“البلوك البحري 3”.. هل تدخل سوريا نادي غاز شرق المتوسط؟

  • 2026/08/01
  • 10:00 ص
توقيع مذكرة تفاهم بين توتال إنرجيز وكونوكو فيليبس والشركة السورية للبترول للتعاون في التنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل السورية - 12 أيار 2026 (قطر للطاقة)

توقيع مذكرة تفاهم بين توتال إنرجيز وكونوكو فيليبس والشركة السورية للبترول للتعاون في التنقيب عن النفط والغاز قبالة السواحل السورية - 12 أيار 2026 (قطر للطاقة)

enab_get_authors_shortcode

يشكل قطاع النفط والغاز أحد أبرز محاور التعاون الاقتصادي التي تسعى سوريا إلى تعزيزها مع الشركاء الدوليين، من خلال توسيع الاستثمارات وفتح آفاق جديدة في مجالات الاستكشاف والتطوير.

وفي هذا السياق، برز “البلوك البحري” رقم “3” بوصفه أحد أبرز مشاريع التنقيب المطروحة، بعد توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة السورية للبترول وكل من “قطر للطاقة” و”توتال إنرجيز” و”كونوكو فيليبس”، لإجراء مراجعة فنية لـ”البلوك” تمهيدًا لاستكشاف النفط والغاز قبالة السواحل السورية.

وتواصلت التحركات باجتماع الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، والرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنرجيز”، باتريك بويانيه، في دمشق، خلال زيارة وفد استثماري فرنسي إلى سوريا برفقة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، حيث ناقش الجانبان سبل تعزيز التعاون في قطاع النفط والغاز وفرص الاستثمار المستقبلية في مجالي الاستكشاف والتطوير.

أهمية “البلوك 3” ودوافع الاهتمام الدولي

يقع “البلوك 3” ضمن حوض الشام البحري قبالة سواحل مدينة اللاذقية في أقصى الشمال الغربي للمياه الإقليمية السورية، وتتراوح أعماق المياه فيه بين 100 و1700 متر.

وتشير الدراسات الجيولوجية إلى احتوائه على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، ويعد الجزء السوري من هذا الحوض الأقل استكشافًا مقارنة بالدول المجاورة، نتيجة الحرب والعقوبات.

وبحسب ما أوضح خبير الطاقة والمال محمود عبد الكريم، لعنب بلدي، يحتوي الحوض بأكمله على نحو 3.4 تريليون متر مكعب من الغاز القابل للاستخراج.

وأشار عبد الكريم إلى أن الاكتشافات البحرية تكون عادة أكبر حجمًا بعشرات المرات من الاستكشافات البرية، موضحًا أن أكبر غاز بري سوري لا يتجاوز احتياطيه بضع عشرات المليارات من الأمتار المكعبة بينما الاكتشافات البحرية الإقليمية تجاوزت مئات المليارات.

كما أن الغاز البحري في المتوسط أنقى نوعية، إذ يغلب عليه الغاز الطبيعي غير المصاحب للنفط، وهو الأسهل معالجة والأقل كلفة تشغيلية والأسرع وصولًا إلى السوق.

وأضاف عبد الكريم أن دخول ثلاث شركات بهذا الوزن في مذكرة تفاهم على “بلوك” واحد محكوم بثلاثة دوافع متكاملة:

  • دافع جيولوجي، فنجاح الاكتشافات في المياه المصرية والقبرصية المجاورة يرفع منطقيًا احتمال امتداد التكوينات الحاملة للغاز نفسها إلى المياه السورية.
  • دافع تجاري يرتبط بالسوق الأوروبية، فأوروبا التي كانت تستورد نحو 40% من غازها من روسيا قبل عام 2022، خفضت هذه النسبة إلى أقل من 15%، وتبحث بإلحاح عن مصادر بديلة مستقرة، وأي غاز سوري مستقبلي يقع جغرافيًا على أقرب نقطة بحرية إلى السوق الأوروبية في شرق المتوسط.
  • دافع استراتيجي، وهو ما يسمى التموضع المبكر، فتكلفة الدخول في مرحلة المراجعة الفنية لا تتجاوز عادة بضعة ملايين من الدولارات، وهي مبالغ رمزية بمقاييس هذه الشركات، لكنها تمنحها أفضلية تفاوضية على حقوق الامتياز.

