يواجه المزارعون في مناطق متفرقة من سوريا أزمة معيشية خانقة تهدد استمرارهم في العمل الزراعي، في وقت تتضاعف فيه تكاليف الإنتاج من بذور وأسمدة وأدوية ومحروقات وأجور عمال، بينما تنخفض أسعار المحاصيل في أسواق الجملة إلى مستويات لا تغطي جزءًا يسيرًا من النفقات.
وتكشف شهادات مزارعين، تحدثوا لعنب بلدي، عن تفاصيل أزمة يومية تبدأ من الحقل ولا تنتهي عند بوابة السوق، وسط غياب شبه كامل للرقابة على أسواق الأدوية والمستلزمات، وإغلاق شبه تام لمنافذ التصدير، لتتحول الزراعة من مصدر رزق إلى باب للدَّين والخسارة.
الأدوية والمبيدات.. غلاء دون فاعلية
المزارع محمود الأجوة، من مدينة دوما في ريف دمشق، قال لعنب بلدي إن أكبر مشكلة تواجهه هي أسعار السماد والدواء غير المرخص والمهرب من الأردن أو تركيا، والذي وصفه بأنه غالي الثمن وضعيف الفاعلية للغاية، ولا يحمل أي ضمانات، لكنه يضطر لشرائه لأنه لا يستطيع تحمل تكاليف المواد المختومة والمصدقة من وزارة الزراعة، مثل منتجات التنمية.
وأوضح أنه كان يخطط لرش محصول البطيخ الأحمر لديه من صنف “كاريزما” يمتد على مساحة 35 دونمًا، بشكل وقائي لمكافحة “اللفحة الصمغية”، لكنه لجأ إلى المواد الأردنية التي يستطيع التاجر أن يبيعها له بالدَّين، في ظل عجزه عن شراء المواد النظامية.
وانتقد محمود الفوضى السعرية في الصيدليات الزراعية، موضحًا أن الدواء الواحد قد يجده في صيدلية بسعر 24 دولارًا ويجده في أخرى بسعر 15 دولارًا، في ظل غياب كامل للرقابة على هذه الصيدليات.
وفي القنيطرة، كشف المزارع ياسر السيد عن بعد آخر من الأزمة يتعلق بجودة المبيدات المتاحة، موضحًا، لعنب بلدي، أنه رش محصول الخيار لمكافحة حشرتي “المن” و”التربس”، لكن المبيدات لم تعطِ أي نتيجة، ولم تؤثر في الحشرة أو تقتلها، واصفًا إياها بالأدوية الفاسدة.
المستلزمات بالدولار والبيع بالليرة
قال المزارع محمود الأجوة، إن غياب خطوط التصدير ورزنامة زراعية واضحة يفاقم الأزمة، موضحًا أن أسواق الخليج والعراق والسعودية شبه مغلقة أمام المنتجات السورية، في حين تُباع المحاصيل بالليرة السورية، بينما ترتبط جميع تكاليف الإنتاج بالدولار، بدءًا من الأدوية والأسمدة، وصولًا إلى السلفة التي يحصل عليها من تاجر سوق “الهال”.
وأضاف أن التاجر لا يعدو كونه وسيطًا يتقاضى عمولة عن كل نقلة يبيعها، لكنه يحرص على إرضاء تاجر الجملة وتاجر الشحن وتاجر “البسطة”، بينما يأتي الفلاح وتعبه في آخر سلم اهتماماته، بحسب تعبيره.
وروى موقفًا يتكرر معه باستمرار، إذ يطلب من التاجر مبالغ مالية لتسديد أجور العمال أو دفع فاتورة الكهرباء، وما إن يدرك التاجر حاجته الملحة للنقود حتى يخفض سعر المحصول ليبيعه بسرعة ويقبض ثمنه بالعملة الصعبة.
وفي حماة، قال المزارع محمد المصري لعنب بلدي، إن المشكلة تبدأ من ارتفاع تكلفة الإنتاج المرتبطة بموردي البذار والأدوية والأسمدة، ثم تمتد إلى سمسار سوق “الهال” وبائع المفرق، واصفًا هذا المسار بأنه حلقة متكاملة من الاستغلال تتم على حساب المنتج الزراعي. وأضاف باختصار: “الجميع يحقق ربحًا معلومًا ومضمونًا، باستثناء المزارع الذي يبقى وحده عرضة للربح أو الخسارة”.
