أحيا أهالي قرية التريمسة في ريف حماة، الأحد 12 من تموز، الذكرى السنوية الـ14 للمجزرة التي وقعت عام 2012، بعد عودة معظم السكان إلى القرية عقب سنوات من النزوح، وسط أضرار واسعة طالت منازلهم.
وتزامن إحياء الذكرى مع تطلعات الأهالي إلى مسار العدالة الانتقالية، ومحاسبة المسؤولين عن المجزرة، وجبر ضرر عائلات الضحايا، في وقت يواجه فيه العائدون تحديات تتعلق بإعادة الإعمار والخدمات والظروف المعيشية.
شهادات ودعاوى فردية
قال الناشط المدني صهيب الوحيد، وهو من أبناء التريمسة ويتابع ملف محاسبة المتورطين في المجزرة، لعنب بلدي، إن خطوات تحقيق العدالة خلال السنوات الماضية اقتصرت على شهادات قدّمها ناجون وشهود، إلى جانب دعاوى فردية رفعها أهالٍ أمام القضاء السوري ضد أشخاص محددين، استنادًا إلى أدلة وإثباتات بحوزتهم.
وأوضح الوحيد أن هذه التحركات بقيت ضمن نطاق فردي، ولم تشمل المسؤولية الأوسع عن المجزرة، سواء على مستوى المؤسسات العسكرية السابقة أو كبار الضباط، إذ لم يُسجّل، بحسب قوله، أي تقدم في محاسبتهم حتى الآن.
وعزا ذلك إلى غياب هيكلية قانونية وتشريعية كانت تنظم عمل العدالة الانتقالية، وتضمن توثيق حقوق ذوي الضحايا والمعتقلين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات. وأعرب عن أمله في تحقيق تقدم بعد إقرار مشروع العدالة الانتقالية وبدء العمل عليه.
وأضاف الوحيد أن أهالي التريمسة يعوّلون على مسار العدالة الانتقالية، مشيرًا إلى أن فعالية إحياء الذكرى شهدت نقاشًا موسعًا حول المشروع وآليات محاسبة المتورطين، على مختلف مستويات المسؤولية.
وبحسب الوحيد، تحدث مسؤولون في هيئة العدالة الانتقالية عن وجود وثائق وأدلة محفوظة لدى مؤسسات الدولة، يمكن الاستناد إليها في إجراءات المحاسبة.
وعبّر الوحيد عن ثقة الأهالي بقدرة الدولة وهيئة العدالة الانتقالية على إنصاف عائلات الضحايا وأصحاب الحقوق، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين.
وقال إن وفدًا من المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية، برفقة ممثلين عن هيئة العدالة الانتقالية ووزارة الخارجية والمغتربين السورية، زار التريمسة، أمس الأحد، بالتزامن مع الذكرى الـ14 للمجزرة.
وأضاف أن الزيارة هدفت إلى إحياء ذكرى الضحايا، والوقوف إلى جانب عائلاتهم، والاستماع إلى شهاداتهم، والاطلاع على تفاصيل ما شهدته القرية في 12 من تموز 2012.
200 آلية تحاصر التريمسة
وثّق تقرير لـ”الشبكة السورية لحقوق الإنسان” شهادات متطابقة لأهالي التريمسة حول تفاصيل المجزرة، أفادت بأن القرية طُوقت بالكامل عند الساعة الرابعة من فجر الخميس 12 من تموز 2012، بقوة عسكرية كبيرة قدمت من مدينة محردة المجاورة، تلتها تعزيزات من مطار حماة العسكري.
وقدّر الشهود، بحسب التقرير، القوة التي حاصرت القرية من جميع الجهات بنحو 200 آلية عسكرية، شملت دبابات ومدرعات وعربات “شيلكا” المضادة للطيران وشاحنات “زيل” وحافلات وسيارات دفع رباعي.
