رغم دخول معظم الفواكه الصيفية ذروة موسمها، لا تزال أسعارها في أسواق دمشق عند مستويات مرتفعة، خلافًا لما اعتاده المستهلكون في مثل هذا الوقت من العام، حين يؤدي ازدياد المعروض إلى انخفاض الأسعار.
وفي ظل تراجع القدرة الشرائية، باتت الفواكه عبئًا إضافيًا على الأسر السورية، بينما يعزو مختصون استمرار الغلاء إلى ارتفاع التكاليف وأولوية التصدير، وسط ركود واضح في حركة البيع والشراء.
وبحسب رصد أجرته عنب بلدي في أسواق دمشق، يتراوح سعر كيلو الدراق بين 20 و35 ألف ليرة سورية، والعنب بين 20 و40 ألفًا، والخوخ بين 10 و20 ألفًا، والمشمش بين 15 و35 ألفًا، والكرز بين 20 و40 ألفًا، والتين بين 40 و50 ألف ليرة، والتفاح بين 20 و35 ألفًا، بينما يتراوح سعر كيلو البطيخ بين 1500 و2500 ليرة، والموز بين 12 و15 ألف ليرة سورية.
من أولوية إلى كمالية
في جولة لعنب بلدي بأسواق دمشق، أجمع عدد من المواطنين على أن الفواكه لم تعد من الأولويات الغذائية للأسرة السورية كما كانت في السابق، بل أصبحت من الكماليات التي يصعب على كثير من الأسر توفيرها بشكل منتظم.
وقال مصطفى الدرويش أحد أهالي مدينة دمشق، إن أسعار الفواكه تجاوزت قدرة معظم الأسر، حتى إن إعداد صحن فواكه بسيط بات يشكل عبئًا على رب الأسرة، ما دفع الكثيرين إلى الاستغناء عنها أو شرائها في مناسبات محدودة فقط.
في المقابل، قالت هدى غزلية وهي من دمشق، إنها رغم الغلاء، تحرص على شراء الفواكه قدر الإمكان، لكنها تتجه إلى الأصناف الأقل جودة أو الثمار التي انخفض سعرها بعد بقائها فترة في الأسواق، لأن أسعار الفواكه الطازجة والجيدة مرتفعة جدًا ولا تتناسب مع دخل الأسرة.
إقبال ضعيف
أكد عدد من باعة الفواكه أن حركة البيع هذا الموسم ضعيفة، وأن معظم الزبائن يشترون كميات محدودة مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل الارتفاع الكبير الذي تشهده الأسعار.
وقال مروان الصليح، أحد باعة الفواكه في أسواق دمشق، إن ارتفاع الأسعار لا يعود إليهم، بل يبدأ من سوق “الهال”، حيث يشترون الفواكه بأسعار مرتفعة، ما يرفع تكلفة بيعها للمستهلك.
وأضاف أن جزءًا من بضاعتهم يتعرض للتلف بسبب ضعف الإقبال، الأمر الذي يضطرهم إلى تخفيض الأسعار على الأصناف التي قاربت على التلف لتصريفها قبل أن تصبح غير صالحة للبيع، وهو ما يزيد من خسائرهم.
التصدير وارتفاع التكاليف وراء الغلاء
بدوره، يرى أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد الرزاق حبزة، أن ارتفاع أسعار الفواكه بدأ منذ طرحها في الأسواق، ولم يشهد تراجعًا حتى الآن، موضحًا أن الأولوية التي أُعطيت للتصدير، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج، تعد من أبرز العوامل التي أبقت الأسعار عند مستوياتها الحالية.
وأشار حبزة إلى أن ما حدث في موسم الحمضيات يتكرر اليوم مع مواسم الكرز والدراق وغيرها من الفواكه، إذ لم تُعالج الأسباب الأساسية التي ترفع التكلفة، الأمر الذي انعكس مباشرة على المستهلك.
