هل من مبادرة لمصالحة وطنية؟

  • 2026/07/19
  • 2:31 م
غزوان قرنفل

غزوان قرنفل

enab_get_authors_shortcode

غزوان قرنفل

لا يمكن القول وفق أي معيار إن قرار السلطة باجتياح السويداء قبل عام في مسعى لإخضاع أهلها قرار حصيف، بل على العكس تمامًا، كان قرارًا كارثيًا على المستوى الوطني، ولا يشي إلا بكم كبير من الحمق والجهالة السياسية.

لم يكن المجتمع السوري بحاجة إلى جراح جديدة بعد أن أثخن جسده منها طوال عقد ونصف على يد جلاوزة النظام السابق، لم تلبث أن تكررت على نحو مصغر في الساحل ثم السويداء تحت زعم بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، ولتلك الأهداف سبل أخرى يمكن الوصول إليها عبرها، لكن السلطة فضلت العنف على الحوار والسياسة والتوافقات الوطنية، وتبنت منطق الإخضاع الذي لا تملك في أدبياتها الفكرية السلفية سواه أصلًا.

في تلك اللحظات، لم يكن السوريون بحاجة إلى السلاح بقدر حاجتهم إلى السياسة والحوار الجاد، ولم يكونوا بحاجة إلى انتصار طرف على آخر، فقد كانوا للتو قد انتصروا جميعًا على أعتى سلطة استبدادية في المنطقة، وكان يتعين استثمار هذا الانتصار بالتوافق على مشتركات وطنية تؤسس لدولة القانون والمواطنة.

اليوم وبعد الأحداث الدامية التي شهدها الساحل والسويداء وما خلّفته من ضحايا وآلام واحتقان وانعدام للثقة، تبدو الحاجة إلى مبادرة وطنية شاملة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، فالدول لا تُبنى بفرض الأمن بالقوة، بل بإعادة ترميم الثقة بين مكوناتها، وتلك تحتاج إلى قرار سياسي شجاع يعترف بالخطأ، وبأن المجتمع أصيب بصدوع عميقة، وأن ثمة جرائم ارتُكبت بلا سبب وإنكارها لن يؤدي إلا إلى اتساع الفجوة بين مكونات المجتمع السوري، ويضع مستقبل سوريا كله على المحك.

من هنا يمكننا اليوم أن نقول إن الكرة في ملعب السلطة السورية، لأنها المسؤولة عن سلامة البلاد ووحدتها الجغرافية، وعن أمن وسلامة جميع مواطنيها، وعليها أن تطلق مبادرة رسمية واضحة يمكن أن ترعاها الحكومة أو مجلس الشعب،  تحمل عنوانًا واحدًا: “المصالحة الوطنية والحوار السوري الشامل”، الذي يتناول مختلف القضايا بصراحة وفي العمق لا مجرد مناسبة إعلامية أو لقاء بروتوكولي، بل مشروع وطني متكامل يبدأ بالاعتراف بأن هناك هواجس حقيقية لدى شرائح واسعة من السوريين، سواء في الساحل أو السويداء أو غيرهما من المناطق، وقد يختلف الناس في تقييم تلك الهواجس أو في تفسير أسبابها، لكن تجاهلها لن يلغي وجودها بل سيدفعها إلى مزيد من التفاقم والتأزم، فالدولة القوية ليست تلك التي تُسكت الأصوات المختلفة أو حتى المعارضة لنهجها أو الناقدة لسياساتها، بل تلك التي تمتلك القدرة على احتضان تلك الأصوات والآراء وتحويلها إلى جزء من مشروع وطني جامع يلم شمل السوريين ويرمم انكسارهم.

لا حاجة للقول إن الاحتياجات الأولى للمجتمعات الخارجة من الحرب هي المصالحة الوطنية التي لا تغفل العدل والمساءلة بقدر حاجتها إلى إعادة الإعمار، لأن الجراح المفتوحة أكثر عرضة للتلوث والتعفن، ما سيضعف مقاومة الجسد كله، وأي أزمة جديدة ستكون قادرة على إعادة إنتاج العنف والانقسام مهما بلغت قوة الدولة الأمنية أو العسكرية.

يجب ألا ننسى أن كل انقسام داخلي يتحول تلقائيًا إلى ورقة في أيدي القوى الإقليمية والدولية، وكلما ازداد الشرخ بين السوريين، ازدادت قدرة الآخرين على الاستثمار فيه والضغط من خلاله وابتزاز الدولة السورية ومناوئيها على السواء، ودفعهم نحو خيارات ليست ضمن حساباتهم وغالبًا ليست في مصلحتهم.

المصالحة الوطنية ليست تنازلًا لأحد، وليست مكافأة لطرف على حساب آخر، وإنما هي استثمار مباشر في قوة الدولة واستقلال قرارها، فسحب الأوراق الداخلية من التداول الخارجي يبدأ بإقفال أبواب الانقسام الداخلي، وهذا لا يتحقق بالتجاهل ولا بغرور القوة، بل بحوار وطني صادق يشارك فيه الجميع دون إقصاء، ودون استثمار فائض القوة على طاولة الحوار، فالدولة الجديدة التي يطمح إليها السوريون لا يمكن أن تقوم على الغلبة، لأن الغلبة قد تصنع سلطة لكنها لا تصنع وطنًا مطمئنًا، فالوطن لا يبنيه المنتصرون وحدهم، وإنما يبنيه جميع أبنائه عندما يشعر كل واحد منهم بأنه شريك كامل في مستقبله.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو الاعتقاد بأن الزمن وحده كفيل بمداواة الجراح، فالزمن لا يعالج الأزمات إذا بقيت أسبابها قائمة، بل يفاقمها ويحولها إلى أحقاد أكثر رسوخًا تنتقل من جيل إلى آخر.

السوريون الذين أنهكتهم سنوات الحرب يستحقون اليوم أن يسمعوا لغة مختلفة، لغة تعترف بالألم بدلًا من إنكاره، وتفتح أبواب الحوار بدلًا من توسيع مساحات القطيعة، فهل تبادر السلطة إلى إطلاق مشروع مصالحة وطنية حقيقي يعيد ترميم البيت السوري من الداخل، أم يبقى الانقسام مفتوحًا ليستمر الآخرون في استثماره؟ لا شك عندي أن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل المرحلة المقبلة، بل قد تحدد مصير الدولة السورية نفسها، فالأوطان لا يحميها إلا شعور أبنائها بأنهم جميعًا ينتمون إليها لأنها تحترم حقوقهم وحرياتهم وتسمو بكراماتهم.

مقالات متعلقة

  1. حتى لا يُبنى استبداد جديد
  2. خريطة طريق من أجل العدالة
  3. خيارات خاطئة
  4. البيوت السورية هواجس أصحابها بغياب العدالة.. لقاء مع المحامي غزوان قرنفل

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي