أعلنت وزارة الطاقة السورية عن تخفيض سعر طن الفيول الصناعي من 475 دولارًا إلى 400 دولار، في مسعى لتنشيط عجلة الإنتاج وتعزيز تنافسية المنتج المحلي في مواجهة التحديات الاقتصادية المتلاحقة.
وذكر وزير الطاقة السوري محمد البشير، اليوم الخميس 30 تموز، عبر منصة “إكس”، أن القرار جاء “انطلاقًا من حرصنا على دعم الصناعة الوطنية وتعزيز تنافسية المنتج السوري، وجّهنا بتخفيض سعر طن الفيول الصناعي، بما يسهم في تخفيف تكاليف الإنتاج على الصناعيين تشجيعًا لهم، ودعمًا لاستمرار دوران عجلة الإنتاج، بما ينعكس إيجابًا على السوق والمستهلك”.
ويأتي هذا القرار في ظل بيئة إنتاجية تعاني من ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والنقل، ما يطرح تساؤلات حول حجم الأثر الحقيقي لهذا التخفيض على تكاليف الإنتاج، وأسعار السلع النهائية، وقدرته على كبح جماح التضخم، ومنح المنتج السوري ميزة تنافسية أمام البضائع المستوردة.
وفر محدود في فاتورة التشغيل
يرى خبراء في الاقتصاد أن أثر هذا القرار على أسعار المنتجات النهائية يبقى مرهونًا بالوزن النسبي للطاقة ضمن هيكل التكلفة الإجمالية.
وقال الباحث في الاقتصاد والطاقة الدكتور مصعب شبيب، في حديث إلى عنب بلدي، إن الوزن النسبي لتكلفة الطاقة يتراوح غالبًا بين 20% و40% من إجمالي تكاليف الإنتاج في الصناعات كثيفة الاستهلاك كالأسمنت والحديد والمواد الإنشائية، بحسب نوع الصناعة وكفاءة خطوط الإنتاج.
وأوضح شبيب أنه بافتراض معمل متوسط لصهر وإعادة تدوير الحديد في مدينة حسياء الصناعية ينتج نحو 5 أطنان يوميًا ويستهلك طنًا واحدًا من الفيول، فإن فاتورة الوقود ستنخفض بموجب القرار الجديد بمقدار 75 دولارًا يوميًا، أي ما يقارب 2250 دولارًا شهريًا.
وأشار إلى أن هذا الوفر، الذي قد يبدو محدودًا مقارنة بإجمالي النفقات، يمثل في بيئة صناعية تعاني من ضغوط كبيرة متنفسًا ماليًا يمكن أن يحسن هامش الربحية، أو يسمح بزيادة الإنتاج، أو يخفف الضغوط على الأسعار.
شهران لانعكاس الأثر.. وعوامل إبطاء متعددة
رغم أهمية القرار، استبعد الخبراء حدوث انخفاض كبير وفوري في أسعار السلع، نظرًا لوجود فترة زمنية يحتاجها انخفاض تكلفة الطاقة للانعكاس على الأسواق، إضافة إلى عوامل أخرى قد تبطئ هذا الانتقال.
وقدر الخبير مصعب شبيب أن انعكاس انخفاض تكاليف الطاقة على أسعار السلع في الأسواق السورية يحتاج في الظروف الاعتيادية إلى فترة تتراوح بين شهر وشهرين في القطاعات سريعة الدوران، وقد تمتد إلى ثلاثة أو أربعة أشهر في الصناعات التي تعتمد على مخزون سابق أو عقود توريد طويلة الأجل.
إلا أنه أكد أن هذه التقديرات تبقى مؤشرات تقريبية وليست قواعد ثابتة، فالسوق السورية تمر بمرحلة انتقالية تجعل أي توقع زمني محفوفاً بقدر كبير من عدم اليقين.
وأضاف أن أي اضطرابات إقليمية، أو ارتفاع جديد في أسعار النفط عالميًا، أو تقلبات في سعر الصرف، أو زيادة في تكاليف النقل والتأمين، قد تؤدي إلى إبطاء انتقال أثر انخفاض تكلفة الفيول، بل وربما تمحو جزءًا من أثره قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي.
وأشار شبيب إلى ما يصفه بـ”ذاكرة الحرب الاقتصادية”، حيث لا يزال المنتجون والتجار يتعاملون بحذر شديد ويفضلون الاحتفاظ بهوامش أمان مالية تحسبًا لأي صدمة مستقبلية، إلى جانب غياب هيئة فعّالة للمنافسة ومنع الاحتكار، ما يحد من سرعة انتقال انخفاض التكاليف إلى الأسعار.
تأثير محدود في كبح التضخم
في ظل معاناة الاقتصاد السوري من موجات تضخمية، تبرز تساؤلات حول مدى قدرة هذا القرار على الإسهام في كبح جماح التضخم.
ويرى الدكتور مصعب شبيب أن هذه الخطوة تمثل خطوة إيجابية لتخفيف تكاليف الإنتاج، لكنها بمفردها لن تكون كافية لإحداث انخفاض ملموس في معدلات التضخم، لأن التضخم في سورية بات ظاهرة مركبة تشكلت بفعل تراكم عوامل داخلية وخارجية على مدى سنوات.
وشرح أن تعدد العملات المتداولة في السوق السورية (الليرة الجديدة والقديمة، والدولار، والليرة التركية) خلق تشوهات في التسعير ويزيد من فرص المضاربة واختلاف الأسعار بين منطقة وأخرى، إضافة إلى التقلبات المتكررة في أسعار المحروقات وغياب آلية تسعير مستقرة، ما يدفع المنتجين إلى التسعير وفق توقعات مستقبلية لا وفق التكلفة الحالية.
