لم يبدد استئناف الضخ التجريبي من محطة علوك آمال سكان عدد من أحياء مدينة الحسكة بعودة مياه الشرب إلى منازلهم بالسرعة التي كانوا ينتظرونها، إذ سرعان ما اصطدمت عملية إعادة تشغيل الشبكة بواقع فني معقد كشف حجم الأضرار التي لحقت بخطوط المياه بعد سنوات من التوقف.
وبقيت مناطق عدة خارج نطاق الاستفادة، بينما تواصل ورشات الصيانة أعمالها لإصلاح عشرات الكسور والأعطال التي ظهرت مع أولى ساعات الضخ.
ومع بدء الضخ التجريبي إلى أحياء داخل المدينة، برزت شكاوى من سكان أحياء أخرى لم تصلها المياه حتى الآن، في وقت تؤكد فيه المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي أن الشبكة تعرضت لتهالك واسع تجاوز 70%، وأن استمرار الضخ يهدف بالدرجة الأولى إلى اكتشاف الأعطال وإصلاحها قبل الانتقال إلى مرحلة التوزيع المنتظم.
ضح إلى أربعة أحياء
وأعلنت الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في محافظة الحسكة بدء الضخ التجريبي لمياه محطة علوك، ضمن أحياء المدينة مقسمة على دفعات، على أن تستمر العملية عدة ساعات في كل مرة في حال عدم حدوث أي طارئ.
وأكدت الشركة أن المياه غير صالحة للشرب في الوقت الحالي، داعية السكان إلى استخدامها للأغراض المنزلية غير المخصصة للشرب، إلى حين استكمال الإجراءات الفنية وضمان سلامة المياه.
ويمثل هذا الضخ بداية اختبار فعلي للشبكة بعد إعادة تشغيل المحطة، التي خرجت من الخدمة لفترات طويلة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على واقع البنية التحتية لشبكة المياه داخل المدينة.
الضخ يكشف حجم الأضرار
قال مدير المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في الحسكة، فرحان العويس، إن عدم وصول المياه إلى جميع أحياء المدينة لا يعود إلى نقص الضخ من محطة علوك، وإنما إلى الأعطال الكبيرة التي ظهرت في الشبكة بمجرد إعادة تشغيلها.
وأوضح العويس أن المياه وصلت بالفعل من محطة علوك إلى محطة العزيزية، ومنها بدأت بالدخول إلى خطوط المدينة، إلا أن كسورًا رئيسية وفرعية حالت دون وصولها إلى عدد من الأحياء.
وأضاف أن المؤسسة لا تزال في مرحلة الضخ التجريبي، والتي تهدف إلى اكتشاف الأعطال وإصلاحها بشكل متدرج قبل اعتماد برنامج توزيع ثابت.
وبحسب العويس، فإن فرق المؤسسة أحصت خلال اليومين الأولين من الضخ نحو 35 عطلًا رئيسيًا، إضافة إلى عشرات الأعطال الفرعية، وهو ما يعكس حجم التهالك الذي أصاب الشبكة خلال سنوات توقفها.
وأشار إلى أن نسبة تهالك الشبكة تجاوزت 70%، واصفًا إياها بأنها “شبه منهارة”، نتيجة خروجها من الخدمة لفترات طويلة، إضافة إلى تأثير مشاريع الطرق والصرف الصحي والتوسع العمراني على مسارات الخطوط، فضلًا عن غياب مخططات دقيقة للشبكة في أجزاء واسعة من المدينة.
ورشات صيانة في سباق مع الزمن
تواصل فرق الصيانة التابعة للمؤسسة أعمالها في مختلف أحياء الحسكة، في محاولة لمعالجة الأعطال التي تظهر تباعًا مع استمرار الضخ.
وبحسب المؤسسة، فإن عمليات الإصلاح تجري بالتوازي مع إعادة تفعيل الضابطة المائية، التي بدأت بحصر التعديات على الخطوط الرئيسة، تمهيدًا لاتخاذ إجراءات تبدأ بالتنبيه والإنذار، وقد تصل إلى فرض غرامات على المخالفين.
كما تعمل المؤسسة على تنفيذ حملة توعية لترشيد استهلاك المياه والحفاظ على الشبكة، في ظل المخاوف من ازدياد الهدر نتيجة التسربات والكسور المنتشرة في عدة مواقع.
وتشير المؤسسة إلى أن برنامج الضخ خلال المرحلة المقبلة سيبقى مرنًا، ويتغير تبعًا لتقدم أعمال الصيانة والأعطال الجديدة التي قد تظهر مع استمرار تشغيل الشبكة.
أحياء لا تزال تنتظر
ورغم وصول المياه إلى بعض الأحياء، فإن مناطق أخرى بقيت خارج الخدمة حتى الآن، وهو ما انعكس على حياة آلاف السكان الذين ما زالوا يعتمدون على شراء المياه المنقولة بالصهاريج أو تعبئة الخزانات من مصادر بديلة.
وفي حي المعيشية، قال محمد العلي، وهو أحد سكان الحي، إن عائلته لم تستفد من استئناف الضخ حتى الآن، رغم مرور أيام على إعلان تشغيل محطة علوك.
وأضاف لعنب بلدي أن السكان استبشروا بعودة المياه بعد سنوات من الانقطاع، إلا أنهم فوجئوا بعدم وصولها إلى منازلهم بسبب وجود كسر في الخط المغذي للحي.