ويضاف إلى ذلك عامل رابع خاص بـ”توتال إنرجيز” تحديدًا، فهي ليست وافدًا جديدًا على سوريا، بل عملت فيها بين عامي 1988 و2011، وكانت تنتج نحو 53 ألف برميل مكافئ نفطي يوميًا معظمها من الغاز، قبل أن تغادر امتثالًا للعقوبات الأوروبية، أي أنها تعود إلى سوق تعرف تفاصيله الجيولوجية والتشغيلية جيدًا.

الجوانب الفنية لعمليات الاستكشاف

لا تعني مذكرة التفاهم بدء عمليات الحفر مباشرة، إذ تسبقها سلسلة من الدراسات الفنية والجيولوجية الهادفة إلى تقييم إمكانات البلوك وتحديد جدوى الاستثمار فيه، قبل اتخاذ قرار الاستكشاف.

وتتضمن إعادة تحليل المسوحات “السيزمية”، إذ يعد المسح “السيزمي” الأداة الأساسية لرسم صورة دقيقة للتكوينات الصخرية تحت قاع البحر، وتحديد المواقع المحتملة لتجمعات النفط والغاز، ما يسهم في تقليل أخطار حفر الآبار غير المنتجة.

إضافة إلى ذلك، تتم دراسة بيانات الآبار السابقة، ومقارنة التكوينات الجيولوجية السورية بالحقول المكتشفة في شرق المتوسط.

ووفقًا لعبد الكريم، فإن الهدف النهائي من كل ذلك هو بناء النموذج الجيولوجي، أي تصور علمي متكامل لاحتمالات وجود مكامن الغاز وحجمها التقريبي ومستوى أخطار الحفر، ومن ثم تقييم نسبة النجاح الجيولوجي.

ونوه عبد الكريم إلى أنها نسبة مئوية تقيس فرصة أن تجد البئر الاستكشافية غازًا فعلًا، وفي أحواض مثبتة مثل شرق المتوسط تتراوح هذه النسبة بين 20 و40%.

ونتيجة هذه المرحلة، يتم الانتقال إلى مرحلة توقيع اتفاقيات الاستكشاف وتقاسم الإنتاج، التي تتحمل الشركات الأجنبية بموجبها تكاليف ومخاطر الاستكشاف مقابل حصة من الإنتاج في حال تحقيق اكتشاف تجاري، بينما لا تدفع الدولة في مرحلة البحث، فإذا فشل الاستكشاف خسرت الشركات وحدها، وإذا نجح ربح الطرفان.

الاستثمارات والبنية التحتية

يتطلب تطوير “البلوك” استثمارات ضخمة تبدأ من المسوحات “السيزمية” وحفر الآبار الاستكشافية، وقد تصل إلى مليارات الدولارات عند الانتقال إلى مرحلة الإنتاج التجاري.

وكشف خبير الطاقة بأن المسوحات “السيزمية” الحديثة ثلاثية الأبعاد تكلف عادة بين 30 و60 مليون دولار لـ”البلوك” الواحد، وحفر البئر الاستكشافية الواحدة في المياه العميقة يتراوح بين 80 و150 مليون دولار، إذ يتطلب استئجار منصات حفر عائمة متخصصة تصل تكلفة تشغيلها اليومية إلى نصف مليون دولار، وتحتاج البئر الواحدة بين 60 و90 يوم عمل.

أما المرحلة الاستكشافية فقد تحتاج إلى بئرين أو ثلاث، أي أن مجرد التأكد من وجود الغاز قد يستهلك ما بين 250 و500 مليون دولار قبل إنتاج متر مكعب واحد.

فإذا تحقق اكتشاف تجاري وتم الانتقال إلى مرحلة التطوير الكامل، فالتجارب الإقليمية المماثلة تتحدث عن استثمارات تتراوح بين 3 و10 مليارات دولار، بحسب حجم الحقل وعمق المياه.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية اللازمة للاستفادة من أي اكتشاف فإنها تتكون من ثلاث حلقات مترابطة، بحسب عبد الكريم، لا تكتمل الاستفادة إلا بها مجتمعة.

