تبرز المبادرات الشبابية كأحد المسارات المطروحة للمساهمة في معالجة عدد من التحديات المجتمعية، من خلال تطوير أفكار ومشاريع محلية، بالتوازي مع توجه حكومي لدعم هذه المبادرات وتوسيع نطاقها.
ومن بين هذه المبادرات، جاء برنامج “رحلة الابتكار والريادة المجتمعية” الذي ركز على تدريب الشباب وتطوير أفكار مرتبطة بتحديات خدمية ومجتمعية في دمشق، واختُتم الاثنين 20 من تموز.
نفذ البرنامج بتنظيم مشترك بين مبادرة “أبجد” التعليمية وبرنامج “EU MedBridge”، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، بالتعاون مع محافظة دمشق، وشهد مشاركة 85 متقدمًا، اختير 20 شابًا وشابة منهم، يمثلون مختلف الكليات والتخصصات والمسارات المهنية في دمشق.
وصرح عضو مجلس إدارة مبادرة “أبجد” طاهر حتاحت، لعنب بلدي، أن هذه الفعالية تشكل المحطة الأخيرة من معسكر تدريبي مكثف استمر لمدة عشرة أيام ضم نخبة من الشباب السوريين من مختلف أطياف المجتمع.
وأوضح حتاحت أن الهدف الرئيس من هذه المبادرة تمثل في تحفيز وتفعيل مهارات الابتكار لدى الشباب، للوصول إلى حلول عملية وابتكارية لمجموعة من المشكلات والتحديات الفعلية التي طرحتها محافظة دمشق.
كما أكد المستشار والمدرب المشرف على المبادرة، هاني الطرابيشي، لعنب بلدي، أن الهدف الرئيس للمبادرة يتمثل في تعزيز مشاركة الشباب والمواطنين في عملية صنع القرار، من خلال إشراكهم في ابتكار حلول عملية وواقعية للتحديات اليومية التي تواجه سكان المدينة.
وفي حديثه عن إمكانية تحويل هذه الأفكار إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، أوضح الطرابيشي أن الأدوات والمنهجيات المستخدمة خلال البرنامج أسهمت في تطوير حلول عملية وبسيطة، مشددًا على أن نجاحها يعتمد على التكامل والتعاون بين القطاعين العام والخاص، إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني، إذ لا تستطيع أي جهة منفردة معالجة هذه التحديات.
وبيّن أن الإطار الزمني لتنفيذ المشاريع يختلف بحسب طبيعتها، إذ يمكن إطلاق بعض المبادرات خلال أسبوعين، فيما يحتاج بعضها الآخر إلى فترة قد تمتد إلى ستة أشهر.
ويعتمد البرنامج، بحسب الطرابيشي، على منهجية المساحات التجريبية، التي تقوم على تنفيذ الحلول أولًا على نطاق محدود لقياس أثرها وتقييم نتائجها، قبل توسيع نطاق تطبيقها بما يضمن فاعليتها واستدامتها.
فيما أعرب عن أمله في أن تمتد هذه التجربة إلى مختلف المحافظات السورية، وألا تقتصر على دمشق، بما يسهم في نشر ثقافة الابتكار والمشاركة المجتمعية على مستوى البلاد.
صندوق لدعم 1000 فريق شبابي
في سياق تعزيز دور الشباب في العمل المجتمعي، برزت مبادرات جديدة تستهدف توفير الدعم للفرق الشبابية، بما يتيح لها تحويل أفكارها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
وأوضح مستشار وزير الرياضة والشباب، فؤاد السيد عيسى، لعنب بلدي، أن الوزارة تضع تمكين الشباب في مجالات الابتكار وصنع القرار على رأس أولوياتها.
وكشف عن تفاصيل صندوق دعم مبادرات الفرق الشبابية الذي أطلقته الوزارة منذ نحو شهر، مشيرًا إلى أن الصندوق يسعى خلال العام الحالي والعام المقبل إلى دعم 1000 فريق تطوعي وشبابي.
وأضاف أن خطة الصندوق للعام الحالي تستهدف دعم 200 فريق شبابي في مرحلتها الأولى، لإتاحة الفرصة لهم لتنفيذ أفكارهم ومبادراتهم المجتمعية في مجالات متعددة، تشمل: الرياضة، والتكنولوجيا والابتكار، وريادة الأعمال.
ولا تقتصر الغاية الأساسية فقط على تقديم الحلول، بحسب عيسى، بل تمتد لتشمل تدريب الشباب، وبناء قدراتهم القيادية، وتمكينهم من إدارة المبادرات بفاعلية في مجتمعاتهم.
وحول آلية التمويل، بيّن المستشار أن الصندوق يمثل نموذجًا للتمويل المشترك بين الوزارة وجهات محلية ودولية متعددة.
وحول أبرز التحديات والقضايا التي تسعى الوزارة لتوجيه جهود الشباب نحو معالجتها، أشار مستشار الوزير إلى التوعية بمخاطر انتشار المخدرات، وتشجيع الممارسة الرياضية بين كافة الفئات العمرية، ومكافحة خطاب الكراهية والعنصرية والطائفية.
الشباب بوابة التغيير
تبرز أهمية تعزيز الشراكة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني، باعتبارها ركيزة أساسية لمعالجة التحديات الاجتماعية المتراكمة، ودعم المبادرات المحلية.
وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن المبادرات الشبابية والمحلية تؤدي دورًا محوريًا في إحداث التغيير المنشود ومعالجة الآثار التي خلفتها سنوات الحرب.
