عادت التسريبات المتعلقة بمستقبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) و”الإدارة الذاتية” إلى واجهة المشهد في شمال شرقي سوريا، بعد تداول وسائل إعلام خلال الساعات الماضية معلومات منسوبة إلى مصادر حكومية سورية وأخرى من “قسد”، تحدثت عن اقتراب الإعلان رسميًا عن حل التشكيلين، في خطوة تُعدّ الأكثر حساسية منذ توقيع اتفاق 29 كانون الثاني الماضي بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد “قسد”، مظلوم عبدي.
ورغم غياب أي إعلان رسمي من دمشق أو “قسد”، أثارت هذه التسريبات موجة من التساؤلات حول مدى قرب استكمال تنفيذ الاتفاق، وما إذا كانت التطورات الميدانية والإدارية التي شهدتها محافظة الحسكة خلال الأشهر الماضية تمثل تمهيدًا لإعلان طال انتظاره.
وفي محاولة لاستقراء المشهد، استطلعت عنب بلدي آراء متابعين ومراقبين للشأن المحلي في محافظة الحسكة، الذين رأوا أن المؤشرات الحالية تعكس انتقال الاتفاق إلى مرحلة أكثر تقدمًا، مع اختلاف تقديراتهم بشأن ما إذا كان الحل المرتقب سيكون نهاية فعلية لـ”قسد” أم إعادة صياغة لوجودها ضمن أطر جديدة.
تسريبات تتحدث عن مؤتمر مرتقب
وبحسب ما تداولته وسائل إعلام نقلًا عن مصادر لم تسمِّها، فإن اجتماعًا مرتقبًا سيجمع الرئيس، أحمد الشرع، بقيادات “قسد” و”الإدارة الذاتية”، يسبق إعلانًا رسميًا عن حل “قسد” وإنهاء عمل “الإدارة الذاتية”.
كما أشارت التسريبات إلى أن مؤتمرًا صحفيًا قد يعقد مطلع آب المقبل، يشارك فيه مسؤولون كرد للإعلان عن حل “قسد” و”الإدارة الذاتية”، بحضور وسائل إعلام حكومية وكردية، إلا أن موعد المؤتمر لم يُحسم بعد، بسبب استمرار الترتيبات المرتبطة بالملفات الإدارية والأمنية.
ووفق ما نقلته المصادر، فإن استكمال التعيينات الإدارية في الحسكة، إضافة إلى معالجة ملف عودة المهجرين إلى تل أبيض ورأس العين، من أبرز القضايا التي قد تؤخر الإعلان الرسمي.
وتأتي هذه التسريبات بعد يومين فقط من تصريحات الرئيس السوري، أحمد الشرع، لقناة “الجزيرة”، التي قال فيها إن تنفيذ الاتفاق مع “قسد” يسير ببطء، لكنه أكد في الوقت نفسه أن الحكومة لا تزال تعول على الاتفاق باعتباره المسار الأنسب لإنهاء حالة الانقسام في شمال شرقي سوريا.
مؤشرات تتجاوز ما يظهر إلى العلن
الناشط المدني وعضو الأمانة العامة لتجمع “تآخ”، محمد الحمادة، يرى أن ما يجري في الحسكة خلال الفترة الحالية يتجاوز بكثير ما يظهر في وسائل الإعلام، معتبرًا أن تسلّم الدولة لبعض الحواجز أو المؤسسات لا يمثل سوى جزء محدود من المشهد.
وقال الحمادة لعنب بلدي، إن هناك، بحسب متابعته، نقاشات أعمق تُجرى بعيدًا عن الإعلام مع أصحاب القرار بشأن مستقبل المحافظة وآلية إنهاء هذا الملف بصورة شاملة، وهو ما يفسر حالة الحذر التي تطبع التصريحات الرسمية حتى الآن.
وأضاف أن أي تسوية حقيقية، من وجهة نظره، لن تكون مكتملة ما لم تؤدِّ إلى عودة محافظة الحسكة بالكامل إلى سلطة الدولة، مع حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية وإنهاء وجود جميع التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة.
ويرى الحمادة أن الضغوط التي تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة، سواء على المستوى الشعبي أو السياسي، دفعت ملف تنفيذ الاتفاق إلى مرحلة أكثر حساسية، خاصة مع تزايد الحديث عن ملفات تتعلق بالفساد والانتهاكات، بالتزامن مع الحراك السياسي والجولات التي شهدتها المنطقة.
وبحسب تقديره، فإن هذه التطورات قد تمثل “الفرصة الأخيرة” للوصول إلى حل سياسي شامل، مشيرًا إلى أنه في حال تعثر الجهود الحالية، فإن احتمالات اللجوء إلى خيارات أكثر حسمًا ستزداد، في ظل تصاعد الأصوات المطالبة بإنهاء حالة الجمود التي رافقت تنفيذ الاتفاق خلال الأشهر الماضية.
