف مليون حاوية سنويًا إلى ما بين 2.5 وثلاثة ملايين حاوية.
لكنه أوضح أن هذه الأرقام “تقديرات تحليلية وليست أرقامًا رسمية نهائية”، وأن الوصول إليها مرتبط بتنفيذ كامل عناصر المشروع، وليس الرصيف وحده.
وجود الرصيف لا يكفي، فالعملية تحتاج إلى معدات حديثة وأنظمة تشغيل وكوادر قادرة على إدارة المرفأ وفق المعايير الدولية.
عدنان حاج عمر
خبير استراتيجي في النقل البحري
من المرفأ إلى شبكة لوجستية
لا تقتصر الاتفاقية الموقعة في أيار 2025 على تطوير الحاويات في مرفأ اللاذقية، إذ يشمل ربطه بموانٍ جافة في دمشق وحلب، إضافة إلى المنطقة اللوجستية في “نصيب”.
ويرى حاج عمر أن هذا الربط “يمكن أن يحول اللاذقية من نقطة عبور بحرية إلى محور لشبكة نقل وطنية”، كما أن نقل الحاويات مباشرة إلى مراكز التخليص الداخلية يسهم في:
- نقل الحاويات مباشرة بدل تكديسها في الميناء.
- تقليل الضغط على ساحات التخزين.
- تسريع حركة السفن والبضائع.
- خفض مدة انتظار الشحنات.
- ربط حلب بشبكة تجارية حديثة بعد سنوات من العزلة اللوجستية.
لكن نجاح هذا النموذج، وفق حاج عمر، مرتبط بتطوير البنية التحتية البرية، خصوصًا السكك الحديدية.
إعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية، التي كانت تمتد لنحو 2800 كيلومتر ولم يعد يعمل منها إلا القليل، تمثل عاملًا حاسمًا، لأن الاعتماد الكامل على النقل البري يرفع تكاليف نقل البضائع.
عدنان حاج عمر
خبير استراتيجي
ورغم عودة حركة نقل البضائع بالقطار بين مرفأ اللاذقية والمرفأ الجاف في عدرا بعد توقف 14 سنة، يبقى التحدي في تحويل هذا الخط إلى خدمة منتظمة قادرة على استيعاب حركة تجارية واسعة، وهنا يأتي دور الحكومة وليس الشركة المستثمرة، بحسب حاج عمر.
هل تستعيد سوريا دورها كممر تجاري؟
يرى الخبير الاقتصادي عمار يوسف أن أهمية الاتفاقية لا ترتبط بالمرفأ فقط، بل بالرسالة التي تحملها بشأن عودة الشركات العالمية إلى السوق السورية.
وقال يوسف لعنب بلدي، إن وجود شركة بحجم “CMA CGM” يمثل إشارة إلى إمكانية الاستثمار والعمل في سوريا، وقد يشجع شركات أخرى على دراسة السوق.
وأضاف أن المشروع قد يفتح المجال أمام بناء ممرات توريد وسلاسل إنتاج تمر عبر سوريا، مستفيدة من موقعها بين البحر المتوسط والعراق والخليج وأوروبا، لكنه شدد على أن جذب الاستثمارات وزيادة الصادرات يحتاج إلى عوامل أخرى، منها:
- الاستقرار الاقتصادي والسياسي.
- تحسين بيئة الاستثمار.
- تأمين الطاقة والتمويل.
- تطوير البنية التحتية.
فرصة لاستعادة دور تجاري.. لكن بشروط
رغم أهمية المشروع، يحذر الخبير عدنان حاج عمر من اعتباره حلًا منفردًا لمشكلات قطاع النقل السوري.
وأشار إلى أن المرفأ يواجه منافسة إقليمية مع موانٍ مثل بيروت وحيفا ومرسين وبورسعيد، إضافة إلى الحاجة لاستثمارات واسعة لإعادة تأهيل البنية التحتية.
وأوضح أن نجاح المشروع يعتمد على عدة عوامل، بينها:
- التنسيق بين المؤسسات الحكومية في الربط بين الميناء والجمارك و المراكز الداخلية.
- توفير بيئة تشغيل مستقرة وآمنة.
- تأمين التمويل اللازم لإعادة الشبكة الوطنية للنقل، فتكلفتها كبيرة جدًا، وتتجاوز بكثير حجم استثمار الشركة.
- تنشيط الحركة التجارية، إذ يبقى العائد فعلي من الاستثمار مرتبطًا بحجم الطلب التجاري على استخدام هذا الممر.
سوريا تمتلك الموقع الجغرافي والفرصة الاستثمارية، لكن التحول إلى مركز ترانزيت إقليمي يحتاج إلى تراكم مشاريع وتنفيذ فعلي، وليس إلى اتفاقية واحدة فقط مهما كان حجمها.
عدنان حاج عمر
خبير استراتيجي في النقل البحري
متى تظهر نتائج الاستثمار؟
يرى الخبير الاستراتيجي في قطاع النقل البحري الدكتور عدنان حاج عمر، أن الأثر الاقتصادي للاتفاقية لن يكون فوريًا، إذ يرتبط بإنجاز البنية التحتية الجديدة ودخولها مرحلة التشغيل الكامل.
وقال إن نجاح المشروع في تجاوز التحديات قد ينعكس على الاقتصاد السوري من خلال:
- خفض كلفة الاستيراد والتصدير عبر تقليل زمن مناولة البضائع والحد من الاعتماد على النقل البري مرتفع الكلفة.
- جذب استثمارات أجنبية إضافية، باعتبار الاتفاقية مؤشرًا أوليًا على عودة اهتمام المستثمرين الدوليين بالسوق السورية.
- خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعي الموانئ والخدمات اللوجستية.
- دعم حركة التصدير والاستيراد، وتعزيز فرص استعادة سوريا تدريجيًا دورها كممر تجاري إقليمي.
وأضاف حاج عمر أن هذه النتائج “لن تظهر في السنوات الأولى”، إذ ستتركز هذه المرحلة على تنفيذ أعمال الإنشاء والتطوير، بينما يُتوقع أن يبدأ الأثر الاقتصادي بالظهور بصورة أوضح بعد اكتمال البنية التحتية ودخولها الخدمة.
علاقة بدأت من اللاذقية
ترتبط مجموعة “CMA CGM” بتاريخ طويل مع المنطقة، إذ أسسها رجل الأعمال اللبناني الفرنسي جاك سعادة، المنحدر من مدينة اللاذقية، عام 1978 في مدينة مرسيليا الفرنسية.
وانطلقت أولى خطوط الشركة البحرية بين بيروت واللاذقية وليفورنو ومرسيليا، قبل أن تتحول لاحقًا إلى واحدة من أكبر شركات الشحن والخدمات اللوجستية عالميًا.
وبعد وفاة جاك سعادة عام 2018، تولى ابنه رودولف سعادة رئاسة المجموعة، وقاد توسعها في مجالات النقل البحري والجوي والخدمات اللوجستية.
ويمثل الاستثمار الحالي في سوريا امتدادًا لهذه العلاقة التاريخية مع مرفأ اللاذقية، لكنه يأتي ضمن مشروع أوسع يهدف إلى تطوير شبكة لوجستية تتجاوز تشغيل محطة الحاويات.
