النحت في حلب “على طريق مسدود”

  • 2026/07/19
  • 2:08 م
رئيس جامعة حلب أسامة رعدون وطالب في كلية الفنون الجميلة أمام عمل نحتي في افتتاح مؤتمر ومعرض للكلّية - 24 نيسان 2026 (كلية الفنون الجميلة التطبيقية/فيسبوك)

رئيس جامعة حلب أسامة رعدون وطالب في كلية الفنون الجميلة أمام عمل نحتي في افتتاح مؤتمر ومعرض للكلّية - 24 نيسان 2026 (كلية الفنون الجميلة التطبيقية/فيسبوك)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – محمد ديب بظت

يحافظ فن النحت على حضوره في مدينة حلب، رغم التحديات التي فرضتها السنوات الماضية على القطاع الثقافي والفني، إذ لا يزال عدد من الفنانين والطلاب يمارسون هذا الفن الذي ارتبط بتاريخ المدينة وحركتها التشكيلية لعقود.

وشهد واقع النحت في حلب تغيرات خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى طبيعة الأعمال التي ينتجها الفنانون، أو التحديات الاقتصادية التي تواجههم، إلى جانب استمرار التساؤلات المتعلقة بمستقبل هذا الفن ونظرة المجتمع إليه بوصفه تخصصًا فنيًا ومهنيًا في آن واحد.

وفي الوقت الذي تواصل كلية الفنون الجميلة تخريج دفعات جديدة من النحاتين، يشير فنانون إلى أن العمل في هذا المجال لم يعد يقتصر على إنتاج الأعمال الفنية التقليدية، بل امتد إلى مجالات أخرى، مثل تصميم المجسمات والديكور والترميم، في محاولة للتكيف مع المتغيرات التي فرضها الواقع الاقتصادي.

غير أن فن النحت في حلب يواجه تحديات اليوم، إضافة إلى التوقف عند نظرة المجتمع للنحاتين ومستقبل هذا الفن في المدينة.

حلب وارتباطها بالفن

النحات إبراهيم داود، قال إن فن النحت يعد أحد أبرز أشكال الفنون التشكيلية، إذ يقوم على تشكيل مواد صلبة، مثل الحجر والخشب والمعادن، لإنتاج أعمال تحمل أبعادًا جمالية وتعبيرية تعكس حياة المجتمعات وذاكرة الأماكن، مشيرًا إلى أن النصب والتماثيل لا تقتصر أهميتها على الجانب الفني، بل تشكل أيضًا مؤشرًا على المستوى الحضاري والثقافي للمدن، وتسهم في إبراز هويتها التاريخية وتعزيز حضورها السياحي.

وأضاف داود، في حديث إلى عنب بلدي، أن مدينة حلب عرفت هذا النوع من الفنون منذ عقود، إذ سعت البلديات والمؤسسات الرسمية منذ خمسينيات القرن الماضي إلى إقامة أعمال نحتية في الساحات والحدائق العامة، لافتًا إلى أن فنانين، مثل فتحي محمد، أنجزوا عددًا من النصب التي حملت قيمًا فنية وتشكيلية، كما ترك كل من جاك وردة ووحيد استنبولي بصمات واضحة في المشهد البصري للمدينة من خلال أعمالهم المنتشرة في عدد من المواقع العامة.

واقع صعب

فن النحت شهد تحولات خلال العقود الماضية، انعكست على طبيعة الأعمال المنتجة وحضورها في الفضاء العام، بحسب داود، الذي أوضح أيضًا أن فترات سابقة شهدت تركيزًا على إقامة أعمال مرتبطة بشخصيات سياسية، وهو ما أثر، بحسب رأيه، على الذائقة الفنية وعلى فرص عدد من النحاتين في تقديم أعمال تعبر عن رؤاهم الفنية الخاصة.

وأشار إلى أن ارتفاع تكاليف العمل النحتي وصعوبة تسويق الأعمال الفنية دفعا بعض الفنانين إلى الاتجاه نحو مجالات أخرى، من بينها الرسم، في وقت تراجعت فرص تنفيذ المشاريع النحتية الكبرى التي تتيح للفنانين إظهار قدراتهم وإمكاناتهم الفنية.

ولفت النحات الحلبي إلى أن السنوات الماضية شهدت حالة من الجمود النسبي في مجال النحت، نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها الحرب، وتراجع الأوضاع الاقتصادية، وغياب الاستقرار اللازم لتطوير المشاريع الفنية، فضلًا عن محدودية الدعم المقدم للفنانين.

الحفاظ على استمرارية فن النحت في حلب يتطلب توفير بيئة ثقافية واقتصادية داعمة، من خلال تعزيز الدعم المادي والمعنوي للفنانين، وإطلاق مشاريع ومنح ثقافية تساعدهم على الاستمرار في الإنتاج، بما يسهم في الحفاظ على الدور الحضاري الذي عُرفت به المدينة، وفقًا لداود.

وفيما يتعلق بنظرة المجتمع، قال داود إن المجتمع الحلبي يمتلك إرثًا طويلًا في مجالات الفن والإبداع، إلا أن تعزيز تقبل فن النحت يرتبط بتوسيع دائرة التعريف بهذا الفن وأهميته، من خلال إقامة المعارض والفعاليات الفنية وإتاحة الفرصة أمام الجمهور للاطلاع على الأعمال النحتية والتفاعل معها.

كلية الفنون الجميلة تؤدي دورًا أساسيًا في إعداد النحاتين وتطوير مهاراتهم، عبر توفير التعليم الأكاديمي والورشات الفنية، إلا أنها تحتاج، وفق رأيه، إلى مزيد من الدعم على مستوى الكوادر والتجهيزات، إضافة إلى تعزيز الأنشطة التشاركية مع المؤسسات الثقافية واتحاد الفنانين التشكيليين.

استعادة فن النحت لحضوره في حلب، بحسب داود، تتطلب تضافر جهود المؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية، والعمل على نشر الوعي بتاريخ هذا الفن وأساليبه، بما يضمن انتقاله إلى الأجيال الجديدة واستعادة مكانته في المشهد الثقافي للمدينة.

أبرز التحديات التي تواجه النحاتين اليوم، من وجهة نظر داود، تتمثل في ارتفاع أسعار المواد الخام، وضعف الدعم الحكومي والخاص، وقلة المعارض والفعاليات الفنية، إلى جانب هجرة عدد من الكفاءات الفنية خلال السنوات الماضية، وصعوبة تسويق الأعمال والترويج لها محليًا وخارجيًا.

مخاوف دينية

من جانبه، قال الفنان والنحات رضوان شيخ تراب، إن فن النحت في حلب لم يكن يحظى في السابق بإقبال واسع، رغم وجود اهتمام وشغف لدى عدد من الفنانين، موضحًا أن بعض المواقف الاجتماعية المرتبطة بمخاوف دينية أو تصورات حول هذا الفن، أسهمت في الحد من انتشاره، قبل أن تأتي سنوات الحرب وما رافقها من تراجع في الاهتمام بالقطاع الثقافي عمومًا.

وأضاف الفنان، في حديث إلى عنب بلدي، أن واقع النحاتين وصل إلى “طريق مسدود” في كثير من الأحيان، ما يدفع بعضهم إلى التوجه نحو الأعمال التجارية أو الصناعية بدلًا من الأعمال الفنية الخالصة، مضيفًا أن أعمال تصميم وتجميل الواجهات والساحات العامة باتت تُنفذ في كثير من الأحيان دون الاستفادة الكافية من خبرات خريجي كلية الفنون الجميلة.