ويعتقد الحمادة أن الحكومة باتت تتجه نحو إنجاز حل شامل خلال فترة قصيرة، معتبرًا أن استمرار الوضع الحالي لم يعد خيارًا مقبولًا بالنسبة لها.
الاتفاق حدد المسار منذ البداية
من جانبه، يرى الصحفي إبراهيم الحلبي أن الحديث عن حل “قسد” و”الإدارة الذاتية” ليس تطورًا جديدًا بحد ذاته، وإنما يمثل استكمالًا للمسار الذي نص عليه اتفاق 29 كانون الثاني.
وأوضح الحلبي لعنب بلدي أن الاتفاق منذ توقيعه ربط بين دمج مؤسسات “قسد” العسكرية والأمنية والخدمية ضمن مؤسسات الدولة، وبين إنهاء الكيانين العسكري والإداري القائمين حاليًا، مشيرًا إلى أن عملية الدمج تسير بالفعل، لكنها تتم بوتيرة بطيئة.
وأضاف أن الاتفاق يتضمن إطارًا زمنيًا يمتد حتى نهاية العام الحالي، ما يعني أن الأشهر المتبقية تمثل الفترة الحاسمة لإنجاز بقية الملفات المرتبطة بتنفيذ بنوده، سواء فيما يتعلق بالمؤسسات المدنية أو الأمنية.
وبحسب الحلبي، فإن الحديث عن قرب صدور قرار بحل “قسد” يبدو منطقيًا في ضوء هذا الجدول الزمني، لكنه يميز بين حل الهيكل التنظيمي القائم، وبين إنهاء البنية السياسية والفكرية التي تشكلت خلال عقود.
من العسكرة إلى السياسة
يعتقد الحلبي أن حل “قسد” بصيغتها الحالية أمر وارد، باعتبارها تشكيلًا عسكريًا أُسس خلال الحرب السورية في إطار الحرب على تنظيم “الدولة الإسلامية”، لكنه يستبعد أن يعني ذلك اختفاء التيار السياسي أو الأيديولوجي الذي تستند إليه.
وأشار إلى أن المنظومة الفكرية المرتبطة بحزب “العمال الكردستاني”، والتي يعتبرها الأساس الذي قامت عليه “قسد”، ستبقى، وفق تقديره، حاضرة بأشكال مختلفة حتى بعد أي إعلان رسمي عن الحل.
ولذلك يرجح أن تشهد المرحلة المقبلة انتقالًا من العمل العسكري إلى العمل السياسي، خصوصًا إذا جرى إقرار قانون جديد للأحزاب في سوريا، بما يسمح بظهور تشكيلات سياسية جديدة تحمل المرجعيات الفكرية نفسها، ولكن ضمن إطار قانوني مختلف.
ويرى أن مثل هذا السيناريو يعني أن الحل سيكون تنظيميًا أكثر منه جذريًا، بحيث تنتهي البنية العسكرية والإدارية الحالية، بينما تستمر القوى السياسية المنبثقة عنها في العمل بأدوات مختلفة.
كما يعتقد أن “قسد” ستسعى إلى الحفاظ على جزء من نفوذها الاجتماعي والسياسي حتى بعد الاندماج، وهو ما يجعل مرحلة ما بعد الإعلان، في حال حدوثه، لا تقل تعقيدًا عن مرحلة التفاوض الحالية.
خطوات ميدانية سبقت الحديث عن الحل
تأتي هذه التقديرات في وقت شهدت فيه محافظة الحسكة سلسلة خطوات ميدانية وإدارية منذ بداية العام الحالي، اعتبرها كثير من المتابعين جزءًا من تنفيذ اتفاق كانون الثاني.
ففي مطلع عام 2026، بسط الجيش السوري سيطرته على الأرياف الجنوبية والشرقية، وأجزاء من الريف الغربي للمحافظة، بينما تركز وجود “قسد” داخل المدن الرئيسة، وفي مقدمتها الحسكة والقامشلي.
وأوجد هذا الواقع حالة من الانقسام الإداري والأمني، قبل أن تبدأ الحكومة و”قسد”، في شباط الماضي، خطوات تدريجية لدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن الهياكل الحكومية، وفق ما نص عليه الاتفاق.
وشملت الأشهر الماضية انتقال إدارة عدد من المؤسسات، وإجراء تعيينات إدارية جديدة في مناطق مختلفة من المحافظة، إلى جانب تسلم الدولة بعض المواقع والحواجز، في حين بقيت ملفات أخرى قيد التفاوض، أبرزها الملف الأمني، وإعادة هيكلة القوات، وعودة المهجرين إلى مناطقهم.
وفي ظل غياب إعلان رسمي حتى الآن، تبقى التسريبات المتداولة مؤشرات على اتجاه محتمل أكثر من كونها تأكيدًا نهائيًا، بينما يترقب سكان محافظة الحسكة ما إذا كانت الأيام المقبلة ستشهد الانتقال من مرحلة التفاوض التدريجي إلى إعلان يطوي صفحة امتدت لأكثر من عقد من سيطرة “قسد” و”الإدارة الذاتية” على أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا.
