أطلقت الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في محافظة حماة ثلاثة مشاريع حيوية في ناحية عقيربات بريف حماة الشرقي، ضمن حملة “فداءً لحماة”، في منطقة أنهكتها سنوات العطش والدمار، وأجبرت أهلها على شراء المياه من الصهاريج بأسعار باهظة.
وتكشف شهادات المسؤولين والمتابعين، لعنب بلدي، عن واقع مائي كان على حافة الانهيار، وعن تفاصيل المشاريع التي يُنتظر أن تعيد الحياة إلى قرى أنهكها النزوح، وتعيد الأمل بإنهاء رحلة البحث اليومية عن قطرة ماء نظيفة.
ثلاثة مشاريع بطاقة شمسية
أعلنت الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في محافظة حماة، عن إطلاق ثلاثة مشاريع حيوية في ناحية عقيربات، بهدف إعادة تأهيل منظومة مياه الشرب وتعزيز استدامة الخدمة في المناطق المتضررة.
وتشمل الأعمال تأهيل محطات مياه عقيربات والمكيمن الشمالي والمكيمن الجنوبي، وتزويدها بالتجهيزات الميكانيكية والكهربائية اللازمة، إضافة إلى تركيب منظومات طاقة شمسية حديثة، تتألف كل منها من 28 لوحًا شمسيًا باستطاعة 590 واطًا للوح الواحد، تمهيدًا لرفد الآبار بمضخات وقساطل رفع جديدة تضمن رفع كفاءة التشغيل واستمرارية الخدمة.
كما تنفذ الورشات الفنية توسعات في شبكات المياه بأقطار تتراوح بين 50 و110 مم، إلى جانب إعادة تأهيل خزانات الضخ العالية وتجهيز مركز تابع للشركة، بما يعزز كفاءة المنظومة المائية ويرفع جاهزيتها التشغيلية.
وتُعد هذه المشاريع من أبرز المشاريع الخدمية التي تنفذها الشركة بالتعاون مع الجهات الشريكة، إذ ستسهم في تأمين مياه شرب مستدامة لأكثر من سبعة آلاف مواطن، ضمن جهود إعادة تأهيل البنية التحتية وتحسين مستوى الخدمات الأساسية في ريف حماة الشرقي.
ثلاثة أشهر لإنهاء العطش.. 7500 نسمة في الانتظار
من جانبه، أوضح عطية الحسين، رئيس بلدية المكيمن الشمالي، في حديث لعنب بلدي، أن توفير مياه الشرب والغسيل هو أحد المقومات الأساسية للحياة، وواجب توفيرها للأهالي، لما له من أثر مباشر في دعم العودة الاستقرارية من النزوح إلى القرى والبلدات، وإعادة الحياة إلى طبيعتها.
وكشف الحسين أن المنطقة تعاني من غياب شبه تام لشبكات ومصادر المياه التابعة لمؤسسة مياه حماة في معظم القرى والبلدات، موضحًا أن الآبار الخاصة بالمنطقة تعرضت لدمار ممنهج خلال السنوات الماضية، مما أجبر الأهالي على الاعتماد على شراء المياه عبر الصهاريج، وهي مياه قد تكون عرضة للتلوث نتيجة تعبئتها من خزانات سطحية غير معقمة، مما يفرض أعباء صحية ومادية إضافية على السكان.
وللمعالجة التدريجية لهذه الأزمة، أعلن رئيس البلدية عن إنجاز خطوات عملية في ثلاثة مشاريع مائية حيوية شملت تركيب منظومات طاقة شمسية وتجهيزات فنية للآبار، وفق الآتي: مشروع المكيمن الشمالي الذي يستهدف تزويد زهاء 3000 نسمة بمياه الشرب، ومشروع المكيمن الجنوبي الذي يخدم أكثر من 500 نسمة من أهالي القرية، ومشروع بلدة عقيربات الذي يغطي احتياجات ما يقارب 4000 نسمة.
