منذ عملية “طوفان الأقصى” والحرب الإبادية التي شنها الاحتلال على قطاع غزة، مرورًا بتوسيع رقعة احتلال أراضٍ في كل من جنوبي سوريا ولبنان، والحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران، ازداد ارتياب قادته من أي تعاون بين دول المنطقة يتعارض مع مشروعه الصهيوني، كبنية استعمارية مستمرة، بأبعادها الاستيطانية الإحلالية، والكولونيالية الاقتصادية، والمحو الثقافي المعرفي. وأحد تلك المشاريع هو إحياء خط الحجاز ليكون مسارًا يربط منطقة الخليج بأوروبا عبر سوريا والأردن، بمسار يتجاوز 3000 كيلومتر من الرياض إلى اسطنبول، وتعتبره إسرائيل “تحديًا مباشرًا” ومنافسًا لمشروع “الممر الاقتصادي الهند- الشرق الأوسط – أوروبا” (IMEC) المتعدد الطبقات الذي تدعمه، وتشترط التطبيع معها كشرط جيوسياسي، ليدمجها الممر كعقدة رئيسة تربط بين الهند وأوروبا عبر الخليج (السعودية والإمارات) والبحر المتوسط، وقد طُرح الممر في قمة مجموعة العشرين عام 2023 كبديل لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية.
وتعتبر إسرائيل هذا الممر (IMEC) بمثابة العمود الفقري الاقتصادي واللوجستي للمنظومة الإقليمية الجيوسياسية التي تحدث عنها نتنياهو: “في الرؤية التي أشاهدها أمام عيني، سنُنشئ منظومة متكاملة، أشبه ما تكون بتحالف سداسي الأضلاع حول الشرق الأوسط أو داخله. ويشمل هذا التحالف الهند والدول العربية والدول الإفريقية واليونان وقبرص، بالإضافة إلى دول آسيوية لن أذكرها الآن”. وأضاف أن هذه الخطوة تهدف إلى بناء “محور من الدول التي تنظر إلى الواقع والتحديات والأهداف بعين ثاقبة في مواجهة المحاور المتطرفة، سواء المحور الشيعي الراديكالي الذي أضعفناه بقوة، أو المحور السني الراديكالي الناشئ”.
تاريخيًا، يعود إنشاء سكة الحجاز التي دشنها السلطان عبد الحميد الثاني في عام 1900، ووصلت إلى المدينة المنورة في عام 1908، إلى أهداف سياسية وعسكرية ودينية، كتعزيز مركزية الدولة العثمانية مع أطرافها المترامية، وتثبيت نفوذها، وإقامة “الجامعة الإسلامية”، وتسهيل رحلة الحجاج بعد أن كانوا والتجار يستخدمون قوافل الإبل في أسفارهم، وسرعة نقل القوات لأرجاء الدولة العثمانية، وتقليل الاعتماد على قناة السويس التي كانت تخضع للسيطرة البريطانية، ولكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى وتسارع انهيارها، أصبحت السكة هدفًا لتخريب مدعوم من بريطانيا إبان الثورة العربية لإضعاف خصمها، بمعنى أن التحدي الذي واجه مشروع سكة الحجاز كان جيوسياسيًا عسكريًا صرفًا.
يندرج إحياء مشروع سكة الحجاز، الذي وُقِعَ بين تركيا والسعودية في 9 من حزيران الماضي، في تشكيل شبكة إقليمية قابلة للتوسع من أجل تعزيز الربط البري، وتوفير مسارات بديلة للنقل والتجارة، إذ تخطط تركيا لمد السكك الحديدية إلى مدينة حلب، وطموحها يصل إلى سلطنة عُمان، لكن إحياء المشروع يواجه تحديات عدة، أولها يتعلق بالتكاليف المالية، إذ تقدّر التكلفة لتحديث وتأهيل المشروع بكامله في الدول الخمسة بـ35 مليار دولار، ففي الأردن، قُدّرت التكلفة الأولية لإنشاء شبكة وطنية بطول 900 كيلومتر بثلاثة مليارات دولار، أما في سوريا فقد طال الدمار 70% من البنية التحتية للسكة منذ عام 2011، وبدأ البنك الدولي هذا العام بدراسة إعادة تأهيل السكك الحديدية السورية، وتُقدّر قيمة الاستثمارات المطلوبة لتأهيل هذا المشروع في سوريا بـ 5.5 مليار دولار.