وأشار إلى أن الأهالي يراقبون يوميًا أعمال ورشات الصيانة، على أمل إصلاح الأعطال سريعًا، لأن الاعتماد المستمر على شراء المياه يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا على معظم الأسر.
وفي حي الزهور، قال أحمد الحسين إن المياه لم تصل إلى منزله إطلاقًا منذ بدء الضخ التجريبي، موضحًا أن تسربًا كبيرًا في أحد الخطوط القريبة من الحي تسبب بهدر كميات كبيرة من المياه قبل أن تتمكن من الوصول إلى المنازل.
وأضاف أن السكان يطالبون بإصلاح الأعطال قبل الانتقال إلى برنامج توزيع ثابت، لأن استمرار الضخ في ظل وجود الكسور يعني ضياع جزء كبير من المياه في الشوارع بدلًا من وصولها إلى المشتركين.
كما أشار إلى أن أجزاءً واسعة من الحي لازالت تعتمد على الصهاريج التي توفرها فرق تطوعية، وتوزعها في الحي كلما أتيح لها تمويل مجتمعي.
أما في قرية العابد الملاصقة لمدينة الحسكة، فقال أحمد الخلف إن سكان القرية لم يلمسوا أي تغيير حتى الآن، وما يزالون يعتمدون بالكامل على صهاريج المياه.
وأوضح أن الأهالي كانوا يتوقعون وصول المياه بعد إعادة تشغيل المحطة، إلا أن الأعطال في الخطوط الناقلة حالت دون ذلك، مطالبًا بإعطاء المناطق المحرومة أولوية في أعمال الصيانة، نظرًا لما تعانيه من نقص حاد في المياه منذ سنوات.
سنوات من الإهمال
يرى المختص في قطاع المياه محمد العبد الله أن حجم الأعطال الحالية يعكس سنوات طويلة من غياب الصيانة الدورية، إذ بقيت أجزاء واسعة من الشبكة خارج الخدمة لفترات ممتدة، ما أدى إلى تآكل الأنابيب وضعف قدرتها على تحمل ضغط المياه عند إعادة التشغيل.
ووفق العبد الله؛ فقد ساهمت مشاريع البنية التحتية التي نُفذت خلال السنوات الماضية، مثل شق الطرق وتمديد شبكات الصرف الصحي والخدمات الأخرى، في إحداث أضرار إضافية ببعض الخطوط، خاصة مع غياب خرائط دقيقة توضح مسارات الأنابيب القديمة.
ولهذا، فإن إعادة تشغيل محطة علوك، وفق الخبير، لم تكن كافية وحدها لإعادة المياه إلى جميع السكان، إذ يتطلب الأمر إعادة تأهيل أجزاء كبيرة من شبكة التوزيع داخل المدينة.
تحديات تتجاوز مدينة الحسكة
ولا تقتصر المشكلات على مدينة الحسكة وحدها، إذ أوضح مدير المؤسسة أن إيصال المياه إلى مدينة الهول وريفها يتطلب مرورها عبر ثلاث محطات ضخ وتوزيع تقع على الطريق بين الحسكة والهول، لكنها جميعًا خارج الخدمة حاليًا.
وبحسب العويس، تعمل المؤسسة على إيجاد حلول مؤقتة، بينما أدرجت أعمال إعادة تأهيل هذه المحطات ضمن خطة وموازنة عام 2027.
كما أوضح أن محطة علوك نفسها لا تعمل بكامل طاقتها، إذ جرى تأهيل ما بين 14 و19 بئرًا فقط من أصل 34 بئرًا، إضافة إلى تشغيل خمس مضخات أفقية، بينما يجري الضخ فعليًا باستخدام مضختين إلى ثلاث مضخات بحسب الحاجة.
وأكد أن الحوض المائي في علوك لا يزال مستقرًا، لكنه شدد على أن الاعتماد على المياه الجوفية لا يمثل حلًا مستدامًا على المدى الطويل، مشيرًا إلى أن مشروع جر مياه نهر دجلة يُعد أحد أبرز الخيارات المطروحة لتأمين مصدر دائم للمياه في الحسكة والقامشلي وأريافهما، مع استمرار البحث عن مصادر تمويل لتنفيذه.
اختبار يكشف الواقع
كانت الشركة العامة لمياه الحسكة بدأت، في 22 من تموز، تشغيل الضخ التجريبي من محطة علوك عقب افتتاحها من قبل وزير الطاقة محمد البشير، بهدف اختبار جاهزية الشبكة قبل إطلاق التوزيع النظامي للمياه.
لكن الاختبارات الميدانية أظهرت وجود كسور وتسربات في عدد من الخطوط الرئيسة والفرعية، ما استدعى تدخل ورشات الصيانة بصورة عاجلة.
وتداول سكان المدينة صورًا ومقاطع مصورة توثق تسرب المياه في عدد من المواقع، مطالبين بالإسراع في إصلاح الأعطال ومنع التعديات على الخطوط الرئيسة، بما يضمن وصول المياه إلى جميع الأحياء ويحد من الهدر.
وفي ظل استمرار أعمال الصيانة، يبقى استئناف الضخ خطوة أولى نحو إعادة الخدمة، لكنها لم تنهِ بعد أزمة المياه التي أنهكت سكان الحسكة لسنوات، إذ ما تزال آلاف الأسر في أحياء المعيشية والزهور وقرية العابد وغيرها تنتظر إصلاح الشبكة أكثر من انتظارها وصول المياه نفسها، على أمل أن تتحول التجربة الحالية إلى توزيع منتظم يعيد الحياة إلى شبكة طالها الإهمال والتوقف لسنوات طويلة.
