افتتح وزير الطاقة السوري، محمد البشير، اليوم الأربعاء 22 من تموز، محطة مياه “علوك” في ريف رأس العين شمالي الحسكة، إيذانًا باستئناف ضخ مياه الشرب إلى مدينة الحسكة وريفها، بعد سنوات من التوقف والانقطاعات المتكررة التي جعلت المحطة إحدى أبرز القضايا الخدمية المرتبطة بالنزاع في شمال شرقي سوريا.
وجرى الافتتاح بحضور محافظ الحسكة، نور الدين أحمد، وأعضاء من الوفد الرئاسي، ومدير مؤسسة المياه في المحافظة، وعدد من أعضاء مجلس الشعب الممثلين للحسكة، في خطوة قالت الحكومة إنها تمثل بداية استعادة أحد أهم المرافق الخدمية في المحافظة.
وقال وزير الطاقة عبر منصة “إكس“، “شهدنا اليوم عودة الضخ من محطة مياه علوك، بعد أكثر من سبع سنوات من التوقف، في خطوة تعيد المياه تدريجيًا إلى أكثر من نصف مليون من أهلنا في محافظة الحسكة”.
وتأتي إعادة تشغيل المحطة بعد بدء الضخ التجريبي في 15 من تموز الحالي، عقب انتهاء أعمال صيانة وتأهيل استمرت تسعة أشهر، شملت إصلاح الآبار والمنظومة الكهربائية وأجزاء من البنية التحتية، بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مع استمرار التنسيق مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) للوصول إلى الطاقة التشغيلية الكاملة.
وبحسب الإعلان الرسمي، ستعمل المحطة في مرحلتها الأولى عبر تشغيل 19 بئرًا من أصل 34 بئرًا، بهدف تأمين مياه الشرب لمدينة الحسكة وريفها، إضافة إلى ناحية الهول، على أن تستكمل إعادة تأهيل بقية الآبار ضمن مراحل لاحقة.
أبرز مصادر المياه في الحسكة
الناشط المدني محمد الداوود قال في حديث لعنب بلدي، إن محطة “علوك”، الواقعة في منطقة رأس العين، “تُعدّ المصدر الرئيس لمياه الشرب في محافظة الحسكة، إذ تغذي مدينة الحسكة وريفها، إضافة إلى مدينة تل تمر وريفها ومنطقة الهول، وتخدم نحو 500 ألف نسمة”.
وأضاف أنه خلال سنوات الحرب، تحولت المحطة “من منشأة خدمية إلى أحد أبرز الملفات الإنسانية والسياسية في شمال شرقي سوريا”، وأرجع الداوود ذلك إلى “وقوعها في منطقة شهدت تغيرات متلاحقة في السيطرة العسكرية، وما ترتب على ذلك من صعوبات في تشغيلها وتأمين الكهرباء اللازمة لها، فضلًا عن الأضرار التي طالت خطوط نقل المياه والبنية التحتية”.
وكان سكان الحسكة يعتمدون طوال فترات توقف المحطة على مصادر بديلة للمياه، أبرزها صهاريج نقل المياه ومحطات التحلية المحلية والآبار الخاصة، في ظل ارتفاع تكاليف الحصول على مياه الشرب وتراجع كميات المياه المتاحة.
ارتبطت الأزمة المستمرة لمحطة “علوك” بالتطورات التي أعقبت عملية “نبع السلام” شمال شرقي سوريا عام 2019، إذ أشارت منظمات عديدة إلى أن التوقف الكامل للمحطة جاء بعد قطع التغذية الكهربائية عن المنطقة في آب 2020، قبل أن تدخل المحطة في سلسلة طويلة من عمليات التشغيل المؤقت والانقطاع المتكرر.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت إعادة تشغيل المحطة ترتبط بعوامل متداخلة، تشمل تأمين الكهرباء، وإمكانية وصول الفرق الفنية، وإزالة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، إلى جانب التفاهمات الأمنية بين الجهات المسيطرة في المنطقة.
تحذيرات أممية متكررة
حظيت محطة علوك باهتمام واسع من الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، نظرًا لاعتماد مئات آلاف المدنيين عليها.
