مكفوفون يخسرون عقودهم بما يخالف قانون التوظيف  

  • 2026/07/19
  • 2:41 م
يشكو مكفوفون في سوريا من عدم تجديد عقودهم الحكومية رغم تعيينهم وفق النسبة القانونية المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

يشكو مكفوفون في سوريا من عدم تجديد عقودهم الحكومية رغم تعيينهم وفق النسبة القانونية المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – نورا قاسم

بعد أكثر من عشر سنوات في عمله بمديرية زراعة طرطوس، وجد موظف مكفوف نفسه خارج عمله بعد انتهاء عقده الحكومي مع بداية عام 2026، بلا بديل واضح أو فرصة سهلة للبحث عن عمل آخر.

الموظف، الذي فضّل عدم نشر اسمه، يعيل أسرة من خمسة أفراد. بالنسبة إليه، لم يكن انتهاء العقد مجرد إجراء إداري أو ورقة لم تُجدد، بل شكّل تهديدًا مباشرًا لاستقرار عائلته ومصدر دخلها الوحيد تقريبًا.

وعبّر الموظف لعنب بلدي عن أسفه لانتهاء عقده مطلع عام 2026، ولم يُجدد حتى الآن، رغم أنه عُيّن عبر مسابقة رسمية، وليس ضمن فئات “مصابي الحرب” أو “ذوي الشهداء”.

ولا يرى الرجل أن المشكلة تخصه وحده، فشكاوى مماثلة يطرحها مكفوفون وأشخاص من ذوي الإعاقة، يقولون إن عقودهم لم تُجدد رغم تعيينهم وفق النسبة القانونية المخصصة لهم في الجهات العامة، والبالغة 4% من الشواغر.

بالنسبة إلى هؤلاء، لا تعني خسارة العمل انقطاع راتب فقط، بل فقدان مساحة نادرة من الاستقلال، في سوق عمل تضيق أساسًا أمام المكفوفين وذوي الإعاقة، وتتركهم أمام خيارات محدودة.

“لسنا فائضًا”

عضو جمعية “البراءة للمكفوفين”، ممدوح إبراهيم ديبو، قال لعنب بلدي، إن عدم تجديد عقود بعض المكفوفين أثار استغرابًا وقلقًا، خصوصًا أن بعض المتضررين يملكون سنوات خدمة طويلة، تتراوح بين 12 و15 عامًا.

وبحسب ديبو، فإن الحالات التي وصلت إلى علمه تشمل نحو خمس حالات في محافظة طرطوس، وحالتين في دمشق، وثلاث حالات في حلب، في جهات عامة مختلفة، من بينها مديرية المرفأ ومعمل الأسمنت ومديرية السكك الحديدية ووزارة الزراعة.

وتساءل ديبو عن الصفة التي يمكن على أساسها الاستغناء عن عامل مكفوف، عُيّن وفق بند قانوني يمنح الأشخاص ذوي الإعاقة نسبة من الشواغر في الجهات العامة، وقال إن التعامل مع هذه الفئة على أنها “فائض وظيفي” يتناقض مع الغاية من القانون نفسه، الذي وُضع لتمكينها من الوصول إلى العمل لا لإعادتها إلى نقطة الصفر.

وأضاف أن الشخص المبصر يستطيع غالبًا التحرك والبحث عن بدائل في سوق العمل بدرجة أكبر، بينما يواجه المكفوفون صعوبات مضاعفة في التنقل، والوصول إلى فرص عمل، وإقناع أصحاب العمل بقدرتهم على أداء المهام.

الوزارة: نسبة الـ4% مستمرة

معاون وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، بهجت الحجار، قال لعنب بلدي، إن العمل بنسبة الـ4% المخصصة لتوظيف الأشخاص ذوي الإعاقة لا يزال قائمًا، وهي نسبة منصوص عليها في قانون العاملين الأساسي رقم “50” لعام 2004 وتعديلاته.

ووفق هذا القانون، يحق للأشخاص ذوي الإعاقة التقدم للحصول على فرص عمل في الجهات العامة ضمن النسبة المحددة لهم.

