عنب بلدي – موفق الخوجة
ضمن مسار هيكلة الجيش السوري الوليد، تولي وزارة الدفاع السورية اهتمامًا بسلاح الجو مؤخرًا، بعدما تعرض له هذا السلاح من تدمير وتغيرات في بنيته، ما جعله غير قادر على النهوض بشكل فعلي، والقيام بأدوار دفاعية أو هجومية، في بلد ما زالت الأخطار الداخلية والخارجية تحيط به، عقب حرب مدمرة استمرت 14 عامًا.
في 23 من تموز الماضي، أعلنت وزارة الدفاع تخريج 1000 صف ضابط من الكلية الجوية، في استعراض عسكري بقاعدة “خالد بن الوليد” الجوية (مطار كويرس العسكري سابقًا) في ريف حلب الشرقي، تخللته طلعات جوية لطائرات تُستخدم لأغراض تدريبية.
أظهر التسجيل الذي نشرته وزارة الدفاع استخدام طائرات حربية من نوع “Aero L-39 Albatros” والمعروفة محليًا بطائرات “اللام” أو “لام 39” وهي طائرات تدريب نفاثة سريعة الحركة، وطائرات استطلاع تكتيكي، ومقاتلة دعم أرضي خفيفة.
هذا الطراز من الطائرات استخدمه النظام السوري السابق بشكل محدود خلال سنوات الثورة، لا سيما في البدايات، نظرًا إلى قدرتها المحدودة على القتال وضرب الأهداف الثابتة أو المتحركة.
وأسقطت فصائل المعارضة العديد من طائرات “لام 39” خلال الثورة، بأسلحة متوسطة، نظرًا إلى ضعفها في المناورة واضطرارها للتحليق على علو منخفض خلال عملية الاستهداف بالرشاش، ما جعلها هدفًا سهلًا لمضادات الطيران الأرضية.
كما ظهرت، خلال الاستعراض، طائرات عمودية (هليكوبتر)، إلى جانب طائرة نقل مدنية، دون وجود ما يدل على أي استعراضات قتالية.
دورة أولى أفراد
يشير حديث قائد القوى الجوية في وزارة الدفاع، العميد عاصم الهواري، وطبيعة الاستعراض خلال تخريج الدفعة الأولى أفراد، إلى أن مهام عناصر وصف الضباط ضمن المنظومة الجوية المبنية حديثًا تركز على الأمور الفنية، في حين تغيب المظاهر القتالية عن المشهد.
كانت هذه الدورات المباركة التي نشهد تخريجها اليوم، بعد أشهر من الكدح والتعب، لتخريج صف ضباط فنيين، يصونون سلاح الجو ويحافظون على جاهزيته، ليكونوا درعًا للوطن، ويدًا تعمل في بنائه.
العميد عاصم هواري
قائد القوى الجوية في وزارة الدفاع
بناء على ذلك، تُطرح أسئلة حول قدرة المؤسسة العسكرية السورية على بناء منظومة سلاح جوي، في ظل التهديدات المحيطة في البلاد، لا سيما من إسرائيل، التي دمرت الكثير من قدرات الجيش، خصوصًا منظومات الدفاع الجوي، التي عملت على تدميرها منذ سنوات، وأجهزت عليها بعد سقوط النظام.
تواصلت عنب بلدي مع وزارة الدفاع للحصول على توضيحات حول هذا الملف، إلا أن الوزارة امتنعت عن التصريح.
يحتاج إلى أسس علمية
يرى الخبير العسكري العقيد خالد المطلق صعوبة عملية تكوين سلاح الطيران في جيش مبني على فصائل وعقيدة جديدة، إذ إن تخريج 1000 صف ضابط لا يعني أي شيء في القوى الجوية، ويمكن استخدامهم في الحراسة والأعمال الإدارية، ولكن يصعب استخدامهم في الأمور الفنية، وتهيئتهم ليكونوا طيارين يمكنهم مستقبلًا استخدام طائرات حديثة.
وقال المطلق، في حديث إلى عنب بلدي، إن سلاح الجو يُبنى على أسس علمية ويحتاج إلى عقول، إذ ينبغي، على الأقل، أن يكون المتطوع حاصلًا على الشهادة الثانوية (البكالوريا)، ثم دراسة لمدة ثلاث سنوات يتلقى خلالها جميع أنواع العلوم، من الرياضيات والفيزياء والإلكترون، بالإضافة إلى اللغات، مثل الإنجليزية والروسية، باعتبار أن السلاح السوري شرقي.
