عنب بلدي – وسيم العدوي
تتجه وزارة المالية السورية ومجلس الإدارة الجديد للمصرف الصناعي السوري، حاليًا، إلى فتح نافذة إسلامية في المصرف الصناعي السوري.
المصرف الصناعي هو بنك حكومي تقليدي يعتمد على الفائدة في تحقيق جزء من أرباحه إلى جانب العمولات المصرفية ورسوم الخدمات الأخرى، فيما تُعرف المصارف الإسلامية بأنها مؤسسات مالية مصرفية تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية في جميع معاملاتها، حيث تبتعد تمامًا عن التعامل بالفوائد الربوية “منحًا أو تسديدًا”، أو أي عمل يخالف أسس الإسلام، بما يحقق عدالة التوزيع ويعزز التكافل الاجتماعي.
وفي أيار الماضي، بحث وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في اجتماع مع مجلس الإدارة الجديد للمصرف الصناعي السوري برئاسة عبد الله العلبي، الدراسة التي أعدتها إدارة المصرف حول إطلاق نافذة لخدمات ومنتجات مصرفية متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.
الاجتماع جاء عقب آخر مماثل عقده مجلس إدارة المصرف الصناعي في حزيران الماضي، أقر بموجبه إطلاق منتج تمويلي بصيغة “المرابحة الإسلامية” بعد استكمال الموافقات اللازمة، بهدف تمويل خطوط الإنتاج الحديثة للمنشآت الصناعية والاستثمارية، مع تقديم مزايا تفضيلية للمنشآت المتضررة.
وفي الاجتماع ذاته، وجه العلبي (المكلف بإدارة المجلس من قبل وزير المالية السوري)، بإعداد دراسة متكاملة لطرح منتجات تمويلية متناهية الصغر دون فوائد، وذلك ضمن ضوابط وتعليمات مجلس النقد والتسليف، بهدف توفير التمويل اللازم للمشاريع متناهية الصغر ومساندة متوسطي الدخل في تنمية أعمالهم وتحسين مصادر دخلهم.
ولا يسمح المرسوم التشريعي رقم “35” لعام 2005، الذي يقضي بتأسيس مصارف إسلامية خاصة، بوضوح بفتح “نوافذ إسلامية” داخل المصارف الحكومية التقليدية القائمة، وهو يتطلب تشريعًا خاصًا من مجلس النقد والتسليف.
وتثار التساؤلات حول قدرة المصرف الصناعي على تولي طبيعة مزدوجة في الإقراض بفوائد (بحسب نظام عملياته الحالي)، ودون فوائد (مرابحة إسلامية)، مع العلم أن هذا المصرف يساهم بنسبة 10% من رأس مال البنك الوطني الإسلامي المملوك لمجموعتي “قاطرجي” و”مارتيني” المقربتين من النظام السوري السابق، ما يعكس توجهًا مسبقًا لدعم قطاع الصيرفة الإسلامية.
حصة سوقية لا تتجاوز 15% من القطاع الخاص
يضم قطاع الصيرفة الإسلامية في سوريا أربعة مصارف إسلامية هي: بنك الشام، بنك سوريا الدولي الإسلامي، مصرف البركة سوريا، البنك الوطني الإسلامي.
وبحسب التقارير السنوية لهيئة الأوراق والأسواق المالية السورية، فإن الحصة السوقية لهذه المصارف مجتمعة من إجمالي الأصول والودائع في القطاع المصرفي السوري الخاص تتراوح ما بين 12 و15% فقط.
عنب بلدي توجهت بمجموعة من التساؤلات إلى المصرف الصناعي حول الخطوات التي تم اتخاذها لإحداث نافذة إسلامية مع المصرف، دون أن تتلقى جوابًا حتى تاريخ إعداد التقرير، بينما اعتبر مدير عام أحد المصارف الحكومية (تحفظ على نشر اسمه) في حديث إلى عنب بلدي، أن أي توجه نحو تقديم منتجات مصرفية إسلامية لا يقتصر على اتخاذ قرار إداري، وإنما يحتاج إلى استكمال سلسلة طويلة من المتطلبات التنظيمية والرقابية.
وقال إن المتطلبات الأولى تتمثل في:
- صك تشريعي يوضح إمكانية إحداث نافذة إسلامية ضمن بنك تقليدي (سواء كان عامًا أو خاصًا).
- الحصول على ترخيص من مصرف سوريا المركزي.