ورافقت الآليات قوة من جنود المشاة بالزي الرسمي للجيش السوري السابق، وصلوا في نحو 25 شاحنة “زيل”، إلى جانب مسلحين بالزي المدني يحملون بنادق رشاشة، قدموا في حافلات بيضاء وسيارات “بيك آب”.
وأُغلقت الجهة الشمالية من القرية عبر طريق قرية جلمة، والجهة الشرقية عبر طريق قريتي الجديدة وكفرهود، والجهة الجنوبية الشرقية عبر طريق قرية خنيزير، والجهة الغربية عبر طريق قرية الصفصافية.
ومنع الحصار العسكري حركة الدخول إلى القرية والخروج منها قبل بدء القصف.
أربع ساعات من القصف ومقتل فارّين
أفادت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” أن القصف على القرية بدأ بين الساعة الرابعة والخامسة فجرًا، واستهدف جهاتها الأربع من دون إنذار مسبق.
واستُخدمت في القصف دبابات من طراز “T-72” وأنواع أخرى، إلى جانب عربات “شيلكا” والرشاشات الثقيلة والمتوسطة ومدافع الهاون.
واستمر القصف قرابة أربع ساعات، بمشاركة ثلاث مروحيات عسكرية، بينما حلّقت طائرة رابعة، وصفها الشهود بأنها مختلفة الشكل، على ارتفاع أعلى من دون أن تشارك في القصف. ورجّح الشهود أنها طائرة استطلاع مسيّرة استُخدمت للرصد والمراقبة.
وحاول أهالٍ مغادرة القرية نحو القرى المجاورة مع بدء القصف، لكن الحصار المفروض حال دون ذلك. ووثّق التقرير مقتل مدنيين خلال محاولتهم الفرار، بينهم يوسف العبيد، وهو رجل مسن عُثر عليه مقتولًا بالرصاص في منطقة تُعرف بأراضي السميرة شمالي القرية.
كما قُتل إمام مسجد يُدعى وحيد عبد السلام قطاش، وكان في الأربعينيات من عمره، وابنه طه، البالغ 17 عامًا، وهما من قرية كفرهود المجاورة.
وبحسب التقرير، أوقفتهما قوات الجيش المتمركزة شرقي التريمسة على طريق كفرهود خلال محاولتهما العودة إلى قريتهما، وقتلتهما بالرصاص.
وأضاف التقرير أن جثمان الأب رُبط بآلية عسكرية وسُحل على الطريق، قبل نقله إلى منزل أحد السكان الذي أُضرمت فيه النيران لاحقًا.
واقع معيشي صعب وآمال بجبر الضرر
قال الناشط صهيب الوحيد إن معظم أهالي التريمسة عادوا إلى منازلهم بعد سنوات من النزوح، لكن قسمًا منها كان مهدّمًا، وآخر تعرض للحريق خلال المجزرة، في حين أصبحت منازل أخرى غير صالحة للسكن نتيجة الحرب والإهمال وغياب أصحابها عنها.
وأضاف أن العائدين يواجهون تحديات خدمية واجتماعية، في ظل وجود عدد من الأرامل والأيتام في القرية.
وبحسب الوحيد، تحدث مسؤولو هيئة العدالة الانتقالية عن جبر ضرر عائلات الضحايا بوصفه أحد مسارات العدالة الانتقالية، إلى جانب التحقيق والمساءلة وتحقيق السلم الأهلي.
وأشار إلى أن المسؤولين لم يقدموا تفاصيل موسعة حول آليات جبر الضرر، معربًا عن أمله في أن يسهم هذا المسار في تحسين الظروف المعيشية والخدمية والاجتماعية لعائلات الضحايا وأهالي القرية.
ويترقب أهالي التريمسة ما ستسفر عنه إجراءات هيئة العدالة الانتقالية، ومدى تحول الوعود إلى خطوات عملية في مجالي المحاسبة وجبر الضرر.