لكن الحجار لفت إلى عدم وجود إحصاءات دقيقة حاليًا حول عدد أو نسبة الأشخاص ذوي الإعاقة العاملين في الجهات الحكومية، ما يطرح تساؤلات حول مدى التزام المؤسسات بهذه النسبة عمليًا.

ويرى متضررون وناشطون أن المشكلة لا تتعلق بوجود النص القانوني فقط، بل بكيفية تطبيقه، وما إذا كان يوفر حماية حقيقية لمن عُيّنوا بموجبه عند صدور قرارات تتعلق بالعقود المؤقتة أو تجديدها.

التباس بين الفئات

بحسب الحجار، فإن الأشخاص ذوي الإعاقة الذين لم تُجدد عقودهم المؤقتة هم ممن عُيّنوا خارج إطار المسابقات، وبالتالي لم يجرِ تعيينهم وفق معايير الكفاءة المعتمدة في التوظيف النظامي.

كما تحدث عن تعميم أصدرته وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، إلى مديريات التنمية الإدارية، يقضي بعدم تجديد العقود لفئات كانت تُصنَّف سابقًا ضمن مسميات مرتبطة بـ”مصابي الحرب” أو “ذوي الشهداء” خلال فترة النظام السابق.

في المقابل، قال ممدوح ديبو، إن هناك مكفوفين لم تُجدد عقودهم رغم أنهم لا ينتمون إلى فئتي “مصابي الحرب” أو “ذوي الشهداء”، بل جرى تعيينهم وفق الشواغر المخصصة للأشخاص ذوي الإعاقة ضمن نسبة الـ4% المنصوص عليها قانونًا.

ويرى أن الخلط بين الفئات المشمولة بالتعاميم قد يكون سببًا في تضرر بعض المكفوفين، داعيًا إلى التمييز بوضوح بين العقود التي جاءت ضمن سياقات استثنائية، وبين التعيينات المرتبطة بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ونسبة تشغيلهم القانونية.

إعلان التجديد لا يشمل الجميع

في حالة الموظف المكفوف العامل في مديرية الزراعة بطرطوس، تبدو الإشكالية أكثر وضوحًا، فقد جاء عدم تجديد عقده رغم إعلان وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي استكمال إجراءات تجديد العقود السنوية للعاملين لديها.

وكانت الوزارة أعلنت، عبر صفحتها الرسمية في 25 من أيار الماضي، استكمال الإجراءات الرسمية المتعلقة بتجديد العقود السنوية للعاملين في الوزارة، والبالغ عددهم 6302 عامل، حتى تاريخ 31 من كانون الأول المقبل، وفقًا لأحكام القانون رقم “50” لعام 2004.

كما سبق أن قال وزير الزراعة، باسل سويدان، في تصريح لعنب بلدي، إن التجديد شمل جميع الموظفين المتعاقد معهم في الوزارة، إلا أن الموظف المكفوف قال إنه عندما راجع المديرية التي يعمل فيها، أُبلغ بأن التجديد شمل فقط من انتهت عقودهم منذ آذار الماضي.

وبالعودة إلى إعلان وزارة الزراعة، لا ترد إشارة واضحة إلى حصر التجديد بالعقود المنتهية منذ ذلك التاريخ، بل يتحدث الإعلان عن استكمال إجراءات تجديد العقود السنوية حتى نهاية عام 2026.

ينتظر الموظف إعادة النظر في وضعه، لا باعتبار قضيته فردية فحسب، بل لأنها تتقاطع مع أوضاع مكفوفين وأشخاص من ذوي الإعاقة في جهات حكومية أخرى، وجدوا أنفسهم خارج العمل دون مراعاة لظروفهم ومسؤولياتهم الأسرية.

تعاميم غير واضحة

حول وجود التباس في القرارات والتعاميم، وعدم تجديد عقود لمكفوفين وأشخاص من ذوي الإعاقة رغم تعيينهم عبر آلية المواءمة بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والجهات العامة، قال معاون وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، بهجت الحجار، إن على المتضررين مراجعة مديريات التنمية الإدارية التابعة للوزارات المعنية، وذلك على اعتبار أن وزارة التنمية الإدارية هي الجهة المسؤولة عن شؤون التوظيف.

لكن عضو جمعية “البراءة للمكفوفين” ممدوح ديبو، يرى أن المشكلة تكمن في غياب الوضوح وتباين تطبيق التعاميم بين جهة وأخرى، فبعض المكفوفين تمكنوا من تجديد عقودهم في مؤسسات عامة، بينما لم يتمكن آخرون من العودة إلى عملهم حتى الآن.

وهذا التباين يفتح الباب أمام سؤال أساسي: هل المشكلة في القوانين، أم في التعاميم، أم في طريقة تفسير كل جهة حكومية لها؟

وطالب ديبو بإصدار تعليمات واضحة وموحدة تخص الأشخاص ذوي الإعاقة، وتفعيل بند المواءمة الوظيفية بين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وباقي الجهات العامة، حتى لا تضيع حقوق هذه الفئة بين أكثر من وزارة ومديرية.

قوانين موجودة.. مشكلة في التطبيق

قرار رئاسة مجلس الوزراء رقم “35” لعام 2022، ينظم شروط تعيين الأشخاص ذوي الإعاقة لدى الجهات العامة.

وبحسب الآلية التي يتحدث عنها ديبو، يقدم الشخص ذو الإعاقة طلبه إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، مرفقًا بصورة عن بطاقة الإعاقة والمؤهل العلمي أو العملي، ثم يوجَّه كتاب إلى الجهة المراد التعيين فيها ضمن نسبة 4%.

بعد ذلك، يُعرض الطلب على لجنة المواءمة الوظيفية، التي تدرس مدى توافق إمكانات مقدم الطلب مع الوظيفة الشاغرة، وفق الأنظمة والقوانين النافذة.

هذه الآلية، إذا طُبقت بوضوح، يُفترض أن تمنح الأشخاص ذوي الإعاقة حماية أكبر، لأنها لا تقوم على تعيين عشوائي، بل على دراسة حالة المتقدم ومدى ملاءمة العمل له.

وتتحدث القوانين السورية عن حقوق أخرى للأشخاص ذوي الإعاقة، من بينها منح بطاقة إعاقة، وتقديم خدمات صحية مجانية لحامليها عبر المؤسسات الصحية العامة، وتأمين خدمات تعليمية وتأهيلية، ودراسة طلبات الحصول على معينات حركية، إضافة إلى منح الأولوية في بعض الخدمات التعليمية والسكن الجامعي.

لكن وجود هذه الحقوق في النصوص لا يكفي، بحسب متضررين، إذا بقي تطبيقها متفاوتًا أو غير واضح، خاصة حين يتعلق الأمر بالعمل والدخل.

وقال الحجار، إن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تسعى إلى إنصاف الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعمل على دعم دمجهم في المجتمع وخلق فرص عمل مناسبة لهم.

في المقابل، يرى ديبو أن ملف الإعاقة لا يزال بحاجة إلى حماية أكبر، ليس فقط في التوظيف، بل في مختلف الجوانب المرتبطة بالحياة اليومية والاندماج والاستقلال.

وبين النص القانوني الذي يمنح الأشخاص ذوي الإعاقة نسبة محددة في سوق العمل الحكومي، وشكاوى مكفوفين فقدوا عقودهم أو لم تُجدد لهم، تبقى القضية معلقة عند سؤال التطبيق: من يضمن ألا يتحول حق العمل من نص قانوني إلى وعد غير مكتمل؟

مقالات متعلقة

  1. بغياب الدعم والدمج.. واقع صعب يعيشه المكفوفون في حلب
  2. أكثر من ثلاثة آلاف مكفوف يبحثون عن أنفسهم في إدلب
  3. تكريم للطلاب المكفوفين الناجحين بامتحانات الشهادتين
  4. دير الزور.. المواصلات ونقص الوسائل التعليمية يزيدان معاناة الطلاب المكفوفين

مجتمع

المزيد من مجتمع