وتختلف خصوصية التحديات من بلد إلى آخر، ولكن في الإطار السوري تحديدًا، فإن رفع العديد من العقوبات وتخفيف بعضها لم يؤدِّ إلى إلغاء حذر العديد من المؤسسات المالية والتجارية من التعامل مع سوريا، والامتثال للعقوبات، والخوف من غسل الأموال، وصعوبة التحويلات المالية، وارتفاع تكلفة التأمين على المشاريع. كما أن التحديات الهيكلية التي تؤثر على مشاريع البنية التحتية ومن ضمنها السكك الحديدية، تتمثل في ضعف سيادة القانون، فرغم إصدار مرسوم تعديل قانون الاستثمار 114، لا تزال القيود والعراقيل والترهلات الإدارية و”شبهات الفساد” والبيروقراطية شكاوى حاضرة تعوق بيئة الاستثمار، بالإضافة إلى التفرد بالقرار، والمحسوبيات، وغياب الشفافية والرقابة على “الصندوق السيادي” الساعي لجذب الاستثمار.
وثاني تحديات إحياء مشروع سكة الحجاز يتعلق بالتنسيق المؤسسي بين الدول، والأطر الفنية والتشريعية، ومن ضمنها اتفاقات جمركية موحدة تتبنى معايير النقل الدولي، فحتى لو اكتملت أعمال البناء فإن ضعف هذا العامل قد يؤخر المشروع.
أما ثالثها فيتعلق بمحاولات الهيمنة الإسرائيلية الممنهجة عبر الأداة الاقتصادية (IMEC) المرتبطة عضويًا بالتطبيع مع السعودية بشكل خاص.
بدأت فكرة المشروع في سياق تعاون إقليمي خلال اجتماع تركي- سوري- أردني في عَمان بتاريخ 11 من أيلول 2025، وازدادت أهميته مع تصاعد تهديدات الملاحة في مضيق هرمز بعد أن منعت إيران مرور السفن التجارية دون تنسيق معها، وتعقد الأمر مع تسلسل الأحداث إثر الحصار الأمريكي على موانيها، واستهداف إيراني لسفن أرادت العبور من الجانب العُماني من المضيق، وتوسع رقعة الحرب بعد أن فرضت جماعة “أنصار الله” (الحوثيون) حصارًا بحريًا على السعودية، وارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لعبور باب المندب بشكل عام، وبشكل أعلى للسفن المرتبطة بالسعودية، وتصاعدت التحديات بعد إعلان “الحوثيين” دراسة فرض رسوم على السفن في البحر الأحمر، ورفض إيراني للمقترح العُماني في تقاسم إدارة الممر بمضيق هرمز مناصفة بينهما، وإصرارها على التحكم به.
خلاصة القول، بالمقارنة مع الممر الهندي الذي يشترط التطبيع مع الاحتلال، ويضعه في المركز، ومشروع إحياء سكة الحجاز، فإن الأخير يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية خارج الهيمنة الإسرائيلية، ويعتبر أي نجاح لإحيائها قد يضعف الأهمية الاستراتيجية لـ”الممر الهندي- الشرق الأوسط” (IMEC) الذي يمنح إسرائيل موقعًا محوريًا في الربط بين آسيا وأوروبا، ومن هذه الزاوية، لا يعتبر المشروعان محايدين، بل هندسة للنفوذ وإعادة إنتاج لخرائط القوة.
