حازم داكل
قبل 15 سنة تقريبًا، في 17 شباط 2011 تحديدًا، تحولت مشكلة بسيطة بين تاجر وشرطي مرور عند إشارة الدرويشية إلى واحدة من أولى شرارات الثورة السورية في دمشق. أغلق تجار سوق الحريقة محالهم، وصدح للمرة الأولى في العاصمة هتاف “الشعب السوري ما بينذل”. الثمن الذي دفعه أولئك التجار لاحقًا كان اعتقالًا وتعذيبًا ونهبًا لمحالهم.
هذا الأسبوع، عاد سوق الحريقة ليكون مسرحًا لإضراب جديد، قاده هذه المرة تجار ينحدر أغلبهم من بلدة عين منين، احتجاجًا على اعتقال عشرات الشبان من البلدة على خلفية خلاف حول توزيع المياه. أُغلق نحو 90% من محال السوق العائدة لتجار عين منين، وانضم إليهم سوق الصوف بإضراب شبه كامل تضامنًا.
وأعترف أنني، وأنا أتابع أمس تفاصيل الإضراب ساعة بساعة، شعرت بشيء لم أشعر به منذ سنوات وأنا أتابع أخبار سوريا: أن أداة الضغط السلمي، التي غابت طويلًا ودُفع ثمن ممارستها دمًا، عادت لتحقق نتيجة ملموسة خلال ساعات قليلة فقط. توجه وفد حكومي إلى البلدة، وتفاوض مباشرة مع الأهالي والوجهاء، وانتهى الأمر بإخلاء سبيل جميع الموقوفين دون استثناء، مقابل التزام بدراسة واقع الآبار وشكاوى توزيع المياه.
هذا الفرق بين حريقة 2011 وحريقة اليوم، بين القمع والتفاوض، هو ما يستحق التوقف عنده أكثر من تفاصيل القضية نفسها. فهو لا يقيس فقط كيف تصرفت سلطة اليوم مقارنة بالأمس، بل يقيس شيئًا أعمق: هل تملك الأدوات السلمية، كالإضراب والاعتصام والتفاوض، القدرة على حل أزمة حقيقية في سوريا الجديدة دون أن تتحول إلى مواجهة دموية؟ الإجابة، هذه المرة على الأقل، كانت نعم.
لكن الحذر يبقى ضروريًا هنا، وهو الجزء الذي أخشى أن يغيب عن كثيرين وهم يحتفلون بنتيجة الإضراب. فالسلطة قد تكون استجابت هذه المرة لأنها حسبت كلفة إضراب في قلب دمشق، في سوق تاريخي ومركزي، مع احتمال تضامن مناطق أخرى، كلفةً أعلى من كلفة التنازل. لا لأنها تبنت الحوار مبدأً ثابتًا تتعامل به مع كل أزمة. والفارق بين الاثنين كبير: الأول قرار محسوب، قابل للتراجع في أول أزمة أقل ضجيجًا أو أقل قدرة على التنظيم والتضامن. أما الثاني، فوحده يستحق أن يُبنى عليه.
اليوم وجد أبناء عين منين من يسمعهم، لأنهم كانوا منظمين، وقادرين على التأثير المباشر في قلب اقتصاد العاصمة. لكن ماذا عن بلدة أصغر، أو مجموعة أقل قدرة على الإضراب أو التفاوض أو حشد التضامن؟ هذا هو الاختبار الحقيقي القادم، لا اختبار اليوم. فالمجتمعات لا تُقاس بقدرتها على الاستجابة لمن يملك أدوات ضغط قوية فقط، بل بقدرتها على معاملة الأضعف بالمنطق نفسه.
ما حدث في عين منين وسوق الحريقة ليس خبرًا يُنسى مع نهاية الأسبوع. هو مؤشر أول، لا أكثر ولا أقل. ونجاح واحد لا يصنع قاعدة، ولا يكفي ليكون دليلًا نهائيًا على تحول جذري في طبيعة السلطة. المطلوب أن يتكرر هذا النمط في كل أزمة مشابهة، بغض النظر عن حجم الطرف المتضرر أو قدرته على التنظيم، لا أن يبقى استثناءً نحتفي به لأنه نادر.
عندها فقط، حين تصبح الاستجابة للاحتجاج السلمي هي القاعدة لا الاستثناء المحرج، يمكننا القول إن سوريا بدأت فعلًا تبني دولة قانون ومؤسسات، لا دولة تحسب كلفة كل أزمة على حدة.
