تفرج على الدراما السورية

  • 2026/08/02
  • 6:48 م
خطيب بدلة

خطيب بدلة

enab_get_authors_shortcode

خطيب بدلة

الإنسان، بطبيعته، يحب الفرجة، يعود ذلك إلى الفضول، والرغبة العارمة في الاطلاع على ما يجهل. تبدأ رواية “مئة عام من العزلة”، للأديب الكولومبي غابريال غارسيا ماركيز، الحائز على جائزة نوبل للآداب، بعبارة: عندما وقف العقيد أوريليانو أمام فصيل الإعدام، تذكر عصرَ ذلك اليوم البعيد، عندما صحبه أبوه للفرجة على الغجر. ومن الطرائف الحمصية الشهيرة، أن والي حمص، أيام العثمانيين، أعلن الـ”يَسَق”، أي منع التجول، فخرج أهل حمص، ليتفرجوا على الـ”يَسَق”!

قدم أبو خليل القباني أولى مسرحياته في دمشق سنة 1871، وكانت البلاد، وقتها، غارقة في الأمية والجهل، ومع ذلك كان الشبان والصبايا يتراكضون نحو المسرح، ليتفرجوا على رجال يشخصون أدوار أناس آخرين، ويغنون، ويرقصون، وكانت الجماعات الدينية، كالعادة، تتربص لهذا الفن، وتحاربه، وقصة إحراق مسرح أبي خليل القباني معروفة. وشى الأصوليون بأبي خليل، لحكومة العاصمة، اسطنبول، واتهموه بالترويج للفسوق، وإفساد الصبايا والشبان، وعندما يئسوا من إيقافه عن الإبداع، أحرقوا المسرح. ومع افتتاح إذاعة دمشق، في شهر شباط 1947، تحرر الناس، إلى حد ما، من سطوة تلك الجماعات، إذ صار بإمكان المواطن أن يسمع الأغاني، بالإضافة إلى تمثيليات القصاص الشعبي، حكمت محسن، وهو جالس في منزله. وكان حكمت محسن يجذب مستمعيه، من خلال الكاراكترات الشعبية التي أبدعها، مثل المتفذلكة، اللمضة، أم كامل، وصاحب القلب البارد، أبو فهمي، والعصبي، النيراني، أبو رشدي، وكانوا يبلغون قمة السرور، وهم يصغون إلى ثنائيات صابر وصبرية، التي كان يكتبها وليد مارديني، وتؤديها صبا المحمودي مع تيسير السعدي.

سنة 1960، وخلال احتفال السوريين بذكرى انقلاب الضباط الأحرار في مصر، يوم 23 من تموز، دخلنا في عصر التلفزيون، فصار هاجس الفرجة يزداد لدى السوريين، وتعرفوا، من خلال ساعات البث القليلة، على بعض نجوم الكوميديا، فكانت شوارع المدن السورية تخلو من المارة، كما لو أنها في حالة “يَسَق”، في أثناء عرض أي عمل كوميدي من تأليف نهاد قلعي، وإخراج خلدون المالح، وبطولة دريد لحام، ونهاد قلعي، ورفيق السبيعي، ونجاح حفيظ.

اشتغل صناع الدراما السورية، من مخرجين وفنيين وممثلين، وهذا ما لا يعرفه معظم المشاهدين، في ظروف إنتاجية فقيرة، وصعبة، وكانت تقنيات المونتاج بدائية، تتطلب من الممثلين أن يحفظوا أدوارهم غيبًا، ولا يجوز لأي منهم أن يتعثر (يعك)، والأمر نفسه ينطبق على الموسيقيين، وعمال الإضاءة، فإذا وقع أي خطأ، كانوا يضطرون للإعادة، من الأول.

ومع ذلك، استطاعوا أن يخلقوا حالة فرجة احتفالية، نادرة، وبفضلهم، أصبحت لهجة أهل مدينة دمشق مفهومة في مختلف أنحاء البلاد. وللعلم، كانت الدراما المصرية، في تلك الآونة، متقدمة من الناحية الإنتاجية، مع أن التلفزيون المصري افتتح في اليوم نفسه، 23 من تموز، والفضل في تقدمها يعود إلى أن السينما المصرية كانت متقدمة، ومنتشرة في مختلف البلاد الناطقة بالعربية، منذ سنة 1895، ومعلوم أن آلية الإنتاج التلفزيوني قريبة من آلية الإنتاج السينمائي، أضف إلى ذلك أن نجوم السينما أنفسهم، صاروا يشاركون في الأعمال التلفزيونية.

مقالات متعلقة

  1. "قصة موت معلن".. أن يكون الموت والخلاص واضحين لكنك لا تنجو
  2. حديث الكرة والمونديال
  3. ماركيز يكتب الوصفة السورية!
  4. رضوى عاشور وثلاثية غرناطة

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي