إعلام حفرة الألم

  • 2026/07/19
  • 12:31 م
الصحفي علي عيد
enab_get_authors_shortcode

علي عيد

ينبهنا تناول الإعلام المهتم بالشأن السوري إلى مسألة شديدة الحساسية، وهي استعادة الألم بطريقة تعزز الانقسام، قبل أن تدعو لاستخلاص العبر، وحفظ الحقوق.

وبدلًا من تجاوز التناقضات، ودون وعي من البعض، يركز إعلام من داخل وخارج سوريا على فكرة إحياء ذكريات المجازر أو الضحايا بصورة لا تراعي الحساسية المجتمعية وصحافة السلام.

الغريب في المسألة أن بعض الإعلام غير السوري، والذي يقدم نفسه بصفة “مستقل” للحصول على تمويل، صمم برامج خاصة مستخدمًا الألم السوري، دون مراعاة خصوصية النزاع، وحتى دون موازنة الروايات، خالطًا عواطف الشهود ورواياتهم وآرائهم الشخصية، بالحقائق.

مهنيًا، لم يكلف بعض ذلك الإعلام نفسه عناء البحث عن رواية واحدة في مواجهة 20 رواية من اتجاه واحد، وكأن صحافة السلام جرى نحرها عن قصد.

السؤال بالغ الأهمية، هل يحتاج الضحايا وذووهم إلى هذا الإعلام؟ وهل تحتاج سوريا لإعلام ينقلها من معركة إلى معركة، أم إلى إعلام ينقلها إلى السلام والتوافق، واستعادة واستحضار اللحظات الصعبة لاستخلاص العبر والدروس؟ دون نسيان حقوق الضحايا من أي طرف كان.

في قطعة صحفية واحدة، لمنصة، غير سورية، تصف هدفها بأنه تقديم قصة صحفية “ثالثة”، يمكن أن يحصي القارئ عددًا من الانتهاكات بحق المهنة واللغة والسلام، وأول تلك الانتهاكات هي مغالطة “المنحدر الزلق”، فالرواية تتجاهل طرفًا مهمًّا لتذكره في آخر تقريرها الطويل جدًا، وكأنه “كمالة عدد”.

لم أستطع كقارئ التمييز بين الرأي والحقيقة في معظم المواضع داخل التقرير، وهو ما يشكل مدخلًا للخلط وإغراق الجمهور في معلومات لا تراعي التوازن، وتحديد المسؤولية والمصادر.

وعلى الرغم من أنها تفتتح تقريرها بالاستناد إلى تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، لتعطي حجتها البالغة، تنسى أن الصفحة الأولى من تقرير اللجنة الدولية تحدثت عن موجتين من العنف، إذ دون أن تشعر تلك المنصة، تجدها قد غرقت في الموجة الأولى، ونسيت ما تبقى. لكنها في النهاية استيقظت بشكل عرضي، ونقلت عن أحد الأطباء، وليس عن التقرير الدولي، رواية تتحدث عن وجود “نحو 80 جثة” للطرف الآخر.

ولأننا كصحفيين، لا نقيس الألم بناء على الهوية، ولا على حجم ونوع الجمهور، بل على المهنية، فإننا نتجنب الوقوع في فخ عدم التوازن.

ما حصل في السويداء أو الساحل السوري هو ارتدادات، غير مبررة، لسياق طويل من المأساة السورية، لكن معالجتها تتطلب إيمانًا بدور الصحافة في تعزيز السلم المجتمعي، أو على الأقل إعادة التذكير باللحظة دون استخدامها لتهديد المستقبل، وغرس الكراهية، والاستثمار فيها.

مقولة تقديم “قصة ثالثة” يجب أن تخضع لثلاثيات أخرى، هي ثلاثية “الأخلاق والمنطق والقانون” وثلاثية “الطرف الأول والطرف الثاني وطرف ثالث في المنتصف”، وثلاثية غالتونغ “التناقضات والسلوك والمواقف” التي تفسر النزاع، ثم ثلاثية صحافة السلام وهي “بناء السلام وصنع السلام وحفظ السلام”، وثلاثية التفسير والتوعية “ماذا حصل قبل ذلك وسياقاته، واليوم، وما يمكن أن يحصل غدًا”.

سوريا اليوم ليست بحاجة إلى برامج مصممة من أجل إغراء المنظمات الداعمة للإعلام الخاص والمستقل بمقولة “الدفاع عن الضحايا والمهمشين” إذا لم يكن ذلك الدفاع جزءًا من تجنيب تلك الشرائح نفسها من أن تكون ضحية لموجات أخرى من العنف، وخطاب الكراهية، وإغراقها في حفرة الألم، وتنمية الحقد، وثقافة “نحن/ هم”.

مقابل بعض المنصات ووسائل الإعلام التي يفترض أن فرقها تلقت لسنوات برامج تمكين وتدريب حول الصحافة في ظروف النزاعات والحرب، وصحافة الحلول والسلام، تظهر اليوم وسائل إعلام ومنصات غير معنية بالسلام في سوريا، ولا ببرامج الصحافة المسؤولة، وهي منخرطة مع جمهور من طرف دون آخر، وتكاد تصبح جزءًا من صراع هي تتسبب فيه.

تعمل كثير من تلك الوسائل والمنصات وفق منهجية استقبل ضيفًا ودعه يشتم طرفًا ثم تبرأ أنت مما يقوله الضيف بزعم أنه يمثل رأيه، والهدف هو مجاراة “خوارزمية” تدخل “غرف الصدى” المستقطبة.

ثم تقوم نفس تلك الجهات بتقديم ملفات تثبت جماهيريتها ووصولها، أما من يشتري، سواء كان داعمًا لأهداف سياسية، أو حتى تطبيقات يهمها الربح، وفي النهاية تنشأ معادلة “رابح- رابح” طرفاها إعلام مدمّر وشركات تدير أرباحها بالخوارزميات، مقابل معادلة “خاسر- خاسر” طرفاها مجتمع منقسم، ما يهدد بتدمير أي محاولة أو برنامج لبناء جسور التواصل أو تعزيز الوعي، وكذلك تنمية الخوف من الآخر، وصولًا إلى ترسيخ مفهوم “إما أنا أو أنت”.

لقد هدأ الرصاص في سوريا، لكن رصاصًا من نوع آخر يُطلق باتجاه العقول والغرائز، من يوقف هذا التدمير الممنهج، أعتقد أننا بحاجة إلى نقاش واسع، وتعاون بين أصحاب المصلحة جميعًا (صحفيون، حكومة، مجتمع مدني، ممثلون عن الجمهور”، دعونا ننتقل من الاشتباك من وراء الجدران إلى الاشتباك الواعي حول الحقوق والمسؤوليات.. وللحديث بقية.

مقالات متعلقة

  1. صحافة السلام لمن لا يريدون السلام لسبب ما
  2. حوار كبار الشخصيات.. وإشكالية الامتناع عن البث
  3. أعداء صحافة الشأن العام
  4. "حجب" المعلومات والرعب.. كيف تدار المعركة في الإعلام

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي