خطيب بدلة
يطرح سوريون مثقفون، وغير مثقفين، يوميًا، فكرة التنوير، يعتقدون أن بلادنا، بحاجة ماسة إلى مفكرين تنويريين، يحدثون ثورة في العقول، ويعتقدون أن هذا سينقذ البلاد مما هي فيه. يبدو هذا الكلام، بالعقل، والمنطق، سليمًا، لا غبار عليه، ولكن المشكلة في الأدوات، يعني أن تبدأ بالسؤال: أين هم هؤلاء التنويريون العظماء؟ هل توجد منهم مجموعة، أو تشكيلة، أو حتى أفراد؟ وما نوع الأفكار التي سيطرحونها على الناس؟ وهذا يقودنا إلى السؤال الأخطر، وهو: هل سيتقبل الناس أفكارهم، وهل ستنزل هذه الأفكار إلى ميدان العمل والتطبيق؟
كيف يمكن لتنويري واحد، أو لمئة تنويري، أن يتعاملوا مع ظاهرة العداء للمرأة، الضاربة أطنابها في خلايا المجتمع؟ إذا جالستَ أي رجل تجاوز الستين، وطلبت منه أن يتذكر ما قرأه في المدرسة الابتدائية، قبل نصف قرن، حول المرأة، فلا بد أن يكر عليك سلسلة من الأفكار التي كانت مقررة في المناهج، وهي أن المرأة نصف المجتمع، وهي الأم، والأخت، والزوجة والابنة، والعاملة، والفلاحة، وعلينا أن نحترمها، ونعترف بفضلها على الجميع. ماذا يعني هذا؟ إنه يعني، ببساطة، أن المناهج تقدم لك معلومات رائعة، وتطلب منك حفظها جيدًا، لأنك ستُسأل عنها في الفحص، فإذا لم تحفظها سترسب، ولكنها لا تقدم لك “ثقافة” التعامل مع المرأة، وأنت، بالتالي، ستتصرف مع المرأة، مثلما كان يتصرف جدك، وأبوك، وعمك، وخالك.
تسلط الذكور على النساء، في أي مجتمع، واحتقار المجتمع للنساء، قضية معقدة، ليس من السهل تفكيكها وفهمها. ومن نتائجها أن معظم جرائم القتل، مثلًا، يكون فيها القاتل من جنس الرجال، والضحية امرأة، ويا ليت الأمر يقتصر على هذه الخبرية البسيطة، ففي اليوم التالي، يهب المجتمع الذكوري، ليقلل من شأن الجريمة، ويعرض أسبابًا مخففة، تضع الضحية في موقع المذنبة، التي ارتكبت أخطاء أوجبت القتل، وقد تجد بين هؤلاء تعاطفًا معها، مصحوبًا بعبارة من قبيل: الله يرحمها، هي أخطأت، والزلمة لم يتمالك أعصابه، والله يلعن الشيطان! هنا يدخل الشيطان على الخط، ويتم تحميله القسم الأكبر من الجريمة، إذ لا بد أنه وسوس للرجل، ودفعه لارتكاب هذا الفعل.
ذكرت، في حديث سابق، أن شريحة واسعة من المصريين، وعددًا لا يستهان به من الرجال في البلدان العربية، دافعوا عن الشاب الذي قتل زميلته في الجامعة، نيرة أشرف، سنة 2022، بكل الوسائل المتاحة لهم، حتى بالمال، فأبدى بعضهم استعداده لدفع ملايين الجنيهات لأهلها، مقابل أن يسقطوا حقهم عنه، وقام آخرون بحملات دعائية للتأثير على القاضي، عسى أن يخفف عنه الحكم، قدر الإمكان. ومن الأمور المدهشة، التي شهدناها مؤخرًا، أن شريحة واسعة من مشجعي المنتخب المصري، الذين غضبوا من حكم مباراة مصر والأرجنتين، في دور الـ16، عرفوا أن الحكم فرنسي، وتمكنوا من الحصول على حساب زوجته وابنته على “فيسبوك”، وصاروا يوجهون لهما الشتائم.
المشكلة، إذن، ليست في وجود التنويريين، والأفكار النيرة التي تدعو إلى الحرية والعدالة والقانون، بل هي في تقبل مجتمعاتنا لهذه الأفكار.