وأكد الحسين أن الجدول الزمني لاستكمال كافة أعمال هذه المشاريع يُقدر بثلاثة أشهر، مما سينهي الاعتماد على مياه الصهاريج غير المضمونة.
تنفيذ هذه المشاريع ووضع المقترحات والحلول جاء نتيجة تنسيق تام ومباشر بين عدة أطراف معنية، حيث شاركت بلدية المكيمن الشمالي بالتنسيق مع محافظة حماة وإدارة منطقة سلمية ومؤسسة مياه حماة وحملة “فداء لحماة” وفريق ملهم التطوعي.
وشدد الحسين على أن نسبة التهجير والنزوح في قرى بلدية المكيمن الشمالي ومعظم قرى عقيربات بلغت 100%، مؤكدًا أن هذه القرى والبلدات تستحق تكثيف الجهود لتوفير الخدمات الأساسية من مياه وتعليم وطبابة، ومعربًا عن أمله في أن تكون هذه الخطوة بداية لمشاريع تنموية أكبر شاملة للمنطقة بأكملها، لتشجيع وتسهيل عودة الأهالي إلى منازلهم.
مشاريع تنتشل 70 ألف نسمة من الكارثة
تكتسب هذه المشاريع أهميتها من واقع مائي كان على حافة الانهيار التام، سبق أن وثقته عنب بلدي في تغطية تقارير سابقة كشفت أن ريف حماة الشرقي كان يعيش أزمة مياه حادة تتفاقم مع اقتراب كل فصل صيف، في ظل غياب شبه كامل للبنية التحتية القادرة على تأمين مياه الشرب والري.
وقال ميسر المحمود، مدير مياه عقيربات، في تصريحات سابقة لعنب بلدي، أن المنطقة تحولت من شبكات منظمة كانت تغطي احتياجات نحو 70 ألف نسمة قبل عام 2011، إلى واقع يبحث فيه الأهالي عن قطرة ماء وسط ركام البنية التحتية المدمرة.
وكان أبرز تلك المشاريع “مشروع اللّج”، الذي وصفه المحمود بـ”شريان الحياة الأكبر” للمنطقة، إذ كان يروي وحده 13 قرية عبر بئرين جوفيتين وخزانين أرضيين ضخمين، لكن جميع غرف الضخ تعرضت للتخريب، وسرقت المحركات ومجموعات التوليد بالكامل، وفقدت كل المقومات المادية والبشرية اللازمة للتشغيل.
بدوره، أوضح شادي شاهين، مدير مياه سلمية، في تصريحات سابقة لعنب بلدي، أن البنية التحتية للمياه في ناحية عقيربات تعرضت لأضرار جسيمة جراء الحرب، إذ تدمرت 50% من الآبار والشبكات والخزانات ومحطات الضخ، بينما الشبكات الرئيسة والفرعية المتبقية تعرضت لتدمير جزئي وتحتاج إلى صيانة.
وكان شاهين قد أشار إلى أنه لم يُنفذ في عقيربات حتى ذلك الحين سوى مشروع واحد فقط لتركيب منظومة طاقة شمسية، وذلك في محطة ضخ عقيربات، بينما كانت مديرية المياه تعتزم استخدام خطوط كهرباء جديدة ومنظومات طاقة شمسية كآليات بديلة لتأمين الطاقة اللازمة لتشغيل الآبار والمحطات.
ويأمل أهالي عقيربات وقرى المكيمن أن تنجح هذه المشاريع في إنهاء فصول العطش التي أنهكتهم، وأن تشكل نافذة أمل حقيقية لعودة النازحين، في وقت تتحول فيه المياه من حلم بعيد إلى صنبور يفيض بالحياة، بعد أن كانت مجرد ذكرى في ذاكرة جيل عاش سنوات الحرب والعطش معًا.
