خان “رستم باشا” بحماة.. صرح عثماني بخوارزميات “نصف البيضة”

  • 2026/07/26
  • 7:37 م
سوق الحرف التراثية في خان رستم باشا بمدينة حماة - 9 حزيران 2026 (عنب بلدي/عدي الحاج حسين)

سوق الحرف التراثية في خان رستم باشا بمدينة حماة - 9 حزيران 2026 (عنب بلدي/عدي الحاج حسين)

enab_get_authors_shortcode

عنب بلدي – عدي الحاج حسين

يثير خان “رستم باشا” في مدينة حماة اهتمام الزائر منذ اللحظة الأولى، ليس فقط بسبب عمره التاريخي الذي يتجاوز الأربعة قرون، بل لما يحمله من تحولات متعاقبة وأبعاد معمارية واجتماعية جعلته واحدًا من أبرز المعالم الأثرية والتراثية في سوريا.

الخان الذي يقع في قلب مدينة حماة القديمة، يجمع بين الإرث المعماري العثماني العريق والذاكرة الحرفية السورية، ليشكل نقطة التقاء بين التاريخ والصناعات التقليدية والتحولات الاجتماعية التي شهدتها المدينة عبر العصور.

عهد السلطان سليمان القانوني

شُيد الخان في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني، بأمر من والي حماة رستم باشا، وسُمي باسمه.

وفي حديث إلى عنب بلدي، قال الحرفي يحيى ظاظا، إن عمر البناء يُقدّر بنحو 460 عامًا تقريبًا، مؤكدًا أن نسبته إلى عهد سليمان القانوني وولاية رستم باشا هي أمر قطعي لا شك فيه.

وأضاف أن هذا الخان يُعد واحدًا من أبرز الخانات العثمانية التي أقيمت في المدينة، إلى جانب خانات أخرى مثل “أسعد باشا” و”الحنة” و”الصحن” و”عسكر”، وقد أدت هذه الخانات دورًا محوريًا في الحركة التجارية بين الحضر والبدو، حيث خُصصت لإيواء التجار والبضائع والدواب، مما جعلها مراكز حيوية للنشاط الاقتصادي في العهد العثماني.

عمارة تجمع بين الأيوبي والعثماني

يمتد الخان على مساحة تقارب سبعة دونمات، ويتألف من طابقين، خُصص الطابق العلوي للإقامة والنوم، بينما خُصص الطابق السفلي لمربط الدواب والإبل والخيول، إضافة إلى مطبخين، أحدهما باتجاه الشرق والآخر باتجاه الغرب، وقاعات متعددة استُخدمت لاحقًا لأغراض إدارية واجتماعية.

يضم الخان مسجدًا صغيرًا شُيد في عهد إنشائه، غير أن أبرز ما يميز البناء هو “القوس الإسلامي الأيوبي”.

وقال الفنان التشكيلي يوسف كشتو، وهو أحد حرفيي الخان ومتخصص في توثيق تاريخ حماة، إن هذا النمط المعماري يُدرّس حاليًا في الجامعات الأوروبية والأمريكية، لأنه يعتمد على نظام خوارزميات رياضية يُعرف بـ”نصف البيضة”، الذي يمنح القوس قدرة استثنائية على تحمل الأحمال الثقيلة، إذ تتساوى فيه قوى العزم من الأعلى والأسفل لتتلاشى تمامًا، مما يجعله تحفة هندسية فريدة.

وأضاف كشتو أن هذا الخان يعد نظيرًا معماريًا لخان آخر قائم في مدينة معرة النعمان، حيث يعدان الوحيدين المتطابقين في المساحة والتصميم بين الخانات الأثرية في المنطقة.

بين العسكرة والرعاية الاجتماعية

شهد الخان تحولات جوهرية عبر العقود الماضية، تعكس تقلبات المراحل التاريخية التي مرت بها سوريا، بحسب الحرفي يحيى ظاظا، فمع دخول الانتداب الفرنسي، حوّلته السلطات المستعمرة إلى ثكنة عسكرية، وظل يؤدي هذه الوظيفة حتى جلاء القوات الفرنسية عن البلاد.

