انطلقت في دمشق اليوم، الاثنين 27 من تموز، أعمال الورشة الوطنية لمناقشة مشروع “مدونة السلوك القضائي”، بمشاركة مسؤولين قضائيين ووزراء وقضاة وخبراء وممثلين عن منظمات مجتمعية ونقابية، في خطوة تقول وزارة العدل إنها تأتي ضمن مسار إصلاح المؤسسة القضائية ووضع إطار أخلاقي ناظم لعمل القضاة، مع التأكيد أن المدونة لا تهدف إلى فرض رقابة على القضاء أو الحد من استقلاله.
ويشارك في الورشة، التي تُعقد في فندق “داما روز” على مدى يومين، رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس مجلس الدولة، ووزراء العدل والتعليم العالي والبحث العلمي والإعلام والتنمية الإدارية، ومستشار رئاسة الجمهورية للشؤون الإعلامية، ورئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ورئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، إلى جانب عدد من القضاة والخبراء.
وتهدف الورشة إلى مراجعة مسودة المدونة ومناقشة موادها بصورة تشاركية، قبل اعتمادها ضمن المنظومة القضائية، إضافة إلى اختبارها من خلال تطبيقات عملية وصياغة التوصيات النهائية.
وزارة العدل: المدونة لحماية القاضي لا لمراقبته
قال وزير العدل، مظهر الويس، إن الوزارة تعمل منذ نحو عام على إعداد مشروع مدونة السلوك القضائي، معتبرًا أن الوثيقة المطروحة “تمثل بداية لحوار واسع وليست الصيغة النهائية”.
وأضاف أن المدونة “ليست أداة لرقابة القاضي أو مساءلته”، وإنما تهدف إلى حمايته وصون استقلاله وسمعته، وتحديد الضوابط المهنية والأخلاقية التي ينبغي الالتزام بها، ولا سيما في المرحلة الحالية.
وأشار الويس إلى أن الوزارة تسعى إلى وضع آلية لتجربة تطبيق المدونة، تمهيدًا لإدراجها ضمن مناهج المعهد العالي للقضاء، بما يسمح بإعداد برامج تدريبية للقضاة الجدد والعاملين في السلك القضائي.
تأكيد على الاستقلال والنزاهة
من جانبه، قال رئيس محكمة النقض، أنس السليمان، إن المؤسسة القضائية لا تستطيع أداء رسالتها من دون ثلاثة مقومات رئيسية هي الاستقلال والنزاهة والكفاءة.
وأضاف أن استقلال القضاء لا يتحقق بالنصوص الدستورية والقانونية وحدها، بل يبدأ من القاضي نفسه بوصفه التزامًا أخلاقيًا وسلوكًا مهنيًا، معلنًا دعمه اعتماد مدونة ملزمة للسلوك القضائي.
بدوره، أشار رئيس مجلس الدولة، عبد الرزاق كعدي، إلى أن استقلال القضاء يواجه تحديات خارجية ومؤسسية، إلى جانب ضغوط اجتماعية ومعيشية، كاشفًا عن وجود مساعٍ لتحسين الأوضاع المعيشية للقضاة بما يضمن لهم أداء عملهم بعيدًا عن الضغوط المادية.
كما حذر كعدي من تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في القضاة، ولا سيما في القضايا التي تحظى باهتمام الرأي العام، داعيًا إلى التعامل معها بحذر حفاظًا على استقلالية الأحكام القضائية.
علاقة تكاملية مع التفتيش القضائي
قال رئيس المحكمة الدستورية العليا، عصام الخليف، إن مسار الإصلاح القضائي بدأ بالفعل، مضيفًا أن سوريا “ستكون خلال ثلاثة إلى خمسة أعوام في موقع الريادة بين الدول” إذا استمر العمل على الإصلاح المؤسسي.
وأوضح أن مدونة السلوك القضائي والتفتيش القضائي يؤديان دورين متكاملين، إذ تمثل المدونة المرجعية الأخلاقية التي تحدد الواجبات والمحظورات، بينما يتولى التفتيش القضائي متابعة الالتزام بها ورصد المخالفات وجمع الأدلة.
وأكد الخليف أن أعمال التفتيش القضائي تخضع لرقابة مجلس القضاء الأعلى، لضمان عدم استخدام المدونة وسيلة للضغط على القضاة، مشددًا على أن المخالفات البسيطة للسلوكيات المستحبة لا تشكل تلقائيًا مخالفة تأديبية، ما لم تمس جوهر الاستقلال أو النزاهة أو ثقة المجتمع بالقضاء.
تعزيز الثقة بالمؤسسة القضائية
من جهته، قال النائب العام للجمهورية، حسان التربة، إن نجاح السلطة القضائية لا يعتمد فقط على إصدار أحكام صحيحة أو وجود قضاة أكفاء، بل يتطلب أيضًا منظومة أخلاقية تحكم سلوك القاضي داخل المحكمة وخارجها.
وأضاف أن المدونة تجمع بين البعدين الأخلاقي والمهني، بما يعزز استقلال القضاء ونزاهته، ويرسخ ثقة المجتمع بالمؤسسة القضائية، من دون أن تكون بديلًا عن القوانين والتشريعات القضائية النافذة.
وقال وزير التنمية الإدارية، حسان السكاف، إن بناء مؤسسات الدولة لا يمكن أن يتحقق من دون قضاء قوي ونزيه، معتبرًا أن المدونة ستكون أداة مهمة لترسيخ معايير العمل القضائي، شريطة أن تتحول من وثيقة نظرية إلى ممارسة يومية داخل المحاكم.
بدوره، قال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إن مدونة السلوك القضائي تمثل أداة معيارية موجهة إلى فئة مهنية محددة، وتعمل ضمن منظومة قانونية أوسع، ولا تحل محل التشريعات.
وأضاف أن أهميتها تكمن في تحويل المبادئ الأخلاقية إلى معايير عملية يمكن الاستناد إليها في التدريب والاستشارة والتفسير، وقد يُستفاد منها عند مساءلة القضاة في الحدود التي يسمح بها القانون، من دون أن تكون بحد ذاتها أساسًا مباشرًا لتوقيع العقوبات.
ما مدونة السلوك القضائي؟
تعد مدونات السلوك القضائي من الأدوات المعتمدة في العديد من الأنظمة القضائية حول العالم، وتهدف إلى تحديد المعايير الأخلاقية والمهنية التي ينبغي أن يلتزم بها القضاة، بما يعزز استقلال السلطة القضائية وثقة الجمهور بها.
وتستند معظم هذه المدونات إلى “مبادئ بنغالور للسلوك القضائي”، التي أُقرت عام 2002 وأصبحت مرجعًا دوليًا، إذ تقوم على ستة مبادئ رئيسية هي: الاستقلال، والحياد، والنزاهة، واللياقة، والمساواة، والكفاءة والاجتهاد.
ومن المقرر أن تستمر أعمال الورشة حتى يوم غد الثلاثاء، لمناقشة موقع المدونة ضمن منظومة الحوكمة الوظيفية، ومراجعة موادها بندًا بندًا، واختبارها على حالات واقعية، قبل صياغة التوصيات والمخرجات النهائية تمهيدًا لاستكمال إجراءات اعتمادها.