وأشار معاون وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، بهجت الحجار، في حديث لعنب بلدي، إلى أن الوزارة معنية بشكل مباشر بالتحديات الاجتماعية التي طالت النسيج السوري على مدى أكثر من 14 عامًا من الحرب، إلى جانب الآثار المتراكمة لعقود من الاستبداد.
وأكد الحجار أن التغيير الحقيقي والحلول المبتكرة تنطلق من أفكار الشباب وطاقاتهم، مشددًا على ضرورة تكامل الجهود بين المؤسسات الحكومية، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني وفرقها التطوعية.
واستعرض عددًا من النماذج التي انطلقت كمبادرات شبابية وتحولت إلى مؤسسات فاعلة، مستشهدًا بتجربة “الدفاع المدني السوري” (الخوذ البيضاء)، التي بدأت كمبادرة محلية لإنقاذ المدنيين، قبل أن تتطور إلى وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث.
كما استذكر مبادرة شباب داريا عام 2003، التي بدأت بحملة تطوعية لتنظيف المدينة، واستمرت رغم التضييق الأمني آنذاك، معتبرًا أنها شكلت نموذجًا لإصرار الشباب على التغيير، وصولًا إلى الثورة السورية.
وأضاف أن الشباب السوري لا يزال قادرًا على قيادة مسارات التغيير والإسهام في دعم مؤسسات الدولة.
وفيما يتعلق بآليات تنفيذ المبادرات، شدد الحجار على أن التشاركية لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت نهجًا عمليًا تفرضه متطلبات المرحلة، موضحًا أن الوزارة تعمل بالتنسيق مع لجنة حكومية تضم عددًا من الوزارات، إلى جانب التعاون مع منظمات المجتمع المدني، لمعالجة ملفات اجتماعية معقدة.
واختتم الحجار بالتأكيد أن إدارة هذه الملفات تتطلب تعاونًا واسعًا بين مختلف الجهات، قائلًا: “إن النجاح في إدارة هذه الملفات الصعبة يفرض علينا التكاتف والتكامل”.
وفي سياق متصل، أعربت الصحفية والمنسقة في شبكة “EU JEEL Connect”، ضمن برنامج “EU MedBridge” آنا ماريا أوهان، عن سعادتها بالعمل الميداني المباشر داخل سوريا، موضحة أن الشبكة، التي واصلت نشاطها عبر الإنترنت على مدى ست سنوات، بدأت مرحلة جديدة من الحضور الميداني، بهدف دعم الشباب السوري وتعزيز مشاركتهم في صنع القرار، وإيصال أصواتهم وأفكارهم إلى المنصات الإقليمية والدولية.
وكشفت أوهان عن تعاون الشبكة مع مؤسسة “أبجد” لإطلاق أربع مبادرات جديدة خلال المرحلة المقبلة، مشيرة إلى أن الأنشطة لن تقتصر على دمشق، بل ستمتد إلى محافظات ومناطق أخرى.
وأضافت أن الشبكة نفذت بالفعل مبادرة في حلب، وتعمل حاليًا على توسيع نشاطها ليشمل ريف دمشق، مع وجود خطط لإطلاق مبادرة في إدلب.
وأكدت أن الشباب السوري يمتلك طاقات استثنائية وقدرة على الإنجاز رغم التحديات.
وشددت أوهان على أن الشراكة بين القطاع العام، والقطاع الخاص، ومنظمات المجتمع المدني، والجهات الدولية تمثل إحدى أهم ركائز المرحلة الحالية، ولا سيما في ظل الحاجة إلى بناء وتحديث قواعد البيانات في مختلف القطاعات، بما يسهم في دعم جهود التنمية وإعادة الإعمار على أسس قائمة على التعاون والتكامل.
ويعد “EU MedBridge” برنامج تواصل إقليمي ممول من الاتحاد الأوروبي يركز على تعزيز الحوار مع المجتمعات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخليج، عبر دعم شبكات الشباب والإعلام وتنفيذ مبادرات تهدف إلى التعريف بشراكات الاتحاد الأوروبي وقيمه.
حلول مبتكرة لتحديات يومية
تنوعت المشاريع التي قدمها المشاركون خلال البرنامج لتلامس جوانب مختلفة من الحياة اليومية، وركزت على إيجاد حلول عملية لتحديات مجتمعية وخدمية.
ومن أبرز الأفكار المطروحة تطوير تطبيق يعزز الهوية والانتماء لدى اليافعين داخل سوريا وفي بلدان الشتات، ومبادرات لمعالجة الاختناقات المرورية وتحسين تنظيم الحركة، إلى جانب مشاريع تهدف إلى تعزيز السلامة المهنية للعاملين في قطاع النظافة بدمشق، ودمج ذوي الإعاقة، ودعم سبل العيش، وتعزيز ثقافة الحفاظ على الملكية العامة.
تأسست مجموعة “أبجد” عام 2018 كمبادرة تعليمية مجتمعية مستقلة وغير ربحية أطلقها شباب سوريون من مختلف أنحاء العالم، قبل أن تحصل على ترخيصها الرسمي في ألمانيا عام 2022.
وتسعى المبادرة إلى تمكين الشباب السوري داخل البلاد وفي بلدان الاغتراب، من خلال توفير برامج تدريبية نوعية، وتبادل الخبرات، وإطلاق مبادرات تعزز الابتكار والمشاركة المجتمعية.