وبالتالي، يحتاج إعادة تأهيل السلاح الجوي إلى وقت طويل، يمتد إلى ثلاث سنوات على الأقل.
ويعتقد أنه مهما تم العمل، خلال السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة، لن تستطيع سوريا مجاراة أسلحة الجو، على الأقل، في الإقليم ومنطقة الشرق الأوسط، وخاصة إسرائيل، التي تملك سلاح جو متطورًا يعتمد على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ولا يرى المطلق أنه يتم بناء أسس لسلاح جوي حقيقي في سوريا، وأن ما يتم بناؤه حاليًا لا علاقة له ببناء منظومة حقيقية لسلاح الجو أو الدفاع الجوي، باستثناء بعض الخبرات من الطيارين المنشقين، الذين يقودون حاليًا بعض الطائرات المتبقية من المنظومة السابقة.
وأكد أنه لا يمكن بناء سلاح جوي حقيقي قادر على حماية البلاد إلا بوجود تراكم خبرات طويلة ومؤسسات علمية حقيقية، من مدارس وكليات تعتمد على العلوم العسكرية الحقيقية.
ويرى ضرورة ربط سلاح الجو بسلاح الدفاع الجوي، وهذا ما هو متعارف عليه، إذ تمتلك سوريا طائرات قاذفة وطائرات إسناد وحوامات (قتالية وإنزال) وطائرات دفاع جوي، تأخذ دور سلاح الدفاع الجوي في المناطق الميتة التي لا تستطيع المنظومة الوصول إليها.
ويوافقه الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد) لورانس الشمالي، إذ قال إن السلاح الجوي يتكامل مع منظومات الأسلحة الدفاعية أرض- جو، لذلك تحتاج سوريا للنهوض بقطاع الدفاع الجوي إلى منظومة متكاملة حديثة تتناسب مع العقيدة العسكرية لها.
وقال الشمالي، في حديث إلى عنب بلدي، إن قدرة سلاح الجو السوري الحالية في حالتي الدفاع والهجوم محدودة ضمن عمليات تكتيكية في إطار تحييد أهداف ثابتة أو إعاقة تقدم لقوات معادية، بالنظر إلى طبيعة السلاح والأزمات التي تعرض لها هذا القطاع في سوريا.
سلاح الجو هو سلاح علمي، وخاصة في هذه المرحلة التاريخية، في ظل تطور التكنولوجيا العالية والمتقدمة، وتطور الأسلحة ذات الدقة العالية ضمن سلاح الجو، ودخول الذكاء الاصطناعي في كثير من الأسلحة، خاصة في الأسلحة الجوية، إذ إن الأعمال القتالية غالبًا ما تنفذ باستخدام الطيار الآلي، والذكاء الاصطناعي هو من يتخذ القرار في كثير من المعارك الجوية بالدول المتقدمة.
العقيد خالد المطلق
خبير عسكري
تحديات أمام قطاع الطيران الحربي
يواجه قطاع الدفاع الجوي السوري وسلاح الجو عدة تحديات على صعيد نوعية السلاح المتوفر والنقص في منظومات الإنذار الجوي المبكر، ومنصات صواريخ أرض- جو، وعلى صعيد تدني جودة الطائرات العسكرية المتوفرة حاليًا لدى الجيش، وعدم توفر قطع تبديل لها، وعدم مواكبتها للطائرات المتقدمة التي تمتلكها بعض دول المنطقة كتركيا وإسرائيل، بحسب الباحث في “مسداد” لورانس الشمالي.
وأشار إلى أن تطور منظومات الدفاع الجوي لدى إسرائيل يشكل تحديًا كبيرًا أمام قطاع سلاح الجو السوري، حيث تحد هذه المنظومات من قدرة سلاح الجو على شن عمليات هجومية.
العقيد خالد المطلق أوضح أنه لم تدخل أي قطعة تبديل لأي نوع من أنواع الطائرات منذ عام 1998، ما أدى إلى ترهل واضح في سلاح الجو، بالإضافة إلى سلاح الدفاع الجوي، الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا به.
