لم تنتظر الأسواق السورية انتهاء القوة الإبرائية للعملة القديمة حتى بدأت تتعامل معها وكأنها خرجت من التداول فعليًا، إذ طرأ تحول واضح في سلوك التجار وسائقي النقل وبعض مقدمي الخدمات تجاه الليرة القديمة، التي بات استخدامها صعبًا في معظم المحافظات، رغم استمرار سريان قوتها الإبرائية حتى انتهاء المهلة القانونية غدًا، الخميس 30 من تموز.
وفي جولات ميدانية لمراسلي عنب بلدي واستطلاع لآراء مواطنين، الثلاثاء والأربعاء (28 و29 من تموز)، في دمشق وريفها واللاذقية وطرطوس والحسكة ودير الزور وحماة ودرعا، برزت ملامح متشابهة عكست حالة الإرباك التي رافقت الأيام الأخيرة من مهلة استبدال العملة، تمثلت في:
- ركود ملحوظ في حركة الأسواق.
- شح أو غياب الفئات النقدية الجديدة مثل 10 و25 ليرة في معظم المحافظات.
- استمرار الحاجة إلى فئة 5 ليرات، التي لم تُطرح في الأسواق منذ بدء عملية الاستبدال.
- مشاحنات وخلافات في وسائل النقل وبعض الدوائر الخدمية بسبب رفض أو تعذر قبول العملة القديمة.
- تزايد امتناع التجار ومقدمي الخدمات عن قبول الفئات القديمة قبل انتهاء المهلة القانونية.
- ظهور سوق موازية لاستبدال النقد، مع اقتطاع عمولات متفاوتة، مستفيدة من شح الفئات الصغيرة من العملة الجديدة.
ومع قرب دخول قرار مصرف سوريا المركزي القاضي بفقدان العملة القديمة قوتها الإبرائية في 30 من تموز حيّز التنفيذ، انتقلت الأزمة من كونها سباقًا مع الوقت لاستبدال الأوراق النقدية إلى اختبار لقدرة السوق على التكيف مع التحول النقدي، في ظل نقص السيولة الجديدة وتفاوت الوصول إلى مراكز الاستبدال بين المحافظات.
في الأسواق، توقفت محال تجارية و”بقاليات” ومطاعم وصيدليات عن استقبال العملة القديمة قبل انتهاء المهلة القانونية، خشية بقائها دون القدرة على استبدالها لاحقًا، الأمر الذي ساهم في تعميق حالة الركود التجاري.
وفي قطاع النقل، رفض عدد من سائقي “السرافيس” والحافلات وسيارات الأجرة قبول الفئات القديمة، ما أدى إلى مشادات يومية مع الركاب، بينما عانى القطاع من نقص واضح في الفئات الصغيرة الجديدة اللازمة لإعادة الباقي.
كما رصدت عنب بلدي شكاوى عن رفض بعض نوافذ الجباية والخدمات استلام الفئات القديمة، بالتزامن مع طوابير طويلة أمام مراكز الاستبدال في المصارف والبريد، خاصة في المحافظات التي تفتقر إلى فروع للمصرف المركزي.
ركود في الأسواق
في أسواق مدينة دير الزور، تراجعت حركة البيع والشراء بصورة ملحوظة خلال الأيام الأخيرة، بعدما امتنع عدد من التجار وأصحاب المحال عن قبول العملة القديمة بحجة انتهاء العمل بها وفقدانها قيمتها، الأمر الذي دفع كثيرًا من المواطنين إلى تأجيل مشترياتهم أو البحث عن وسائل بديلة للتصرف بما يملكونه من نقود.
وأفاد مراسل عنب بلدي في دير الزور بأنه بينما أغلق بعض التجار الباب نهائيًا أمام التعامل بالفئات القديمة، لجأ آخرون إلى قبولها مقابل خصم يصل إلى 10% من قيمتها، محولين أزمة استبدال العملة إلى تكلفة إضافية يتحملها المستهلك.
ولم يقتصر تأثير الأزمة على المعاملات التجارية الكبيرة، بل وصل إلى تفاصيل الحياة اليومية.
“أبو عدي”، من دير الزور أيضًا، قال إنه اعتاد إرسال أطفاله يوميًا إلى “البقالية” لشراء الحلوى والسكاكر بالمبلغ الذي يمنحهم إياه، لكنه فوجئ بعودتهم وهم يبكون بعدما رفض صاحب “البقالية” بيعهم أي شيء لأن النقود التي يحملونها من الإصدار القديم.
وأضاف، “حتى الآن العملة الجديدة غير متوفرة، خصوصًا الفئات الصغيرة، لا أحتمل أن أرى دموع أطفالي، وفي الوقت نفسه لا أملك عملة جديدة”.
وتتكرر الشكوى نفسها لدى أصحاب “البقاليات”، الذين يؤكدون أن نقص الفئات الصغيرة من الإصدار الجديد يجعل حتى من يقبل العملة الجديدة عاجزًا عن تأمين “الفراطة” للزبائن.