وفي حديثه عن كلية الفنون الجميلة بجامعة “حلب”، أوضح شيخ تراب، الذي واكب الكلية منذ تأسيسها، أن عدد الطلاب الراغبين بدراسة النحت لا يزال محدودًا، رغم أنه يُعرف بـ”أبو الفنون”.

دراسة النحت تتطلب امتلاك مهارات متعددة، من بينها الرسم، إلى جانب المعرفة الأكاديمية والتطبيق العملي، بحسب شيخ تراب.

وأشار إلى أن الكلية تبذل جهودًا ضمن الإمكانيات المتاحة لتوفير المواد اللازمة وتعليم الطلاب الأسس الأكاديمية، إلا أن تنفيذ الأعمال الكبيرة، ولا سيما البرونزية منها، يتطلب ورشات متخصصة وإمكانات أكبر، وهو ما يجري عادة في تجارب عالمية تعتمد على مشاركة فرق عمل من الفنانين والخريجين والطلاب.

خسارة اكتشاف المواهب

الاهتمام بتعليم النحت، وفقًا لشيخ تراب، تراجع خلال السنوات الماضية، لافتًا إلى أن مركز الفنون التشكيلية في حلب كان يؤدي سابقًا دورًا مهمًا في استقطاب المهتمين بهذا المجال، إذ كان يضم متدربين يمتلكون شغفًا حقيقيًا بالنحت بعيدًا عن الاعتبارات الأكاديمية المرتبطة بالحصول على الشهادات.

وبحسب شيخ تراب، فإن قسم النحت في مركز الفنون التشكيلية توقف لاحقًا، ما أدى إلى خسارة واحدة من المساحات التي كانت تسهم في اكتشاف المواهب وصقلها، في وقت يعتقد بعض الطلاب أن دراسة الفنون الجميلة تقتصر على مجالات، مثل التصميم الداخلي أو الديكور.

وأعرب عن أمله في أن تشهد المرحلة المقبلة مزيدًا من الوعي بأهمية فن النحت بوصفه ممارسة جمالية وثقافية وتوثيقية، مشيرًا إلى أن هذا الفن لعب دورًا محوريًا في حفظ تاريخ الحضارات الإنسانية ونقل تفاصيل حياتها اليومية وأفكارها وأنماط عيشها عبر العصور.

النحت وحفظ الذاكرة الإنسانية

أوضح الفنان أن كثيرًا مما يُعرف اليوم عن الحضارات القديمة، كالبابلية والآشورية والسومرية والفرعونية، وصل إلى الأجيال اللاحقة من خلال الأعمال النحتية والنقوش التي وثقت ملامح تلك المجتمعات، فالنحت لا يمثل مجرد عمل فني، وإنما يعد وسيلة لحفظ الذاكرة الإنسانية وتوثيقها.

المشاريع المتعلقة بتطوير المشهد البصري للمدن تحتاج إلى تعاون بين الفنان والمهندس المعماري، بما يسهم في إضفاء بُعد جمالي على الشوارع والساحات والأبنية العامة، معتبرًا أن الفن التشكيلي والنحت يشكلان جزءًا أساسيًا من الهوية البصرية للمدن.

ويرى شيخ تراب أن النحاتين يواجهون اليوم تحديات متعددة، أبرزها ارتفاع أسعار المواد الأولية، مثل الصلصال والحجر والبرونز، إلى جانب غياب ورشات متخصصة بصب البرونز على مستوى فني متقدم، مشيرًا إلى أن هذا الأمر يحد من قدرة الفنانين على تنفيذ أعمال كبيرة أو نصبية.

مقالات متعلقة

  1. فنانون يقاومون الإهمال.. النحت السوري على حافة النسيان
  2. وفاة نحات نصب "صلاح الدين الأيوبي" في دمشق
  3. دمشق.. ما قصة منع "الموديل العاري" في كلية الفنون الجميلة
  4. وفاة الفنان التشكيلي عزيز إسماعيل.. نهاية رحلة طويلة من الفن

فن وثقافة

المزيد من فن وثقافة