من جانبه، وصف الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة “حماة” والخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد، الواقع الحالي بأنه “تضخم سعري حاد”، أخرج الفواكه من دائرة الاستهلاك اليومي إلى خانة السلع شبه الكمالية، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن في نقص الإنتاج بقدر ما تكمن في اتساع الفجوة بين الأسعار المرتفعة والقدرة الشرائية المنهارة، ما خلق حالة من الركود التضخمي في سوق الغذاء الطازج.
وأضاف أن استمرار الغلاء رغم ذروة الموسم يعود إلى تضخم تكاليف ما بعد الحصاد، ولا سيما النقل والتبريد، إضافة إلى سيطرة حلقات الوساطة التي تحقق هوامش ربح مرتفعة، فضلًا عن تصدير وتهريب المنتجات ذات الجودة العالية، واعتماد التجار في التسعير على توقعات سعر الصرف أكثر من التكلفة الفعلية.
الشراء بالكيلو لم يعد ممكنًا
انعكس ارتفاع الأسعار بشكل واضح على حركة الشراء، إذ أكد حبزة أن غالبية المواطنين باتوا يتجهون إلى شراء الأصناف الأقل جودة أو تلك التي شارفت على التلف بسبب انخفاض أسعارها نسبيًا، بينما أصبحت الكميات المشتراة محدودة للغاية.
وقال إن من يمتلكون قدرة مالية ما زالوا يشترون الفواكه، لكن الغالبية تكتفي بنصف كيلو أو كيلو واحد، في حين تلجأ الأسر محدودة الدخل إلى شراء الثمار التي تنخفض أسعارها مع اقتراب تلفها، خاصة في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
ويتفق الدكتور عبد الرحمن محمد مع هذا التوصيف، معتبرًا أن الإقبال على الفواكه تحول من شراء اعتيادي إلى شراء مجزأ، إذ لم يعد كثير من المستهلكين يشترون بالكيلوغرام، بل بالحبة الواحدة أو يتجهون إلى الأصناف الأرخص والأقل جودة.
ويرى أن الأسر أصبحت تمنح الأولوية لتأمين المواد الغذائية الأساسية مثل الخبز والأرز، مقابل الاستغناء عن الفواكه أو استبدالها ببدائل أقل تكلفة، وهو ما يعكس تراجعًا واضحًا في نمط الاستهلاك الغذائي.
دعوات لتنظيم التصدير ودعم الفلاحين
اقترح حبزة جملة من الإجراءات للحد من ارتفاع الأسعار، تبدأ بتنظيم عمليات التصدير وربطها بحجم حاجة السوق المحلية قبل السماح بتصدير الفائض، إلى جانب دعم تكاليف النقل وحوامل الطاقة، وتقديم الدعم للفلاحين عبر الأسمدة والمبيدات والآلات الزراعية، إضافة إلى تفعيل التدخل الحكومي الإيجابي وتأمين وسائل نقل تقلل من تكاليف إيصال المنتجات إلى الأسواق.
وأكد أن غياب التخطيط في عمليات التصدير وعدم وجود دعم فعلي للمنتجين أسهما في ارتفاع الأسعار، إذ تُنقل كميات كبيرة من الإنتاج مباشرة من مناطق الزراعة إلى التصدير، قبل تغطية احتياجات السوق المحلية.
بدوره، دعا الدكتور عبد الرحمن محمد إلى إنشاء أسواق شعبية تتيح البيع المباشر بين الفلاح والمستهلك للحد من دور الوسطاء، وتأمين محروقات مدعومة لشاحنات التبريد بهدف خفض تكاليف النقل، إضافة إلى فرض قيود مؤقتة على تصدير الأصناف التي تعاني السوق المحلية نقصًا فيها، مع تفعيل دور جمعيات حماية المستهلك في مراقبة الأسعار ونشر متوسطاتها بشكل دوري.
ويرى أن غلاء الفواكه ليس نتيجة حتمية، بل يعكس خللًا في إدارة سلاسل الإنتاج والتسويق، حيث يخسر المنتج والمستهلك في الوقت نفسه، بينما تستفيد حلقات الوساطة والمضاربة، ما يستدعي تدخلات حكومية أكثر فاعلية لتحقيق توازن بين مصالح الفلاحين واحتياجات المستهلكين.