التكاليف والعائد.. معادلة خاسرة
شرح المزارع محمود الأجوة الآلية التي يعمل وفقها، ضاربًا مثالًا بالتكلفة الوسطية لزراعة دونم واحد من البطيخ، من إيجار بئر وماء وأرض وسماد وفلاحة وأيد عاملة وبذار هجينة ودواء للتعقيم، إذ تبلغ نحو 750 دولارًا (ما يعادل نحو 100,125 ليرة سورية جديدة).
في المقابل، فإن الدونم الواحد ينتج نحو سبعة أطنان من البطيخ، لا يصل منها إلى فاتورة السوق سوى ستة أطنان صافية، وقد باع الكيلوغرام الواحد بـ7.5 ليرة سورية جديدة (0.056 دولار)، أي أن إجمالي ما قبضه عن ستة أطنان هو 45,000 ليرة سورية جديدة (نحو 337 دولارًا)، ليخلص إلى أن الدونم الواحد يخسر ما يزيد على 400 دولار (نحو 53,400 ليرة جديدة).
وشدد على أن أثر ارتفاع المحروقات كبير جدًا، خاصة بالنسبة للنقل وأجور الحراثة ونقل البضاعة.
وفي القنيطرة، أيضًا شرح المزارع ياسر السيد تكاليف الإنتاج المتصاعدة، موضحًا أن كيس السماد المتوازن زنة 25 كيلوغرامًا بلغ سعره 10,000 ليرة سورية جديدة (نحو 75 دولارًا)، وساعة الكهرباء بـ17 ليرة جديدة (0.13 دولار)، وأجرة العامل 120 ليرة جديدة للساعة (0.9 دولار)، فيما تبلغ أجرة “تركتور” الرش بخزان ألف ليتر نحو 3,000 ليرة جديدة للرشة الواحدة (22.5 دولار).
وأكد أنه لا يوجد متضرر غير المزارع، أما التاجر فلا يتأثر، لأنه يحصل على نسبة 8% على كل كيلوغرام يباع.
ووصف المزارع ياسر السيد وضع الزراعة بأنه “سيئ”، ضاربًا مثلًا بأسعار الخيار التي بلغت 15 ليرة سورية جديدة للكيلوغرام الواحد (0.11 دولار) في سوق الزبلطاني بدمشق.
وقارن المزارع بين هذا السعر المتدني وتكاليفه التشغيلية، موضحًا أنه يدفع أجرة سيارة نقل 6,000 ليرة سورية جديدة (نحو 45 دولارًا)، إضافة إلى ورشة القطاف التي تبلغ أجرتها 120 ليرة سورية جديدة للساعة (0.9 دولار)، ناهيك بالأسمدة والأدوية، ليخلص إلى أن أجور العمال تفوق دخل المزارع.
وكشف أنه اقترح على زملائه المزارعين التوقف عن الزراعة هذا العام والتوجه للعمل كعامل باليومية، معتبرًا أن ذلك أفضل من الاستمرار في الزراعة.
وقال إنه رغم اهتمامه بزراعة الخضراوات، لم تعد لديه رغبة في الذهاب إلى الأرض هذا العام، بسبب الأسعار والأجور المرتفعة على المزارع فقط.
وأضاف أن عمله كله بالدَّين، من الصيدلية الزراعية وما يتعلق بها من مستلزمات، مؤكدًا أن الأسعار الحالية لا تتناسب مع المزارع بأي شكل من الأشكال.
مطالب بتسهيل التصدير والدعم
يرى المزارعون أن معالجة الأزمة الزراعية تحتاج إلى خطوات تتعلق بفتح أسواق التصدير بشكل أكبر، وتقديم الدعم المباشر للفلاح، وتعزيز الرقابة على الأسواق والمستلزمات الزراعية.