- تشكيل هيئة رقابة شرعية معتمدة ضمن الهيكل التنظيمي للمصرف، بحيث تكون المرجعية الشرعية لجميع المنتجات والخدمات الإسلامية، ولا يقتصر دورها على إبداء الرأي في عقود المرابحة، بل يمتد إلى الإشراف على مختلف العمليات المرتبطة بالنافذة الإسلامية.
وأكد ضرورة تخصيص رأس مال مستقل للنشاط الإسلامي، والتأكد من أن جميع الأموال الموجهة للتمويل الإسلامي تأتي من مصادر مشروعة ومتوافقة مع أحكام الشريعة، وذلك استنادًا إلى معايير هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI).
متطلبات محاسبية وتقنية معقدة
أوضح مدير المصرف أن العميل الذي يفتح حسابًا وفق الصيغة الإسلامية ينتظر الحصول على عائد ناتج عن استثمارات وتمويلات متوافقة مع الشريعة الإسلامية، وليس عن الفوائد التقليدية، لذلك فإن مصدر العائد يجب أن يكون ناتجًا عن عمليات مثل المرابحة أو غيرها من صيغ التمويل الإسلامية.
ولا يقتصر التحول على مصادر الأموال، وإنما يشمل أيضًا النظام المحاسبي، إذ ينبغي اعتماد المعايير المحاسبية الإسلامية في القيود والاعتراف المحاسبي، إلى جانب توفير أنظمة تقنية قادرة على استيعاب هذا النوع من العمليات.
وعندها سيصبح المصرف الصناعي السوري (على سبيل المثال) ملزمًا بإعداد ميزانيتين منفصلتين، إحداهما وفق المعايير التقليدية والأخرى وفق المعايير الإسلامية، قبل دمجهما في قوائم مالية موحدة، وهو ما يزيد الأعباء التشغيلية والمحاسبية على كاهل كوادر المصرف، بحسب المدير ذاته.
وأبدى المدير المصرفي استغرابه من الإصرار على فتح نافذة إسلامية في بنك تقليدي.
ويبقى الخيار الأفضل، بحسب المدير، إنشاء فروع إسلامية مستقلة في المصرف التقليدي، بدلًا من مجرد نافذة داخل الفرع التقليدي، بما يضمن الفصل الكامل بين الأموال والعمليات، ويزيل أي إشكال يتعلق بخلط الأموال، مؤكدًا أن تنفيذ هذا النموذج يحتاج إلى استثمارات كبيرة تشمل تدريب الكوادر، وشراء الأنظمة والبرامج التقنية، واستكمال جميع المتطلبات التنظيمية والإدارية.
آلية إدارة الحسابات المصرفية الإسلامية
تطرق مدير المصرف إلى آلية إدارة الحسابات الإسلامية، موضحًا أن هذه الحسابات ترتبط بمنظومة متكاملة من الإجراءات الرقابية التي يشرف عليها مصرف سوريا المركزي، وأن تطبيق الصيرفة الإسلامية لا يقتصر على افتتاح حسابات جديدة، وإنما يشمل:
- إعادة تنظيم حركة الأموال وآليات إدارتها بما يتوافق مع الضوابط الشرعية.
- خضوع الفوائض المالية المتولدة عن الحسابات الإسلامية لآليات خاصة في الإدارة والتوزيع.
- تنظيم فني وتشريعي دقيق للعلاقة بين المصرف والمركزي السوري فيما يتعلق بإدارة السيولة والاحتفاظ بالفوائض وتوظيفها.
المصارف الإسلامية ومنتجاتها
قبل الحديث عن الأرقام، ينبغي التمييز بين ثلاثة مؤشرات كثيرًا ما يجري الخلط بينها، رغم أن كلًا منها يقيس جانبًا مختلفًا من القطاع المصرفي.
ولخص الخبير الاقتصادي والمصرفي السوري الدكتور محمود عبد الكريم هذه المؤشرات بما يلي:
- رأس المال المدفوع: الأموال التي ضخها المساهمون عند تأسيس المصرف أو زيادة رأس ماله، وهو خط الدفاع الأول عند وقوع الخسائر.
- حقوق الملكية: رأس المال مضافًا إليه الأرباح المحتجزة والاحتياطيات، وهو المؤشر الأهم على متانة المصرف وقدرته على تحمل المخاطر.