سوق موازية للاستبدال
مع تزايد الضغط على مراكز الاستبدال، برزت سوق موازية تستفيد من حاجة المواطنين إلى التخلص السريع من العملة القديمة.
وفُرضت عمولات وخصومات متفاوتة على عمليات التبديل غير الرسمية، بينما ظهر في بعض المحافظات سعران للدولار الأمريكي، أحدهما عند الدفع بالعملة الجديدة، والآخر أعلى عند الدفع بالعملة القديمة.
ودفع ذلك بعض المواطنين والتجار إلى شراء الدولار بخسارة، ليس بهدف الاستثمار، وإنما للتخلص من الكتلة النقدية القديمة قبل أن تفقد قيمتها بالكامل، في مشهد يعكس كيف تحولت الأيام الأخيرة من مهلة الاستبدال إلى سباق محموم بين ضيق الوقت واضطراب السوق.
في اللاذقية، وبحسب استطلاع أجرته مراسلة عنب بلدي، تحولت بعض محال “السوبر ماركت”، وفق ما يتداوله الأهالي على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى نقاط غير رسمية لاستبدال العملة، مقابل اقتطاع نحو عشرة آلاف ليرة عن كل مليون ليرة يتم تبديله.
وقال أحد أصحاب المحال، إن كثيرًا من المواطنين كانوا يعتقدون حتى وقت قريب أن استبدال العملة يقتصر على دمشق، قبل أن يكتشفوا وجود نقاط تبديل في محافظاتهم.
غير أن المشكلة الأبرز، بحسب تجار ومواطنين، تتمثل في قلة الفئات الصغيرة من الإصدار الجديد، وخاصة ورقة 10 ليرات، مع مطالبات بإصدار فئة 20 ليرة بدلًا من فئة 25 ليرة التي تسببت، بحسب وصفهم، في إرباك واسع في عمليات البيع اليومية بسبب مشكلة “الفكة”.
وامتد الأمر إلى محال الصرافة، التي بدأت تفرض سعرين مختلفين حسب نوع الليرة المستخدمة في الدفع.
وفي حين يتم تصريف مبلغ 100 دولار مقابل نحو 13,200 ليرة من الإصدار الجديد، يرتفع السعر إلى أكثر من 13,500 ليرة عند الدفع بالعملة القديمة، في انعكاس مباشر لتراجع الثقة بها قبل انتهاء تداولها.
في الحسكة، تحولت عملية استبدال العملة إلى تحدٍ إضافي بسبب محدودية مراكز التبديل، بحسب مراسل عنب بلدي، ما أجبر كثيرين على الانتظار لساعات طويلة دون ضمان إنجاز معاملاتهم، مع مخاوف من اضطرارهم لاحقًا إلى السفر مئات الكيلومترات لإتمام عملية الاستبدال.
وفي طرطوس، يقول مواطنون إن غالبية المحال توقفت عن قبول العملة القديمة منذ 25 من تموز الحالي، ما ترك أشخاصًا يمتلكون مبالغ بسيطة عاجزين عن استخدامها في شراء احتياجاتهم اليومية.
وقال تجار إن نقص بعض الفئات الجديدة انعكس مباشرة على الأسعار، إذ اضطر بعضهم إلى تقريب قيمة الفاتورة إلى الرقم الأعلى بسبب غياب “الفراطة”، وهو ما حمّل المستهلكين أعباء إضافية.
وسُجلت حالات استغلال في الأسواق بمنطقة بانياس، حيث يقوم السماسرة باستبدال كل 100 ألف ليرة سورية قديمة بالعملة الجديدة، مقابل مبلغ 10 آلاف ليرة قديمة.
سائقون يتوقفون عن العمل
لم تكن الأسواق وحدها المتأثرة، إذ انعكس الوضع على قطاع النقل الداخلي أيضًا.
محمد السيد، وهو سائق يعمل في دير الزور، قال إنه توقف عن العمل مؤقتًا لأن محطات الوقود لم تعد تقبل العملة القديمة، في حين أن معظم الركاب لا يزالون يدفعون بها.
وأضاف أن استمرار العمل في هذه الظروف يعني عمليًا تحويل دخله اليومي إلى أوراق قد يخسر قيمتها إذا تعذر استبدالها، وهو ما دفعه إلى ركن سيارته بانتظار اتضاح المشهد.
كما نشر إبراهيم، وهو سائق يعمل على خط دير الزور دمشق، رسالة عبر تطبيق “واتساب” قال فيها: “إلى جميع الركاب، نعتذر عن قبول العملة القديمة، وشكرًا”، في رسالة تختصر التحول الذي طرأ على قطاع النقل قبل انتهاء المهلة الرسمية.
نقص السيولة في السويداء
مع اقتراب انتهاء مهلة استبدال العملة السورية القديمة، برزت أزمة نقص السيولة من الإصدار النقدي الجديد في محافظة السويداء، رغم افتتاح مصرف سوريا المركزي أربعة منافذ رسمية للاستبدال، وأدت محدودية توفر الفئات الجديدة إلى بطء عمليات الاستبدال وإرباك واضح في الأسواق.