وضرب مثالًا توضيحيًا، أنه إذا انخفضت تكلفة إنتاج طن من مواد البناء نتيجة تراجع سعر الفيول بنسبة تعادل 5%، ثم ارتفعت في المقابل تكاليف النقل بنسبة 10% أو تراجع سعر الصرف بما يزيد تكلفة المواد المستوردة، فإن المستهلك قد لا يلمس أي انخفاض في السعر النهائي، بل قد يواجه زيادة جديدة.
ولذلك، أكد شبيب أن معالجة التضخم تتطلب رؤية شاملة تستهدف استقرار سعر الصرف، وتوحيد بيئة التداول النقدي، واستقرار سياسة تسعير الطاقة، وتعزيز المنافسة، والحد من التشوهات في حلقات التوزيع.
الهدف تحفيز الإنتاج لا خفض الأسعار
من وجهة نظر اقتصادية، يرى شبيب أن الهدف الرئيسي من تخفيض سعر الفيول ليس بالضرورة دفع أسعار المنتجات المحلية إلى الانخفاض، بل تحفيز دوران عجلة الإنتاج ومنح الصناعي السوري متنفسًا ماليًا يمكنه من الاستمرار والتوسع.
وأوضح أن الـ75 دولارًا التي انخفضت من سعر طن الفيول تتحول عمليًا إلى وفر في فاتورة التشغيل، أي إلى ربح إضافي يمكن توجيهه لزيادة الإنتاج، أو صيانة خطوط التصنيع، أو توظيف عمالة جديدة، أو تعزيز السيولة، أكثر من كونه سيترجم مباشرة إلى تخفيض في أسعار البيع.
أما عن منح المنتج السوري ميزة سعرية حقيقية أمام البدائل المستوردة، اعتبر شبيب أن هذا التخفيض وحده لا يكفي، فالمُنافس الصناعي في دول مثل تركيا يعمل ضمن بيئة إنتاج أكثر استقرارًا، إذ يستفيد من تمويل أقل كلفة، وطاقة أكثر استقرارًا، وسلاسل توريد منتظمة، وخدمات نقل ولوجستية أقل تكلفة.
وخلص إلى أن قرار تخفيض الفيول ينبغي النظر إليه باعتباره أداة لدعم المنتج السوري لا أداة لحمايته، مشددًا على أن استعادة القدرة التنافسية تحتاج إلى حزمة إصلاحات متكاملة تشمل استقرار أسعار الطاقة، وتخفيض تكاليف النقل والخدمات اللوجستية، وتسهيل الحصول على المواد الأولية والتمويل، إضافة إلى بناء سمعة إيجابية للمنتج الوطني.
السعر ليس ثابتًا والأهم منهجية التسعير
وحول ثبات السعر الجديد للفيول الصناعي (400 دولار) من عدمه، قال الدكتور مصعب شبيب إنه من غير المرجح أن يكون هذا السعر ثابتًا على المدى الطويل، بل من المتوقع أن يكون سعرًا ديناميكيًا يخضع للمراجعة الدورية وفق معطيات السوق، خاصة بعد تشكيل وزارة الطاقة للجنة تسعير المحروقات.
وأضاف أن الصناعي لا يطالب بالضرورة بأن يبقى الفيول عند 400 دولار دائمًا، وإنما يحتاج إلى آلية واضحة وشفافة يمكن التنبؤ بها، بحيث يستطيع إعداد موازناته وخططه الإنتاجية على أسس مستقرة.
وشدد على أن استقرار الصناعة لا يرتبط بثبات الرقم 400 دولار بقدر ما يرتبط باستقرار وشفافية سياسة التسعير نفسها، لأن وضوح القواعد الاقتصادية أهم من ثبات السعر في حد ذاته.
انعكاس غير مباشر على القطاعات الخدمية
أما عن انعكاس هذا القرار على القطاعات الخدمية واللوجستية التي تعتمد على الصناعة المحلية، رأى شبيب أن هذا الأثر سيكون غير مباشر، لكنه حقيقي.
وقال إن الاقتصاد يعمل كسلسلة مترابطة، فعندما ترتفع وتيرة الإنتاج في المصانع، تنشط معها شركات النقل، ومراكز التخزين، وورش الصيانة، وموردو قطع الغيار، وحتى خدمات المحاسبة والتأمين والمناولة.
وقدم مثالًا لمعمل متوسط لإعادة تدوير البلاستيك، إذا وفر القرار عليه أكثر من 1000 دولار شهريًا من فاتورة الفيول، فقد يقرر استثمار هذا الوفر في شراء كمية إضافية من المواد الخام، ما يعني زيادة الإنتاج بنسبة 20%، وبالتالي زيادة عدد رحلات الشاحنات، وارتفاع الطلب على الصيانة والزيوت وقطع الغيار، والتعاقد مع ناقل إضافي أو تشغيل عمال جدد.
واختتم شبيب تحليله بالتأكيد أن الأثر الحقيقي لهذا التخفيض سيظهر إذا تحول إلى جزء من سياسة اقتصادية متكاملة تستهدف تنشيط الإنتاج الصناعي، لأن كل منشأة تزيد إنتاجها لا تخلق قيمة مضافة داخل أسوارها فقط، بل تحرك عشرات الأنشطة الخدمية المرتبطة بها، وهو ما يشكل أحد أهم مؤشرات التعافي الاقتصادي الحقيقي.