  • الحلقة الأولى بحرية، وتضم منصات الإنتاج أو أنظمة الإنتاج المثبتة على قاع البحر، وهي التقنية الأحدث التي تدار عن بعد من الشاطئ، إضافة إلى خطوط الأنابيب البحرية الناقلة للغاز إلى اليابسة، وتتراوح تكلفة الكيلومتر الواحد من هذه الأنابيب بين مليون وثلاثة ملايين دولار حسب العمق.
  • الحلقة الثانية ساحلية، وتتمثل في محطة معالجة الغاز، وهي المنشأة التي تنقي الغاز من الشوائب والسوائل والرطوبة قبل ضخه في الشبكة، وتكلف عادة بين 500 مليون ومليار دولار حسب الطاقة الاستيعابية.
  • الحلقة الثالثة هي شبكة النقل الداخلية التي توصل الغاز إلى محطات توليد الكهرباء والمصانع.

وهنا تملك سوريا ميزة تنافسية حقيقية، فهي تمتلك شبكة غاز داخلية بنيت قبل الحرب تربط الساحل بحمص ودمشق وحلب، وتمتلك خط الغاز العربي المتصل بالأردن ومصر، والذي يمكن أن يعمل بالاتجاهين استيرادًا وتصديرًا، ما يعني أن جزءًا مهمًا من البنية التحتية موجود فعلًا ويحتاج إلى إعادة تأهيل تقدر تكلفتها بمئات الملايين وهذا يخفض تكلفة التطوير المستقبلي بنسبة قد تصل إلى 30% مقارنة بدولة تبدأ من الصفر، ويقصر المدة الزمنية للوصول إلى السوق بسنة إلى سنتين، وفقًا لما صرح الخبير.

كما لفت عبد الكريم إلى أن التقديرات الأولية المتداولة تشير إلى أن المياه الإقليمية السورية قد تحتوي على نحو 285 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي و2.5 مليار برميل من النفط.

إلا أن هذه الأرقام لا تمثل احتياطيات مؤكدة، بحسب عبد الكريم، موضحًا بأنها موارد محتملة تستند إلى الدراسات الجيولوجية ونتائج المسوحات الأولية، في حين لا يمكن تصنيفها كاحتياطيات مؤكدة إلا بعد تنفيذ عمليات الحفر واختبار الآبار وقياس معدلات الإنتاج الفعلية، وهي المرحلة التي تحدد الجدوى الاقتصادية للمشروع وإمكانية تطويره تجاريًا.

الانعكاسات الاقتصادية والاستراتيجية

في حال نجاح عمليات الاستكشاف، يمكن أن يحقق المشروع آثارًا اقتصادية تمتد على عدة مراحل

واستعرض عبد الكريم النتائج وفق الآتي:

  • في المدى القصير، يسهم في جذب الاستثمارات وخلق فرص عمل وتنشيط الخدمات اللوجستية.
  • أما في المدى المتوسط فيمكن أن يدعم قطاع الكهرباء من خلال توفير الغاز اللازم لتوليد الطاقة.
  • وعلى المدى الطويل، قد تتحول سوريا إلى لاعب فاعل في سوق غاز شرق المتوسط، مع إمكانية تصدير الغاز عبر خط الغاز العربي أو من خلال منشآت الإسالة المصرية التي تحول الغاز إلى غاز مسال قابل للشحن بحرًا إلى الأسواق الأوروبية، الأمر الذي قد يوفر للدولة إيرادات كبيرة ويعزز مكانتها في أسواق الطاقة الإقليمية.

ورغم أن مشروع “البلوك البحري” رقم “3” لا يزال في مراحله الأولى، فإن دخول شركات عالمية يعكس اهتمامًا متزايدًا بالإمكانات الكامنة في المياه الإقليمية السورية.

ويبقى نجاح المشروع مرهونًا بنتائج الدراسات الفنية وعمليات الاستكشاف، التي ستحدد ما إذا كانت هذه الإمكانات ستتحول إلى احتياطيات قابلة للإنتاج والاستثمار.

مقالات متعلقة

  1. "كونوكو فيليبس" الأمريكية تستعد للاستثمار في حقول الغاز بسوريا
  2. خطوات لانطلاق التنقيب البحري عن النفط والغاز في سوريا
  3. آبار النفط والغاز في سوريا.. 40% فقط قيد الخدمة
  4. فرص الاستثمار تتصدر أعمال أول منتدى سوري- أمريكي بدمشق

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية