لم ترتبط حلب عبر تاريخها، خاصة في القرن الـ19، باعتبارها مركزًا تجاريًا فحسب، وإنما كانت أيضًا ملتقى للحياة الأدبية والثقافية، حيث احتضنت مجالس العلم والأدب، وبرز فيها شعراء وكتّاب تركوا أثرًا في تاريخ المدينة الثقافي.
وفي محاولة لحفظ هذه الذاكرة، ألّف الأديب الحلبي قسطاكي الحمصي كتابه “أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر”، الذي يعد من أبرز المؤلفات التي وثقت الحركة الأدبية في حلب خلال تلك المرحلة وأبرز الكتّاب والشعراء.
ويضم الكتاب الذي جاء على شكل دراسة تراجم لما يقارب 50 أديبًا حلبيًا، ليوثق دورهم في حركة التأليف والترجمة والصحافة التي شهدتها حلب آنذاك.
الحمصي قدم تفاصيل عن شخصياتهم، متناولًا أنسابهم ونشأتهم وتعليمهم ومكانتهم الاجتماعية، إضافة إلى طباعهم وصفاتهم الخَلقية والخُلقية، قبل الانتقال إلى الحديث عن إنتاجهم الأدبي وما تركوه من شعر أو مؤلفات أو آثار فكرية.
ومن بين الشخصيات التي تناولها الحمصي في كتابه، السيد مسعود الكواكبي، والصحفي الشهير رزق الله حسون، ومحمد أسعد الجابري، ومريانا مراش، إلى جانب عدد من الأدباء والشعراء والعلماء الذين كان لهم حضور في الحياة الثقافية الحلبية.
وتبرز أهمية حضور مريانا مراش في الكتاب، إذ يشير إلى مشاركة المرأة في المشهد الأدبي الحلبي خلال القرن الـ19، وهي الفترة التي بدأت فيها أسماء نسائية بالظهور في الحياة الثقافية العربية، إلى جانب شقيقها الأديب والطبيب فرنسيس مراش الذي يعد من رواد النهضة الفكرية في حلب.
الحمصي وثّق عبر تراجم شخصياته تنوع المشهد الثقافي في المدينة، فلم يقتصر على الشعراء فقط، بل شمل شخصيات دينية وأدبية وعلمية كان لها تأثير في عصرها.
أما قسطاكي الحمصي نفسه فكان أحد أبرز أدباء حلب في أواخر القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20، واهتم بالنقد الأدبي وجمع أخبار الشعراء، وجاء كتابه هذا نتيجة اهتمامه بحفظ سير أدباء مدينته وتوثيق مرحلة مهمة من تاريخها الثقافي.
كما يتضمن الكتاب مقتطفات من قصائد الأدباء ونماذج من إنتاجهم الأدبي، ويعرض مؤلفاتهم ومجالات اهتمامهم الفكرية، ليكون الكتاب بذلك أقرب إلى أرشيف ثقافي يوثق النتاج الأدبي الحلبي خلال القرن الـ19.
ويوضح الكتاب أن الحياة الثقافية في حلب لم تكن مقتصرة على تيار فكري واحد، إذ ضمت أدباء من خلفيات دينية وثقافية متعددة.
مَن قسطاكي الحمصي؟
قسطاكي الحمصي (1858-1941)، أديب وشاعر وناقد سوري من مدينة حلب، ويعد من أبرز أعلام النهضة الأدبية العربية في أواخر القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20.
عمل في مجالات الشعر والترجمة والنقد والتأليف، وترك عددًا من المؤلفات التي تناولت الأدب والتاريخ والثقافة، من أبرزها “أدباء حلب ذوو الأثر في القرن التاسع عشر” و”منهل الوراد في علم الانتقاد”، الذي يعد من أوائل الكتب العربية التي تناولت النقد الأدبي بصورة منهجية.