وفي آذار 2020، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن المحطة كانت تؤمن المياه لنحو 460 ألف شخص في الحسكة وتل تمر ومخيمي الهول والعريشة، مؤكدة أن استمرار توقفها يهدد بزيادة المخاطر الصحية وانتشار الأمراض المرتبطة بنقص المياه.
كما دعت الأمم المتحدة، في تموز 2021، إلى استئناف خدمات المياه والكهرباء بصورة مستدامة، مشيرة إلى أن الانقطاعات المتكررة للمحطة عرّضت نحو مليون شخص لخطر نقص المياه، وأوضحت حينها أن المحطة تعطلت منذ تشرين الثاني 2019 ما لا يقل عن 24 مرة، فيما استمر التوقف الكامل منذ 23 من حزيران 2021 بسبب انقطاع الكهرباء وصعوبات وصول فرق الصيانة.
وخلال تلك السنوات، اضطرت المؤسسات المحلية إلى تشغيل محطات تحلية داخل مدينة الحسكة للتخفيف من آثار انقطاع المياه، غير أن هذه الحلول بقيت محدودة مقارنة بحجم الاحتياج الفعلي.
محاولات لم تحقق استقرارًا
شهدت الأعوام الماضية عدة مبادرات لإعادة تشغيل المحطة، إلا أن أيًا منها لم ينجح في ضمان استقرار الضخ.
وفي أيلول 2024، تحدثت تقارير عن توافق دولي لإعادة تشغيل المحطة، بالتزامن مع زيارة وفد من “يونيسف” واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن تلك الجهود لم تفض إلى تشغيل دائم.
كما زار وفد من الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري المحطة في حزيران 2025 لتقييم وضعها الفني، إلا أن الزيارة اقتصرت على الجانب الفني دون أن تفضي إلى استئناف التشغيل.
وأرجعت الجهات المعنية تعثر الحلول السابقة إلى ثلاثة عوامل رئيسة، هي استمرار التعقيدات الأمنية في محيط المحطة، وعدم استقرار التغذية الكهربائية، والأضرار التي تعرضت لها خطوط الجر ومنشآت الضخ.
تحركات حكومية لتشغيلها
بدأت التحركات الحكومية لإعادة تشغيل المحطة خلال العام الحالي، إذ أعلنت وزارة الطاقة، في 7 من نيسان الماضي، تسلم المحطة وبدء تقييمها الفني تمهيدًا لإعادة تأهيلها، وذلك ضمن إجراءات مرتبطة بمتابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني.
وفي 30 من حزيران، أعلن نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي أن اجتماعًا مشتركًا مع اللجنة الوزارية والشركة العامة للمياه ناقش أسباب تأخر إعادة الضخ، مشيرًا إلى أن إزالة الألغام والتعديات عن خط الجر كانت من أبرز الخطوات المطلوبة قبل بدء التشغيل.
وأعلنت وزارة الطاقة، في 15 من تموز، بدء الضخ التجريبي بعد انتهاء أعمال الصيانة، مؤكدة استمرار العمل بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر و”يونيسف”، إضافة إلى تجهيز محطة كهرباء نقالة في مدينة الدرباسية لضمان استقرار التغذية الكهربائية اللازمة لتشغيل المحطة.
خبير: استقرار التشغيل مفتاح الأمن المائي
يرى الباحث في شؤون الإدارة المحلية عبد الرحمن العلي أن إعادة تشغيل محطة علوك تمثل “خطوة تتجاوز الجانب الخدمي، بالنظر إلى اعتماد مئات آلاف السكان في محافظة الحسكة عليها كمصدر رئيس لمياه الشرب”.
وقال العلي لعنب بلدي، إن “استقرار عمل المحطة من شأنه أن يخفف الأعباء الاقتصادية عن الأسر التي اضطرت خلال سنوات الانقطاع إلى شراء المياه عبر الصهاريج أو الاعتماد على مصادر بديلة مرتفعة الكلفة”، مشيرًا إلى أن نجاح هذه الخطوة يبقى مرتبطًا بضمان استمرارية التغذية الكهربائية، وحماية خطوط الجر، وإبعاد المنشآت الخدمية عن التجاذبات الأمنية والسياسية، بما يضمن عدم تكرار الانقطاعات التي شهدتها السنوات الماضية.
وأضاف العلي أن إعادة المحطة إلى الخدمة بصورة مستقرة “ستنعكس على الواقع الصحي والبيئي في المحافظة، من خلال تحسين الوصول إلى مياه الشرب الآمنة وتقليل الاعتماد على مصادر قد تكون غير مطابقة للمواصفات”، إلى جانب تعزيز الثقة بإمكانية إعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية في شمال شرقي سوريا بعد سنوات من التضرر.
من جانبه، أكد الناشط محمد الداوود أنه “يُنظر إلى افتتاح محطة علوك بوصفه خطوة نحو معالجة واحدة من أبرز الأزمات الخدمية التي واجهت محافظة الحسكة خلال السنوات الماضية”، مردفًا أن “استدامة تشغيلها ستظل مرتبطة بالحفاظ على التغذية الكهربائية، واستمرار أعمال الصيانة، وتأمين خطوط النقل والمنشآت المرتبطة بالمحطة”.
“علوك”.. سنوات من الانقطاع والاستئناف
- تشرين الثاني 2019: بدأت محطة علوك تشهد أولى الانقطاعات المتكررة بعد التطورات العسكرية التي أعقبت عملية “نبع السلام”، لتدخل لاحقًا في أزمة تشغيل طويلة أثرت على إمدادات المياه إلى الحسكة وريفها.
- آذار 2020: حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) من أن توقف المحطة يهدد وصول مياه الشرب إلى نحو 460 ألف شخص في الحسكة وتل تمر ومخيمي الهول والعريشة، داعية إلى ضمان استمرار تشغيلها.
- 13 آب 2020: توقفت المحطة بشكل كامل بعد انقطاع التغذية الكهربائية، وفق توثيق منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، لتبدأ بعدها سلسلة طويلة من عمليات التشغيل والانقطاع المؤقت.
- 23 حزيران 2021: دخلت المحطة في توقف جديد استمر لفترة طويلة نتيجة انقطاع الكهرباء وصعوبات وصول فرق الصيانة الفنية.
- تموز 2021: حذرت الأمم المتحدة من أن نحو مليون شخص باتوا مهددين بفقدان الوصول إلى المياه، مشيرة إلى أن المحطة تعطلت ما لا يقل عن 24 مرة منذ تشرين الثاني 2019.
- أيلول 2024: جرت محاولات دولية لإعادة تشغيل المحطة بمشاركة “يونيسف” واللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أنها لم تصل إلى تشغيل مستدام بسبب استمرار التعقيدات الميدانية.
- حزيران 2025: زار وفد من الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري المحطة لتقييم وضعها الفني وإمكانية إعادة تشغيلها، ضمن جهود تمهيدية لإعادتها إلى الخدمة.
- 7 نيسان 2026: أعلنت وزارة الطاقة تسلم محطة علوك وبدء أعمال التقييم والصيانة تمهيدًا لإعادة تشغيلها، ضمن متابعة تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني.
- 9 نيسان 2026: باشرت وزارة الطاقة تجهيز محطة كهرباء نقالة في الدرباسية لتأمين التغذية الكهربائية اللازمة لتشغيل محطة علوك.
- 15 تموز 2026: أعلنت وزارة الطاقة قرب بدء الضخ التجريبي بعد استكمال أعمال الصيانة والتأهيل التي استمرت تسعة أشهر.
- 16 تموز 2026: بدأت محطة علوك الضخ التجريبي للمياه باتجاه مدينة الحسكة وريفها، في أول تشغيل فعلي بعد سنوات من التوقف.
- 18 تموز 2026: أعلنت وزارة الطاقة استمرار الضخ التجريبي، مع التنبيه إلى عدم استخدام المياه للشرب حتى انتهاء الفحوصات المخبرية واعتماد النتائج.
- 22 تموز 2026: افتتح وزير الطاقة محمد البشير محطة علوك رسميًا، وأعلن بدء إعادة ضخ المياه تدريجيًا إلى مدينة الحسكة وريفها عبر تشغيل 19 بئرًا من أصل 34، في خطوة تستهدف خدمة نحو 500 ألف نسمة.