وفي عهد الرئيس شكري القوتلي، تحول المبنى إلى ملجأ لرعاية الأيتام، واستمر في أداء هذه الرسالة الاجتماعية النبيلة حتى عام 2005، حين انتقل الملجأ إلى ضاحية أبو الفداء خارج المدينة القديمة.

وفي عام 2009، استأجرت مديرية السياحة الخان من جمعية رعاية الأيتام، وأعادت تأهيله وحولته إلى سوق للمهن اليدوية والحرف التقليدية.

مهرجانات تبث الحياة في الحجر القديم

مع تحول الخان إلى سوق حرفي، بدأت تنظم فيه فعاليات ومهرجانات دورية.

وقال الحرفي يحيى ظاظا، إن إحدى الشركات كانت تقيم معرضًا أو اثنين سنويًا، ثم تطورت الفعاليات لتشمل مهرجانات متنوعة تحمل أسماء، مثل “سوق العيلة” و”بكرة أحلى” و”صنع في بلدي”، بعضها ذو طابع خيري وبعضها الآخر تسويقي.

وأكد الحرفي أن الإقبال الجماهيري على هذه المهرجانات يكون كثيفًا للغاية، بحيث تمتلئ ساحات الخان طيلة أيام الفعالية التي تمتد لأسبوع كامل، غير أن هذا النشاط سرعان ما يخفت بمجرد انتهاء المهرجان، فلا يتردد على المكان بعد ذلك سوى الزوار القاصدين الخان خصيصًا، مما يعيد الهدوء إلى أروقته الحجرية.

32 حرفة على شفا الاندثار

يضم الخان اليوم نحو 32 مهنة وحرفة تقليدية، يعمل فيها حرفيون تجاوزت أعمار معظمهم الـ60 عامًا.

ويستعرض الحرفي يحيى ظاظا قائمة بهذه المهن، منها صناعة النواعير الخشبية المصغرة، وهي حرفة لم يعد يمارسها في حماة سواه، وصباغة الحرير القز التي باتت نادرة على مستوى سوريا، وصناعة الصابون البلدي على البارد، ومهنة المنجد العربي التي لم يتبقَّ منها سوى حرفي واحد في المدينة.

كما تشمل الحرف الخراز العربي والجلابيات الحموية القديمة، والأغاباني والشاروخ الحموي، والطباعة على القماش، والنسيج اليدوي، والفخار، وصياغة الفضة، والفسيفساء، والرسم الزيتي، والخط العربي، وصناعة البُسط، والورد الجوري، وأعمال النحت على الخشب بالعجمي أو النباتي النافر.

وحذر ظاظا في حديثه لعنب بلدي من أن هذه المهن قد تنقرض خلال عشرة أعوام ما لم تلقَ رعاية من الجهات المعنية، مشيرًا إلى أن الحرفيين لا يطمحون إلى دعم مادي مجاني، بل إلى دعم حقيقي يتمثل في شراء منتجاتهم، لأن جوهر هم الحرفي يكمن في تسويق ما يصنعه بيديه، خاصة أن هذه الصناعات تستهلك وقتًا وجهدًا كبيرين.

وأكد أن استمرارية هذه الحرف مرهونة بدعم الدولة عبر تحفيز حركة الشراء، لا عبر الإعانات المباشرة.

وبينما تقاوم جدرانه الحجرية تحولات استمرت لقرون، يحتضن خان “رستم باشا” بين أروقته أنفاس حرفيين يكافحون للحفاظ على إرث آبائهم، في انتظار نظرة دعم تعيد للحرفة بريقها وتكفل استمرارها للأجيال القادمة، ليبقى الخان معلمًا يجمع بين عبقرية الماضي ونبض الحاضر.

مقالات متعلقة

  1. فرصة للاستمتاع في برد الشتاء.. إليكم أبرز حمامات السوق في اسطنبول
  2. بينها جامع "العادلية".. تركيا تعتزم ترميم آثار عثمانية بحلب
  3. خان "أسعد باشا".. من قلب التجارة إلى فضاء للثقافة في دمشق
  4. "الشهباء".. صحيفة أهلية حفرت اسمها في تاريخ الصحافة بـ15 عددًا فقط

مجتمع

المزيد من مجتمع