تشهد أسعار الفروج في أسواق العاصمة دمشق موجة ارتفاع جديدة، أعادت الجدل حول أسباب تقلب أسعار السلعة بعد أسابيع من انخفاضها، كونها تعد وجبة اللحوم الأساسية لمعظم الأسر السورية، في ظل استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء وتراجع القدرة الشرائية.
وفي جولة لعنب بلدي في أسواق دمشق، يتراوح سعر كيلو الفروج بين 25 و34 ألفًا، ، أما كيلو “شرحات الدجاج” فيتراوح بين 68 و74 ألفًا، بينما كيلو الوردة يتراوح بين 35 و38 ألفًا، أما يتراوح سعر كيلو الجوانج بين 28 و35 ألفًا.
وبينما يعزو البعض الغلاء إلى انتهاء بعض الأفواج الإنتاجية، يرى مختصون أن الأزمة أعمق من ذلك، وترتبط بارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف التنظيم، واختلال آليات السوق، ما يجعل القطاع يعيش حالة من عدم الاستقرار المستمر.
خروج مربيين من الإنتاج
لا يقتصر تفسير ارتفاع أسعار الفروج على عامل واحد، إذ تتداخل، بحسب الخبراء، عوامل اقتصادية وإنتاجية وتنظيمية في تشكيل الأزمة.
يربط أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد الرزاق حبزة، ارتفاع أسعار الفروج أيضًا بارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، موضحًا أن الغلاء المستمر في أسعار اللحوم الحمراء دفع أعدادًا أكبر من المستهلكين إلى التوجه نحو الفروج باعتباره البديل الأقل كلفة، ما أدى إلى زيادة الطلب عليه.
ويضيف لعنب بلدي، أن ارتفاع درجات الحرارة أثر في دورات التربية والإنتاج، إلا أن المشكلة الأبرز تكمن، بحسب رأيه، في غياب تنظيم دورات التربية بين المربين، إذ يدخل معظمهم الدورة الإنتاجية في الوقت نفسه ويطرحون إنتاجهم بالتوقيت ذاته، ما يؤدي إلى وفرة مؤقتة يعقبها نقص في المعروض وارتفاع جديد للأسعار.
ويؤكد حبزة ضرورة إشراف وزارة الزراعة على تنظيم مواعيد إدخال دورات التربية لضمان تدفق الإنتاج بشكل متواصل، بما يحقق استقرارًا أكبر في السوق ويحد من التقلبات السعرية.
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن العامل الأكثر تأثيرًا في ارتفاع أسعار الفروج يتمثل في غلاء الأعلاف وتكاليف التربية، وهو ما أدى إلى خروج أعداد كبيرة من المربين من الإنتاج، معتبرًا أن انتهاء الأفواج ليس سببًا رئيسيًا بحد ذاته، وإنما نتيجة مباشرة لانهيار الجدوى الاقتصادية لدورات التربية.
ويبين في حديثه مع عنب بلدي، أن الأعلاف تشكل ما بين 70% و80% من تكلفة إنتاج الفروج، في حين يعتمد معظمها على الاستيراد، الأمر الذي يجعل تكلفة الإنتاج مرتبطة مباشرة بتقلبات سعر الصرف.
ويضيف أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع أسعار الأعلاف، بل تشمل أيضًا عدم استقرار سعر الصرف، ما يجعل احتساب تكلفة الإنتاج المستقبلية أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة للمربين.
ويشير محمد إلى أن عددًا كبيرًا من صغار ومتوسطي المربين اضطروا إلى تقليص إنتاجهم بسبب عدم قدرتهم على تأمين رأس المال اللازم لشراء الأعلاف والكتاكيت، موضحًا أن بعض المربين الذين كانوا ينتجون عشرة آلاف طير لم يعودوا قادرين إلا على تربية ألفي طير، بينما يعمل المنتجون الكبار بطاقات إنتاجية أقل من المعتاد، الأمر الذي خلق فجوة في المعروض انعكست مباشرة على الأسعار.
ويضيف أن ارتفاع تكاليف المحروقات والكهرباء اللازمة للتدفئة والتهوية أدى إلى ارتفاع معدلات النفوق وإطالة فترة التسمين، وهو ما زاد تكلفة إنتاج الطير الواحد، إلى جانب ارتفاع تكاليف نقل المنتج من المزارع إلى المسالخ ثم إلى الأسواق، بما يضيف أعباءً إضافية على السعر النهائي.
طلب مرتفع.. لكن القدرة الشرائية تفرض واقعًا مختلفًا
رغم أن الفروج لا يزال الخيار الغذائي الأكثر إقبالًا لدى شريحة واسعة من السوريين، فإن ارتفاع الأسعار غيّر أنماط الاستهلاك بصورة واضحة.
عدد من باعة الفروج في دمشق، أكدوا لعنب بلدي، إن الإقبال متفاوت، إلا أنه جيد، وأن الناس رغم غلاء الفروج إلا أنه مايزال لديهم الوجبة الأساسية كون اللحوم الحمراء تفوق قدرتهم، ولكن كميات الشراء تختلف، وغالبية الأسر تشتري كميات محدودة جدًا.
وهنا، يرى الدكتور عبد الرحمن محمد أن الفروج ما يزال يشكل البديل الوحيد المتاح لغالبية السوريين بعد خروج اللحوم الحمراء من قدرتهم الشرائية، إلا أن هذا الواقع لا يعني وجود طلب فعلي مرتفع، إذ يفرق بين الحاجة إلى السلعة والقدرة على شرائها.