- حجم السوق: يتمثل في قيمة التمويلات والودائع والمنتجات المصرفية التي يقدمها المصرف للعملاء، وهو الرقم الذي يعكس النشاط الحقيقي.
أما المنتجات المصرفية الإسلامية فهي أدوات تمويل واستثمار لا تعتمد على الفائدة، وإنما تقوم على البيع أو التأجير أو الشراكة أو الاستثمار في أصول حقيقية.
فبدل أن يمنح المصرف قرضًا بفائدة، قد يشتري سلعة ويبيعها للعميل بربح معلوم (المرابحة)، أو يشتري آلة ويؤجرها له حتى يمتلكها (الإجارة المنتهية بالتمليك)، أو يدخل شريكًا معه في مشروع (المشاركة)، أو يمول تصنيع أصل معيّن (الاستصناع).
لذلك، أكد عبد الكريم أن قيمة هذا السوق لا تعني حجم الأموال الموجودة في المصارف فقط، بل حجم هذه العمليات التمويلية بأشكالها المختلفة.
قطاع صغير لكنه الأسرع نموًا
بحسب البيانات المتوفرة حتى نهاية عام 2025، بلغت حقوق ملكية جميع المصارف الخاصة السورية نحو 8.7 تريليون ليرة سورية (بالعملة القديمة)، أي ما يعادل نحو 795 مليون دولار.
ولفهم دلالة الرقم، قال المصرفي السوري الدكتور محمود عبد الكريم، إنه يكفي القول إن هذه القيمة تعادل تقريبًا حقوق ملكية مصرف متوسط الحجم في الأردن أو مصر أو تونس، ما يعني أن القطاع المصرفي السوري الخاص بأكمله، بمصارفه التقليدية والإسلامية، لا يزال من أصغر القطاعات المصرفية عربيًا.
ونظرًا إلى أن المصارف الإسلامية تمثل ستة مصارف من أصل 15 مصرفًا خاصًا، وكانت صاحبة الأداء الأقوى خلال السنوات الأخيرة، فإن حصتها التقديرية من حقوق الملكية تتراوح بين 350 و450 مليون دولار، وهي تقديرات تستند إلى الأداء المالي، في ظل غياب بيانات تفصيلية منشورة بصورة منتظمة لكل مصرف.
حجم السوق.. هنا تكمن القصة
إذا كان رأس المال يعكس قوة المصرف، فإن حجم التمويل الإسلامي هو الذي يكشف اتجاه السوق.
وقال الدكتور عبد الكريم، إن أصول المصارف الإسلامية ارتفعت من 18.2 تريليون ليرة إلى 25 تريليون ليرة بين عامي 2023 و2024، بنمو تجاوز 37% خلال عام واحد.
وفي الوقت نفسه، استحوذت المصارف الإسلامية على نحو 93% من إيرادات القطاع المصرفي السوري، مقابل 7% فقط للمصارف التقليدية، بالتزامن مع تراجع ودائع الأخيرة بنسبة 37%، وارتفاع الطلب على منتجات التمويل الإسلامي، ولا سيما المرابحة، بحسب الخبير السوري.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه الأرقام بحذر، لأنها محسوبة بالليرة السورية قبل إعادة هيكلة العملة، وفي ظل معدلات تضخم مرتفعة تجعل المقارنات الزمنية بالقيم الاسمية مضللة، لذلك تبقى النسب المئوية والتقييم بالدولار أكثر دقة عند قياس النمو الحقيقي.
السوق الحقيقي خارج المصارف
رغم النمو الملحوظ، فإن الفرصة الكبرى لا تزال خارج القطاع المصرفي نفسه، فالجزء الأكبر من المدخرات السورية لا يزال موزعًا بين النقد المكتنز في المنازل والذهب وشبكات الحوالات غير الرسمية، بعيدًا عن الجهاز المصرفي.
ولو نجحت المصارف الإسلامية في استقطاب ربع هذه المدخرات فقط، بالتزامن مع جذب جزء من أموال السوريين في الخارج، فمن الممكن أن يتضاعف حجم سوق التمويل الإسلامي عدة مرات خلال السنوات الخمس المقبلة.
وقال الدكتور محمود عبد الكريم، إن مستقبل هذا القطاع لن يتحدد بحجم رؤوس أمواله الحالية، بقدر ما سيتحدد بقدرته على استعادة الأموال الموجودة خارج المنظومة المصرفية، وهي الكتلة المالية التي تمثل اليوم الفرصة الكبرى للنمو.