وأضاف أن حماية سيادة سوريا تأتي من خلال بناء صرح حقيقي لكل أنواع الأسلحة، من سلاح الجو والدفاع الجوي ومنظومة الإشارة وسلاح الحرب الإلكترونية والكيمياء والهندسة، إذ إن جميعها يحتاج إلى إعادة بناء لأنها شبه منهارة منذ عهد النظام السابق.
من جانب آخر، لا يمتلك سلاح الجو السوري قدرات واسعة لشن عمليات استهداف جوي واسعة النطاق، لكنه قادر على المناورة في عمليات تكتيكية تستهدف أهدافًا ثابتة، ويمكن أن يشكل إعاقات دفاعية، لذلك ترتكز فاعليته على الهجمات الدفاعية التكتيكية، وفق الشمالي.
هل يمكن شراء الأسلحة الجوية؟
ربط العقيد المطلق ملف شراء الأسلحة وتطوير الجيش بالقرار السياسي، واعتماد العقيدة العسكرية المتبعة في الدولة، سواء بالذهاب إلى المنظومة الشرقية أو الغربية.
ومن هنا، يمكن شراء الأسلحة من المعسكر الغربي ليكون سلاحًا غربيًا، وهذا ما يستبعده المطلق، بسبب ضعف الإمكانية المادية لاستجلاب وشراء الأسلحة الغربية المتطورة.
كما لا يمكن للغرب أن يبيع دمشق سلاحًا جويًا نوعيًا يمكن من التفوق الجوي فوق سوريا، بسبب طبيعة الحكومة “الراديكالية”، وفق وصف العقيد.
ويمكن لروسيا أن تمنح سوريا أسلحة لكن بشروط محددة، لكن لن تمنحها منظومة دفاع جوي يمكن من خلالها حماية الأجواء السورية من الخطر الخارجي العسكري، وخاصة من إسرائيل.
موروثة من فرنسا
تمتلك سوريا منظومة طيران متواضعة، بينها العديد من المطارات ورثتها من التركة الفرنسية قبل خروجها في أربعينيات القرن الماضي.
وتشير الإحصائيات إلى أن منظومة السلاح الجوي السوري فقدت أكثر من 120 طائرة، ما بين حربية ومروحية، خلال سنوات الثورة، في حين ذهبت إحصائيات أخرى إلى نحو 200 طائرة.
وبحسب دراسة لموقع “Middle East Transparent” نشرت في عام 2016، فقد تكبدت القوات الجوية التابعة لرئيس النظام المخلوع، بشار الأسد، خسائر مؤكدة بلغت 55 طائرة و57 مروحية على الأقل، أُسقطت أو تحطمت، بالإضافة إلى 28 مروحية و51 طائرة أخرى أُخرجت من الخدمة على الأرض.
لكن بالمقابل، شكّل هذا السلاح، خلال سنوات الثورة، عامل حسم لمصلحة النظام السابق، إلا أنه فقد قدرته على حسم المعارك في أيامه الأخيرة، في ظل التقدم السريع لقوات “ردع العدوان” التي أطاحت به.
وبعد سقوط النظام، أجهزت إسرائيل على معظم قدرات الجيش، لا سيما منظومة الدفاع الجوي، والمطارات الحربية، خوفًا من استخدامها من قبل ما تعتبرها “جماعات متطرفة” في إشارة إلى الحكومة السورية الجديدة.
من جانبها، استخدمت السلطات السورية الجديدة السلاح الجوي ضمن ثلاثة مسارات، تمثل الأول باستعراضات معنوية، مثل رمي الورود من الحوامات خلال الاحتفالات، في إشارة رمزية إلى تغيير طبيعة الاستخدام، بعد أن استخدمها النظام في رمي البراميل على المناطق السكنية.
وضمن المسار الثاني، استخدمت الحكومة السورية الحوامات العسكرية العمودية لأغراض عسكرية، لكن بشكل محدود، في آذار 2025، ضد تحركات من تسميهم “فلول النظام البائد”.
أما المسار الثالث فكان خدميًا، تمثل بالمساعدة في إطفاء الحرائق المندلعة في الغابات والأماكن التي لا تستطيع الآليات الوصول إليها.
