عنب بلدي – شعبان شاميه
يشكل مصطلح “المتلازمة الأكاديمية” توصيفًا لظاهرة اجتماعية ونفسية متنامية في العيادات الأسرية والتربوية، رغم عدم اعتماده تشخيصًا طبيًا.
ويعبّر المفهوم عن ضغوط مستمرة يواجهها الأبناء لتكرار النجاح المهني والتحصيلي لوالديهم، خاصة إذا كانوا أكاديميين أو أطباء أو أصحاب مكانة علمية ومهنية مرموقة، ما يحوّل التطلع المستقبلي من مسار لاكتشاف الذات إلى التزام عائلي يهدف إلى الحفاظ على المكانة أو السمعة المجتمعية.
في تحليل تربوي للظاهرة، قالت استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، إن المشكلة تبدأ عندما يصبح نجاح الوالدين مقياسًا ثابتًا لتقييم الأبناء.
وأضافت العرنوس أن هذا الربط يؤثر سلبًا على شخصية الطفل، إذ يجعله يربط قيمته وإنجازاته برضا الآخرين وتوقعاتهم، بدلًا من التركيز على قدراته وميوله الحقيقية.
كما يتعاظم هذا العبء النفسي تحديدًا داخل أسر الأكاديميين والأطباء، وفقًا للاستشارية، إذ يرتفع سقف التوقعات منذ الطفولة مدفوعًا بتاريخ الإنجازات العائلية.
وتتبدل رسائل التحفيز الظاهرية واليومية مثل “يجب أن تكمل المسيرة” إلى قوالب جامدة تُشعر الأبناء بأن مستقبلهم محدد مسبقًا، ليقعوا في صراع حاد بين شغفهم الشخصي والامتثال للصورة الاجتماعية المفروضة عائليًا.
حين يولّد الضغط نجاحًا مثقلًا بالإرهاق
أوضحت استشارية علم النفس الأسري أن هناك فرقًا جوهريًا يفصل بين التشجيع الصحي والضغط النفسي الذي يمارسه الآباء على الأبناء، مبينة أن التشجيع الحقيقي يمنح الطفل الثقة والحرية الموجهة، في حين يربط الضغط النفسي القبول الأسري بالنتائج الرقمية والأكاديمية فقط.
وتكمن خطورة الضغط النفسي، بحسب العرنوس، في دفع الطفل لربط قيمته الشخصية باحترامه داخل الأسرة، الذي يصبح في نظره مشروطًا بمعدله الدراسي أو تخصص المستقبل.
وترى الاستشارية أن رسالة التشجيع تُبنى على الثقة باختيارات الابن ودعمه للنجاح فيها، بينما يرسل الضغط إشارات مباشرة أو غير مباشرة تفيد بأن النجاح محصور فقط في الطريق الذي يريده الأبوان.
وحذرت العرنوس من تبعات هذا الضغط الذي يولّد قلقًا وخوفًا دائمين من الفشل، ما قد يدفع بعض الأبناء إلى التفوّق ظاهريًا، لكنهم يعيشون داخليًا حالة من الإرهاق المستمر والشعور بأنهم لا يستطيعون ارتكاب الأخطاء.
بينها “متلازمة المحتال”.. تداعيات التفوق الإجباري
استعرضت الاستشارية أبرز التداعيات النفسية المترتبة على الأبناء بالقول، إن الضغط المستمر يتشكل في صور سلوكية ونفسية متعددة، إذ يتحول الابن إلى شخصية مفرطة الحساسية تجاه النقد، مدفوعًا بخوف دائم من ارتكاب الأخطاء لمعادلته الفشل بفقدان القيمة الذاتية.
ويتفاقم هذا الاضطراب لينتج عنه قلق حاد في أثناء فترات الاختبارات والمقابلات الدراسية، يصاحبه شعور ثقيل بأن أي إخفاق يمثّل خيبة أمل للأسرة بأكملها.
كما تشمل الآثار المرصودة، وفقًا للعرنوس، فقدانًا تامًا للشغف، إذ يحصد الطلاب درجات مرتفعة دون متعة حقيقية في التعلم، أو يقعون فريسة لـ”متلازمة المحتال” التي تجعلهم يشككون في استحقاقهم للنجاح وينظرون إلى تقدير الآخرين كمبالغة.
وفي أقصى حالات هذا الضغط الممتد لسنوات تحت تأثير المقارنات والتوقعات المرتفعة، حذرت استشارية علم النفس الأسري من وصول الأبناء إلى مرحلة الاحتراق النفسي أو ظهور أعراض اكتئابية حادة.
وهم التخصصات الجاهزة
لفتت العرنوس إلى أن إجبار الابن على دراسة تخصص معيّن لا يضمن نجاحه، فالنجاح الحقيقي منظومة متكاملة لا ترتكز على الذكاء والقدرة العقلية وحدهما، بل تتطلب توافقًا وثيقًا مع الميول والدافعية الداخلية.
وقد يمتلك الطالب الكفاءة الذهنية التي تمكّنه من دراسة مجالات علمية كالطب أو الهندسة، لكن غياب الرغبة والشغف يجعله يمارس مهنته مستقبلًا تحت وطأة الإنهاك وفقدان المعنى.
وفي المقابل، يثبت الواقع تميّز الكثير من الشباب في تخصصات مغايرة لرغبات أسرهم، مدفوعين بالقناعة والشغف، لذا فإن الاستثمار التربوي الحقيقي يكمن في توجيه الابن لاكتشاف مجاله الإبداعي الخاص، لضمان استمرارية عطائه دون أن يشعر بتبديد هويته في حياة لا تخصّه.
دور الأسرة في التوجيه المهني
تلعب الأسرة دورًا حاسمًا في تشكيل المستقبل المهني لأبنائها، ليس من خلال فرض المسارات، بل عبر الدعم والتوجيه الواعي.
وفي هذا السياق، شددت الاستشارية على أن البداية الصحيحة تنطلق من “الإنصات الحقيقي”، إذ يحتاج الأبناء إلى مساحة آمنة للتعبير عن شغفهم ومخاوفهم دون خوف من السخرية أو الرفض، بعيدًا عن التركيز التقليدي على الدرجات التحصيلية فقط.
وأضافت العرنوس أن دور الوالدين يجب أن يقتصر على التوجيه ومشاركة الخبرات وعرض مزايا وتحديات التخصصات المتاحة، مع ترك حرية الاختيار النهائي للأبناء، إذ يعزز هذا الأسلوب لديهم حس المسؤولية والالتزام بقراراتهم وتحمل نتائجها.
معايير النجاح التربوي
قالت الاستشارية إن اختيار الأبناء لمهن مغايرة لتوجهات والديهم لا يعد فشلًا تربويًا، بل يمثل مؤشرًا جوهريًا على نجاح التربية السليمة.
وأضافت أن الغاية الأسمى للتربية تكمن في بناء شخصيات مستقلة وواعية، وقادرة على اتخاذ قراراتها بثقة، لا في إنتاج نسخ متطابقة من الآباء.
وترى العرنوس أن أعظم إنجاز للوالدين يتجسد في تمكين الابن من اكتشاف شغفه الحقيقي والإبداع فيه، مؤكدة أن النجاح لا يرتبط بالمسميات الوظيفية أو الموروث المهني للعائلة، بل بمدى قدرة الفرد على تحقيق الرضا الذاتي والإنتاجية والعطاء المجتمعي.
