لم يعد مشهد المتسولين أو الأشخاص الذين يفترشون الأرصفة والساحات العامة استثناء في عدد من المحافظات السورية، بل تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى ظاهرة أكثر حضورًا في الشوارع والأسواق والتقاطعات المرورية، وسط تزايد شكاوى الأهالي من اتساع رقعة التسول وظهور حالات تشرد في أماكن لم تكن تشهدها سابقًا.
في دمشق وحلب وحمص واللاذقية وطرطوس، إلى جانب مدن أخرى، باتت مجموعات من المتسولين، بينهم نساء وأطفال وكبار في السن، تنتشر أمام المساجد والمحال التجارية والمطاعم والإشارات المرورية، فيما يلفت الأهالي إلى ازدياد أعداد الأشخاص الذين يقضون ليلهم في الحدائق العامة أو على الأرصفة، في مشهد يعكس تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
وقال رامي حداد من سكان دمشق القديمة لعنب بلدي، إن الظاهرة لم تعد تقتصر على طلب المال، بل أصبحت أكثر تنظيمًا في بعض المناطق، مع تكرار وجود الأشخاص أنفسهم في مواقع محددة يوميًا، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى وجود شبكات تستغل المحتاجين، إلى جانب الحالات التي دفعتها الظروف المعيشية إلى الشارع.
وأضاف رامي أن الأهالي يبدون استياءهم من استمرار انتشار الظاهرة، معتبرًا أن المشاهد اليومية تشير إلى تزايد أعداد المتسولين والمشردين بدل تراجعها، رغم تزايد التصريحات الحكومية عن معالجة الظاهرة وإطلاق الخطط.
الأمر نفسه في طرطوس، إذ قال علاء المحمد أحد أهالي المدينة، إن نتائج الإجراءات الحكومية لا تزال محدودة، في ظل استمرار انتشار الظاهرة في المدينة والريف، مطالبًا بإجراءات عملية تتجاوز الحملات المؤقتة، وتستهدف الأسباب التي تدفع الأفراد إلى التسول أو التشرد، وفي مقدمتها الفقر والبطالة وغياب شبكات الحماية الاجتماعية.
وكانت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أعلنت خلال الفترة الماضية تشكيل لجنة وطنية لمعالجة ظاهرتي التسول والتشرد، وطرحت خطة تضمنت تأهيل مراكز الإيواء، وتنسيق الجهود بين عدد من الوزارات والجهات المعنية، باعتبار أن معالجة الملف تتطلب مقاربة اجتماعية وأمنية وصحية في آن واحد.
قصص من الشارع
على أحد الأرصفة القريبة من منطقة البرامكة في دمشق، اتخذت امرأة مسنة زاوية ثابتة لها منذ أشهر، تفترش بطانية قديمة وتحيط بها أكياس تحوي ما تبقى من مقتنياتها.
ومع حلول المساء، يتحول المكان نفسه إلى مأوى تقضي فيه ليلها، بعيدًا عن أي مركز إيواء أو رعاية.
وقال أحد سكان المنطقة لعنب بلدي، إن المرأة ترفض في أحيان كثيرة مغادرة المكان، والسكان اعتادوا رؤيتها تتنقل بين الأرصفة والحدائق العامة، في مشهد يعكس غياب حلول مستدامة للأشخاص الذين فقدوا المأوى أو الروابط الأسرية.
وفي اللاذقية، تختلف الصورة قليلًا، لكن النتيجة واحدة، ففي أحد شوارع المدينة، تقف طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها بين السيارات المتوقفة عند الإشارة المرورية، تنتقل بخطوات متسارعة من نافذة إلى أخرى، تمد يدها تارة، وتعرض علبًا صغيرة من المناديل تارة أخرى، في محاولة لجذب انتباه السائقين.
لكن ما يلفت انتباه المارة ليس وجود الطفلة وحدها، بل الأسباب التي دفعت أهلها لزجها في سوق العمل والتسول في وقت يفترض أن تقضيه بين صفحات الكتب، في مشهد يطرح تساؤلات حول مصير الأطفال الذين يجدون أنفسهم خارج مقاعد الدراسة، وفي مواجهة الشارع منذ سنواتهم الأولى.
وبحسب رصد مراسلي عنب بلدي، شهدت الفترة الأخيرة تزايدًا في أعداد المتسولين والمشردين، حيث بات حضورهم أكثر وضوحًا في الأسواق الشعبية، ومحيط المساجد، والحدائق العامة، والتقاطعات المرورية، ومداخل المستشفيات والمؤسسات الحكومية.
