منذ اندلاع المواجهات بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في مناطق شرق الفرات في 17 من كانون الثاني 2026، نشرت “قسد” بيانات متتالية تحت عنوان “سجلات الشهداء”، تضمنت أسماء مقاتلين قالت إنهم قتلوا خلال المواجهات أو توفوا لاحقًا متأثرين بإصابات سابقة.
ورغم إعلان الجانبين في 29 من كانون الثاني، اتفاقًا لوقف القتال والبدء بمسار دمج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن هياكل الحكومة السورية، استمرت “قسد” خلال الأشهر التالية بإصدار دفعات جديدة من سجلات القتلى، تضمنت أسماء مقاتلين قتل بعضهم خلال المعارك التي سبقت الاتفاق، وآخرين قالت إنهم توفوا لاحقًا متأثرين بجراحهم.
وأحصت عنب بلدي، بالاعتماد على البيانات المنشورة من قبل “قسد”، منذ 27 من كانون الثاني وحتى 20 من تموز 2026، 35 بيانًا تضمنت أسماء 204 قتلى، بمتوسط يقارب ستة قتلى في كل دفعة، مع اختلاف واضح في وتيرة النشر وعدد الأسماء بين مرحلة وأخرى.
204 قتلى في 35 دفعة
نشرت “قسد” سجلاتها، على مدار الأعوام التي كانت خلالها مسيطرة على المنطقة، إلا أن عنب بلدي تتبعت السجلات التي نشرتها بعد أيام من بدء المواجهات، إذ أصدرت في 27 من كانون الثاني بيانين منفصلين أعلنت خلالهما مقتل 14 مقاتلًا، بينهم أربعة قالت إنهم قتلوا على جبهة العالية غرب الحسكة.
وفي 29 من كانون الثاني، وهو اليوم الذي أعلن فيه اتفاق وقف القتال بين الحكومة السورية و”قسد”، نشرت الأخيرة سجلًا جديدًا تضمن أربعة قتلى، قبل أن تعلن، في 31 من كانون الثاني، عن أكبر دفعاتها خلال كانون الثاني، بإعلان مقتل 13 مقاتلًا.
وخلال شباط، ارتفعت وتيرة نشر السجلات، إذ أعلنت “قسد” خلال تسع دفعات عن مقتل 66 مقاتلًا، وهي الحصيلة الشهرية الأعلى وفق البيانات التي جمعتها عنب بلدي. وكانت أكبر دفعتين خلال الشهر في 4 من شباط و26 من شباط، بإعلان مقتل 13 و12 مقاتلًا على التوالي.
أما خلال آذار، فقد أعلنت “قسد” عن مقتل 37 مقاتلًا ضمن ست دفعات، قبل أن تنخفض الأرقام في الأشهر اللاحقة، إذ بلغت حصيلة نيسان 30 قتيلًا، وأيار 17 قتيلًا، وحزيران 18 قتيلًا، وتموز خمسة قتلى حتى 20 منه.
وتظهر البيانات أن أعلى وتيرة لإعلان السجلات تركزت خلال الشهرين الأولين أثناء وبعد المواجهات، بالتزامن مع المرحلة التي شهدت العمليات العسكرية الأكثر كثافة، قبل أن تتراجع تدريجيًا مع استمرار مسار التفاوض والاندماج بين الطرفين.
دفعات متفاوتة.. من قتلى المعارك إلى وفيات لاحقة
لم ترتبط جميع الأسماء التي أعلنت عنها “قسد” بتاريخ الإعلان نفسه، إذ تضمنت بعض البيانات مقاتلين قالت إنهم توفوا بعد إصابات تعرضوا لها في فترات سابقة.
ومن بين الحالات التي وردت في السجلات، إعلان “قسد” في 1 من حزيران مقتل بهاء خليل المعروف باسم “باز بارتي”، متأثرًا بإصابة قال البيان إنها ناجمة عن تفجير انتحاري في بلدة الشدادي عام 2017.
كما تضمنت بعض البيانات أسماء مقاتلين قالت “قسد” إنهم قتلوا في معارك سابقة، مثل الإشارة في بيان 16 من أيار إلى مقاتل قالت إنه قتل خلال اشتباكات في مدينة منبج عام 2024.