ووفقًا لاستطلاع أجرته عنب بلدي، فإن ذلك انعكس على التعاملات اليومية، إذ امتنعت غالبية المحال التجارية عن قبول معظم فئات العملة القديمة، بينما استمر بعضها بقبول الورقة النقدية القديمة من فئة خمسة آلاف ليرة فقط.
كما اضطرت محال أخرى إلى تعويض الزبائن ببضائع بدلًا من إعادة باقي المبلغ، نتيجة عدم توفر أوراق نقدية جديدة، ولا سيما من فئة 20 ليرة، مع شح واضح في بقية الفئات الصغيرة.
وفي ظل الضغط المتزايد على مراكز الاستبدال، بدأت بعض مكاتب الصرافة غير الرسمية تقديم خدمة استبدال العملة مقابل عمولة بلغت نحو 50 ألف ليرة سورية قديمة عن كل مليون ليرة يتم استبداله.
ورصدت عنب بلدي حالة استياء بين المواطنين، إذ قال أحدهم في أثناء وجوده في أحد مراكز الاستبدال: “كيف لا يقبلون العملة القديمة، وأنا استلمت راتبي أمس بالعملة القديمة؟ قالوا لا توجد سيولة كافية”.
كما تأثرت الحركة التجارية وعدد من القطاعات الخدمية نتيجة نقص السيولة، في وقت أوصت غرفة تجارة وصناعة السويداء بالاستمرار مؤقتًا في قبول العملة القديمة لدى المؤسسات الرسمية والفعاليات التجارية إلى حين صدور قرار رسمي.
لا تعليق من “المركزي”
يعكس صمت القائمين على المصرف المركزي وامتناعهم عن الإدلاء بأي تصريح أو موقف حيال إلزامية التعايش بين العملتين القديمة والجديدة حتى نهاية تموز مخاوفه من أن يؤثر ذلك على استقرار سعر صرف الليرة السورية، وهو الأمر الذي يشكل محور اهتمام وسياسات المركزي، في جميع قراراته وتصريحاته وبرامجه المصرفية.
وتلزم التعليمات التنفيذية لمرسوم استبدال العملة القديمة جميع الفعاليات والمؤسسات المالية “التعايش” بين الإصدارين حتى نهاية الشهر، علمًا أن الاستبدال سيبقى متاحًا في فروع المركزي لخمس سنوات مقبلة، إلا أن الواقع على الأرض يدل على أزمة ثقة بين المواطنين وأصحاب الفعاليات التجارية.
وأشار مصدر مقرب من مصرف سوريا المركزي، تحفظ على نشر اسمه، إلى أن المصرف ماضٍ في تطبيق قراره بإنهاء القيمة الإبرائية للعملة القديمة مع نهاية تموز، لأن هذا الإجراء أسهم في استقرار سعر الصرف.
وقال إن الأوراق النقدية القديمة كانت تمثل “أداة” في المضاربة بالأسواق على سعر الصرف، ولذلك فإن سياسة خنق السيولة المعمول بها من قبل المركزي، تسهم إلى جانب إنهاء وجود الليرة القديمة في دعم موقف الليرة الجديدة بمواجهة الدولار الأمريكي، بحسب تعبيره.
وكان مصرف سوريا المركزي أعلن أن العملة السورية القديمة تفقد قوتها الإبرائية بانتهاء المهلة المحددة لاستبدالها، بعد أشهر من تنفيذ خطة إحلال الإصدار النقدي الجديد تدريجيًا في الأسواق.
وحسم المركزي، في 26 من تموز، الجدل القائم حول ما إذا كان سيتم التمديد للقوة الإبرائية للعملة السورية القديمة، إذ جدد التأكيد أن العملة القديمة تفقد قوتها الإبرائية وتصبح غير صالحة للتداول بدءًا من 31 من تموز.
وقال المركزي السوري في تعليمات جديدة إن مهلة استبدال الأوراق النقدية القديمة تنتهي في 30 من تموز، معلنًا عن تحقيق نسبة إنجاز متقدمة في عملية استبدال العملة السورية القديمة
ودعا المصرف المواطنين إلى استبدال ما بحوزتهم من أوراق نقدية عبر مراكزه وفروع المصارف المعتمدة خلال الفترة المحددة، مؤكدًا أن الأوراق القديمة لن تعود صالحة لتسوية المدفوعات أو الوفاء بالالتزامات المالية بعد انتهاء المهلة.
وجاء هذا القرار، بحسب المركزي، في إطار برنامج إعادة هيكلة الكتلة النقدية وتداول الإصدار الجديد، إلا أن تفاوت توفر السيولة الجديدة بين المحافظات، والازدحام على مراكز الاستبدال، ونقص الفئات الصغيرة، أوجد تحديات عملية انعكست بصورة مباشرة على الأسواق والمعاملات اليومية في مختلف أنحاء البلاد.