ويشير إلى وجود “انفصام كامل” بين الطلب النظري والطلب الفعلي، موضحًا أن الحاجة إلى الفروج لا تزال مرتفعة، لكن انهيار القدرة الشرائية أدى إلى تراجع الكميات المشتراة، إذ باتت كثير من الأسر تكتفي بشراء نصف كيلوغرام بدلًا من كيلوغرام، أو تقلص عدد مرات شراء الفروج شهريًا.
ويضيف أن هذا الواقع خلق سوقًا محدودة الطلب، إذ يحاول المنتجون تعويض انخفاض حجم المبيعات برفع الأسعار، ما يدخل السوق في حلقة من الركود التضخمي، حيث يتزامن ارتفاع الأسعار مع تراجع الاستهلاك.
ويتفق حبزة مع هذا الطرح، مؤكدًا أن ضعف القدرة الشرائية يمثل أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة، في ظل استمرار البطالة وتدني دخول العاملين، لافتًا إلى أن الزيادات الأخيرة في الرواتب لم تنعكس على تحسين المستوى المعيشي، كما أنها لم تحقق العدالة بين مختلف فئات الموظفين، وهو ما أبقى القوة الشرائية عند مستويات متدنية.
تذبذب الأسعار.. بين غياب التنظيم وضعف التدخل الحكومي
لا تبدو تقلبات أسعار الفروج حدثًا طارئًا، بل باتت سمة متكررة لسوق يفتقر إلى الاستقرار.
ويعزو الدكتور عبد الرحمن محمد التذبذب المستمر في أسعار الفروج إلى فقدان السوق مقومات الاستقرار، موضحًا أن تقلب سعر الصرف ينعكس مباشرة على أسعار الأعلاف باعتبارها مسعرة بالدولار، في حين تباع المنتجات بالليرة السورية، ما يجعل أي تغير في سعر الصرف ينعكس سريعًا على أسعار الفروج.
كما يشير إلى غياب البيانات الدقيقة حول حجم الأعلاف المتوافرة والإنتاج الحقيقي، ما يجعل السوق عرضة للشائعات والمضاربات، إلى جانب التدخلات الحكومية غير المدروسة أحيانًا، مثل الاستيراد المفاجئ، الذي قد يؤدي إلى خروج المنتج المحلي من السوق، قبل أن تعود الأسعار للارتفاع بعد نفاد الكميات المستوردة.
من جانبه، يرى حبزة أن غياب التدخل الحكومي منح بعض المربين والتجار قدرة أكبر على التحكم بالسوق، سواء عبر تأخير طرح الإنتاج أو استغلال إمكانية تخزين الفروج المبرد لعدة أيام، ما يسمح برفع الأسعار عند انخفاض المعروض.
ويضيف أن قرار منع استيراد الفروج ساهم أيضًا في ارتفاع الأسعار، معتبرًا أن حماية المنتج المحلي يجب أن تكون مرتبطة بحالة السوق، بحيث يسمح بالاستيراد عند حدوث نقص في المعروض أو ارتفاع غير مبرر للأسعار، بما يحقق توازنًا بين العرض والطلب ويحد من الاحتكار.
ويؤكد أن مجرد إعلان الحكومة نيتها السماح بالاستيراد عند الحاجة ينعكس إيجابًا على السوق، لأنه يحد من المضاربة، مشددًا على أن استمرار سياسة السوق المفتوحة في ظل ضعف الرقابة أتاح لبعض التجار فرض الأسعار التي يرونها مناسبة.
دعوات لتنظيم السوق ودعم الإنتاج
ويقترح الدكتور عبد الرحمن محمد حزمة من الإجراءات الإسعافية، في مقدمتها توفير دعم مباشر ومدروس للأعلاف عبر آلية تضمن وصولها إلى المربين المسجلين مقابل التزامهم ببيع الإنتاج ضمن سقوف سعرية محددة، إلى جانب خفض تكاليف النقل وتأمين سلاسل الإمداد، وافتتاح منافذ بيع مباشرة من المنتج إلى المستهلك بإشراف حكومي لتقليص حلقات الوساطة والحد من المضاربة.
ويؤكد أن هذه الإجراءات تبقى أدوات لإدارة الأزمة وليست حلولًا جذرية، معتبرًا أن المشكلة الأساسية تتمثل في تآكل رأس المال العامل لدى المربين نتيجة التضخم وتقلبات سعر الصرف، الأمر الذي أفقد القطاع جدواه الاقتصادية.
بدوره، يدعو حبزة إلى إعادة تفعيل دور المؤسسة العامة للدواجن والمؤسسة السورية للتجارة، وضخ جزء من إنتاجهما في الأسواق المحلية بما يعزز المنافسة ويحد من الاحتكار، إلى جانب تنظيم دورات التربية والتدخل الحكومي السريع عند حدوث أي اختلال في السوق.
ويخلص الخبيران إلى أن استمرار الأزمة دون معالجة أسبابها البنيوية سيبقي أسعار الفروج عرضة للتذبذب، في وقت تزداد فيه الضغوط على الأسر السورية التي تعتمد عليه بوصفه المصدر الأكثر أهمية والأقل تكلفة للبروتين الحيواني.