ويشير ذلك إلى أن سجلات القتلى لم تقتصر على توثيق خسائر العمليات العسكرية التي بدأت في كانون الثاني 2026 فقط، بل شملت أيضًا حالات وفاة لاحقة مرتبطة بإصابات أو أحداث عسكرية سابقة.
خطاب “الشهادة” و”المقاومة” بعد اتفاق وقف القتال
إلى جانب الأرقام، حملت بيانات “قسد” خطابًا متكررًا في توصيف قتلاها، إذ استخدمت مفردات مثل “الشهيد”، و”التضحية”، و”النضال”، و”المقاومة”، و”الدفاع عن الوجود والكرامة”.
وفي معظم البيانات، قدمت “قسد” مقاتليها باعتبارهم مدافعين عن السكان ومكتسبات المنطقة، مستخدمة تعبيرات مثل “حماية شعبنا”، و”صون كرامته”، و”الدفاع عن أرضه”، كما وصفت المواجهات بأنها “تصدي لهجمات فصائل دمشق”.
واستمر هذا الخطاب بعد اتفاق 29 كانون الثاني، إذ بقيت البيانات اللاحقة تستخدم لغة مرتبطة بسياق المواجهة العسكرية، رغم انتقال الطرفين رسميًا إلى مسار سياسي يقوم على وقف القتال والبحث في آليات الدمج.
ففي بيان 29 من نيسان، تحدثت “قسد” عن مقاتلين “ارتقوا شهداء وهم يذودون عن ترابهم الطاهر وكرامة شعبهم”، بينما استخدمت في بيان 14 من حزيران تعبير “ميادين المواجهة ضد هجمات فصائل دمشق الغازية”.
كما تكررت في بيانات أخرى عبارات مثل “دماء الشهداء لن تذهب سدى”، و”السير على درب الشهداء”، و”مواصلة النضال”، وهي عبارات حافظت على سردية المرحلة العسكرية السابقة.
مقاتلون مولودون في تركيا ضمن السجلات
وبالرجوع إلى السجلات الفردية المرفقة بعدد من بيانات “سجلات الشهداء”، رصدت عنب بلدي أن عددًا من القتلى المعلن عنهم وُلدوا في مدن وولايات تركية، وفق بيانات الميلاد الواردة في تلك السجلات.
وتشير المعلومات المنشورة في السير الذاتية لبعض الأسماء إلى وجود مقاتلين من مواليد مناطق داخل تركيا، من بينها سيرت وأرضروم، ضمن القوائم التي أعلنت عنها “قسد”.
ومن بين الحالات الواردة، ذكر بيان 23 من نيسان مقاتلين اثنين، أحدهما محمد أمين آجار المعروف باسم “رشيد هركول”، وقالت “قسد” إنه من مواليد مدينة سيرت في شمال كردستان عام 1989، والآخر مراد دنيز المعروف باسم “مظلوم دوغان”، وقالت إنه من مواليد أرضروم عام 1997.
كما تضمنت بيانات أخرى أسماء مقاتلين من مواليد مناطق مختلفة، وفق المعلومات التعريفية التي أرفقتها “قسد” مع بعض سجلاتها.
بين توثيق الخسائر ومسار الاندماج
تأتي سجلات قتلى “قسد” في مرحلة انتقالية تشهد إعادة ترتيب الأوضاع في عموم مناطق شمال شرقي سوريا، بعد اتفاق 29 كانون الثاني الذي أنهى جولة من المواجهات وفتح باب النقاش حول دمج المؤسسات العسكرية والإدارية.
وبينما تقدم “قسد” هذه الأسماء بوصفها توثيقًا لتضحيات مقاتليها، فإن استمرار صدورها بعد الاتفاق أبقى خطاب الحرب حاضرًا في المشهد الإعلامي، في وقت تحاول فيه المنطقة الانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء المؤسسات وتوحيد الهياكل.
وتكشف الأرقام التي جمعتها عنب بلدي أن غالبية الخسائر المعلنة تركزت خلال الأسابيع الأولى من المواجهات، بينما تراجعت لاحقًا وتيرة نشر السجلات، دون توقف الخطاب الذي رافقها منذ بداية المعارك، والقائم على مفردات “الشهادة” و”المقاومة” و”الدفاع عن الوجود”.