كما لوحظ ازدياد أعداد المتسولين من الأطفال والنساء، إلى جانب أشخاص يفترشون الأرصفة أو الحدائق العامة ليلًا، في مشاهد تتكرر بوتيرة أكبر مما كانت عليه في الأشهر الماضية، الأمر الذي يعكس اتساع الظاهرة جغرافيًا، ويثير مخاوف الأهالي من تحولها إلى واقع اجتماعي دائم في ظل استمرار الضغوط المعيشية، وبطء انعكاس الخطط الحكومية المعلنة على أرض الواقع.
تأهيل ثلاثة مراكز للأطفال
قالت مديرة مكتب مكافحة التسول والتشرد في وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، خزامى النجاد، إن لجنة وطنية شاملة لمعالجة ظاهرة التسول والتشرد تشكلت بقرار من رئاسة مجلس الوزراء، برئاسة وزير الشؤون الاجتماعية والعمل، وضمّت الوزارات والجهات المعنية بالملف، ووضعت خطة شاملة لمعالجة الظاهرة.
وأضافت النجاد، في حديث إلى عنب بلدي، أن من أبرز نتائج هذه الخطة إطلاق الحملة الميدانية، إلى جانب تأهيل ثلاثة مراكز مخصصة لاستقبال الأطفال الموجودين في الشارع، بما يتيح تقديم الرعاية لهم ضمن إطار منظم.
وأوضحت أن تنفيذ الحملة يتم بالتنسيق مع عدد من الجهات، من بينها الدفاع المدني، ومديريات الشؤون الاجتماعية، ومحافظتا دمشق وريف دمشق، ومكتب مكافحة التسول والتشرد، إلى جانب عدد من المتطوعين، كما انضم مؤخرًا فرع مكافحة الاتجار بالأشخاص إلى العمل المشترك.
خطة العمل تُعد مع بداية كل شهر، وفقًا للنجاد، “من خلال اجتماع يجمع وزارة الشؤون الاجتماعية وفرع مكافحة الاتجار بالأشخاص، حيث توضع خطة لتنفيذ حملتين أسبوعيًا، تستهدفان مناطق مختلفة وفق دراسة مسبقة”.
وأشارت إلى أن اختيار المناطق لا يتم بصورة عشوائية، وإنما بعد دراسة لطبيعة وجود حالات التسول في كل منطقة، مع مراعاة توقيت تنفيذ الحملة.
وقالت إن أحدث إحصائية في محافظتي دمشق وريفها سجلها المكتب بلغت 550 حالة في 30 من حزيران الماضي منذ انطلاق الحملة، باستثناء الحملة التي نُفذت يوم الأحد الماضي، موضحة أن الإحصاءات تُحدّث في بداية كل شهر بإضافة نتائج الحملات الجديدة إلى الإحصاءات السابقة، مع الإشارة إلى تنفيذ حملة جديدة أيضًا يوم الأحد المقبل.
وأكدت أن من أبرز إجراءات الوزارة تأسيس المراكز الجديدة، مشيرة إلى أنه في السابق لم يكن هناك سوى مركزين بطاقة استيعابية محدودة، الأمر الذي كان يجعل التعامل مع أربع أو خمس حالات، أو حتى عشر حالات شهريًا، يعد إنجازًا كبيرًا.
أما حاليًا، فأصبحت الحملات تسجل ما لا يقل عن 15 إلى 20 حالة في كل حملة.
وأضافت أن عدد الحالات انخفض مقارنة ببداية الحملة، إذ بلغ عدد الحالات المضبوطة في اليوم الأول نحو 100 حالة، بينما أصبحت الحملات الحالية تسجل ما بين 10 و15 حالة.
ماذا عن بقية المحافظات؟
الوزارة تعمل حاليًا على تعميم التجربة على بقية المحافظات، بحيث تتولى كل محافظة معالجة الظاهرة ضمن نطاقها، مع الاستفادة من التجربة التي نُفذت في دمشق، بحسب مديرة مكتب مكافحة التسول.
وكشفت أيضًا عن وجود خطة لتعديل قانون التسول، مبينة أن العمل لا يزال يجري وفق القانون القديم، وأن الوزارة تنسق مع الجهات المعنية لإعداد تعديلات عليه، إلى جانب العمل على معالجة مسؤولية مشغلي الأطفال، سواء كانوا من ذويهم أو من غيرهم، بما يتيح محاسبة الأهالي، لأن أغلب الحالات الموجودة في الشارع تكون، بحسب قولها، بتوجيه من الأهل.
وختمت بالإشارة إلى أن ظاهرة التسول ليست جديدة، لكنها تفاقمت نتيجة الحرب والتهجير والأزمات الاقتصادية، مؤكدة أن العمل على معالجتها بدأ منذ 30 من حزيران، وأن الحملات مستمرة بشكل دائم، بالتوازي مع نقل التجربة إلى المحافظات الأخرى.
هربًا من الفقر والتهديد.. سوريون يفترشون الشوارع والحدائق بدمشق