ولخّص المزارع محمود الأجوة أبرز أسباب الأزمة من وجهة نظره، معتبرًا أن ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين يأتي في مقدمة التحديات، يليه التوسع الكبير في الزراعة من دون خطة زراعية واضحة، إضافة إلى محدودية أسواق التصدير، باستثناء بعض دول الخليج، مع غياب السوق السعودية. وأكد أن تحسن وضع المنتج السوري يرتبط بقدرته على الوصول إلى أسواق مثل العراق والسعودية.
بدوره، يرى المزارع ياسر السيد أن الحلول تقع على عاتق الدولة، وفي مقدمتها فتح باب التصدير إلى دول الجوار بشكل انسيابي دون عوائق، معتبرًا أن ذلك من شأنه تحسين الأسعار، ومتسائلًا عن قدرة السوق المحلية وحدها على استيعاب حجم الإنتاج الزراعي السوري.
واقترح ياسر دعم الفلاح وتشجيعه على الاستمرار في الزراعة، عبر افتتاح فروع في المديريات الزراعية تمنحه قروضًا ميسرة للحصول على الأسمدة والأدوية الزراعية.
كما طالب محمود الجهات المعنية، من الحكومة والنقابات ووزارتي الزراعة والاقتصاد ووزارة النقل وهيئة المعابر، بتشكيل لجنة طارئة تضم مزارعين متضررين، تعقد اجتماعات دورية لنقل واقع المزارعين ووضع خطة زراعية واضحة، إلى جانب مكافحة تهريب الأدوية والأسمدة ومصادرتها ومحاسبة من يدخلها ويروج لها، والعمل على فتح أسواق تصديرية جديدة.
عوائق التسويق والتصدير
لا تقتصر أزمة تسويق المنتجات الزراعية السورية على تدني الأسعار في السوق المحلية، بل تمتد إلى معوقات كبيرة في التصدير نحو الأسواق الخارجية، خصوصًا أسواق الخليج. فرغم عدم وجود قرار رسمي يمنع التصدير، يواجه المصدّرون وسائقو الشحن عقبات لوجستية وإجرائية تعرقل انسياب البضائع.
المزارع مظلوم عين حور قال في تقرير سابق لعنب بلدي، إن تحسن حركة النقل بعد التحرير قلّص زمن الوصول إلى سوق “الهال” من عشر ساعات إلى ساعة ونصف، لكن ذلك لم يعالج جوهر المشكلة، فالإنتاج هذا الموسم جاء دون المتوقع بفعل الظروف المناخية، ويبقى الفلاح بلا ضمانات تعوض خسائره من الصقيع والبرد.
من جانبه، يشخّص خبير الاقتصاد الزراعي عبد الرزاق حبزة لعنب بلدي، غياب أدوات التسويق الفعالة، واصفًا الفلاح بأنه يدفع تكاليف النقل والتوضيب ولا يحصل على ثمرة تعبه، مطالبًا بإنشاء أسواق “هال” فرعية قريبة من مناطق الإنتاج، وتفعيل مراكز التدخل الحكومية للتجميع والتسويق، إلى جانب استثمار السكك الحديدية لتخفيف الأعباء.
أما على صعيد التصدير، فيكشف سائق الشحن جمال القاضي لعنب بلدي أن إجراءات التفتيش المشددة على الحدود الأردنية بمرحلتيها الإلكترونية واليدوية تتلف شحنات الخضار والفواكه سريعة التلف، رغم تحسن محدود تمثل في حصول مئات السائقين على التأشيرة السعودية مؤخرًا.
في المقابل، تؤكد وزارة الزراعة تنسيقها مع الجهات المعنية لتسهيل التسويق، وتوضح هيئة دعم الصادرات أن دورها يشمل تيسير الإجراءات وإعداد الدراسات وبناء العلاقات الاقتصادية الخارجية، لكن العاملين في القطاع يرون أن تلك الجهود لا تزال دون مستوى انتظاراتهم، ليبقى المنتج الزراعي السوري عالقًا بين تكاليف إنتاج عاجزة عن تغطية نفسها محليًا، ومنافذ تصدير تختنق بالعراقيل اللوجستية والإجرائية.
ويأمل المزارعون أن تجد مطالبهم استجابة قبل أن يؤدي استمرار الخسائر إلى عزوف المزيد منهم عن الزراعة، في ظل معادلة يرون أن الفلاح فيها هو الأكثر تضررًا.
