من مستشفى للأمراض العقلية، تنتهي حكاية “أمل”، امرأة مسنة تهرب من واقعها، فتستعيد حياتها كاملة على خشبة المسرح: طفلة حُرمت من التعليم، شابة مُنعت من اختيار من تحب، زوجة فرض عليها زواج لا تريده، وأم انتهت وحيدة بعدما خذلها الجميع.
بهذه الرحلة الزمنية، قدّم عرض “ليلة الوداع” ضمن فعاليات مهرجان دمشق الفرعي المسرحي، على خشبة مسرح “الحمراء”، مساء الاثنين 3 من آب، في عمل يطرح قضايا المرأة وحقها في الاختيار والتعليم والحب، من دون أن يربطها بزمان أو مكان محددين.
المسرحية من تأليف جوان جان، وإعداد وسينوغرافيا وإخراج سعيد الحناوي، وقدمتها الممثلات مروى الزير، ونور النجار، وديالا العلي، وهالة البدين، عبر تجسيد شخصية واحدة هي “أمل” في أربع مراحل عمرية مختلفة.
امرأة واحدة.. وأربع حيوات على الخشبة
تدور أحداث المسرحية حول “أمل”، التي تستعيد محطات حياتها بعدما وجدت نفسها في مستشفى الأمراض العقلية، بعدما كانت بدار للمسنين، قبل أن تهرب منها، لتبدأ رحلة استذكار مؤلمة تكشف حجم الخسارات التي مرت بها.
فالطفلة التي مُنعت من متابعة تعليمها بقرار من والدها، تكبر وهي تحمل جرح الحرمان، قبل أن تمنع من الزواج بمن تحب، “يوسف”، بعدما رفض والدها ارتباطهما، لتُجبر لاحقًا على الزواج من “أبو سليم” الذي لم يمنحها الحياة التي حلمت بها.
ولا تتوقف الخيبات عند الأب، والحبيب “يوسف” الذي يخونها يوسف ويتزوج من أخرى، والزوج “أبو سليم”، الذي فُرض عليها، لتجد نفسها في شيخوختها وحيدة بعدما تركها أبناؤها أيضًا، لتصل إلى لحظة الانهيار ، حيث تختلط الذكريات بالحاضر، وتتحول الشخصيات المحيطة بها إلى أرواح تستعيد معها محطات عمرها المختلفة،
أربع ممثلات.. روح واحدة
اعتمد العرض على شخصية “أمل” التي جسدتها أربع ممثلات في أربع مراحل عمرية مختلفة، لتروي رحلة امرأة تبدأ بحرمانها من الدراسة، ثم منعها من الزواج ممن تحب، وإجبارها على الارتباط برجل لا تريده، وصولًا إلى شيخوخة تنتهي فيها وحيدة داخل دار للمسنين.
الأمر الذي يعتبر أحد أبرز عناصر العرض، في تجربة اعتمدت على وحدة الأداء والانفعال أكثر من اعتمادها على تعدد الشخصيات.
وقالت الفنانة ديالا العلي لعنب بلدي، إن التحدي الأكبر كان أن تبدو الممثلات الأربع وكأنهن “روح واحدة ولسان واحد”، وهو ما احتاج إلى انسجام كبير في الإحساس والأداء، وأنها تجسد المرحلة الأخيرة من عمرها، إذ تصل في النهاية إلى مرحلة لا تجد فيها أحدًا بجانبها، بعدما خذلها والدها، وحبيبها، وزوجها، وحتى أبناؤها.
بدورها، أوضحت الفنانة مروى الزير لعنب بلدي، أن كل ممثلة أدت مرحلة عمرية مختلفة من “أمل”، لكن الظلم الذي يرافق الشخصية يبقى حاضرًا بأشكال متعددة في جميع المراحل، شارحة “أمل تتعرض في كل مرحلة من حياتها لشكل جديد من الظلم والقهر، سواء كان عاطفيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا”.
بينما أكد المخرج سعيد الحناوي أن المسرحية ترصد حياة امرأة منذ ولادتها حتى وفاتها، وما تتعرض له من قهر تمارسه السلطة الذكورية ممثلة بالأب والزوج والابن، في محاولة لرصد معاناة لا تخص امرأة بعينها، بل شريحة واسعة من النساء.
وأوضح، لعنب بلدي، أن الوصول إلى هذا التناغم استلزم تدريبات مكثفة مع كل ممثلة على حدة، لفهم دوافع الشخصية وانفعالاتها، حتى يظهر الانتقال بين المراحل العمرية طبيعيًا أمام الجمهور.
دعوة لإنصاف المرأة.. ورسالة تتجاوز حدود المسرح
لم يكتف العرض بسرد حكاية شخصية، بل حاول تحويلها إلى رسالة اجتماعية تدعو إلى إعادة النظر في واقع المرأة.
وترى مروى الزير أن المسرحية تمثل دعوة للتوصية بالنساء، لافتة إلى أن كثيرات ما زلن حتى اليوم يُحرمن من التعليم أو من اختيار شريك الحياة، رغم ما يفترض أنه تطور اجتماعي.
وتقاطعت معها ديالا العلي، التي قالت إن الهدف من العمل هو تسليط الضوء على قضايا العنف والإهمال التي تتعرض لها بعض النساء، معربة عن أملها بأن تختفي هذه القصص من الواقع لا أن تتراجع فقط.
أما الحناوي، فاعتبر أن منح المرأة حقوقها الفكرية والاجتماعية والمادية هو أساس بناء مجتمع سليم، داعيًا إلى عدم حرمان النساء من أبسط حقوقهن، وفي مقدمتها الحب والتعليم وحرية الاختيار.
بين الرسالة والصعوبات الإنتاجية
ورغم الرسالة الإنسانية التي يحملها العمل، يؤكد صنّاعه أن إنتاج المسرحية لم يكن سهلًا.
وقال الحناوي إن ضيق الوقت والإمكانات المادية شكلا أبرز التحديات خلال التحضير، مشيرًا إلى أن العاملين في المسرح يقدمون أعمالهم بدافع الشغف أكثر من أي مقابل مادي، داعيًا إلى دعم الحركة المسرحية حتى تتمكن من الاستمرار.
وفي المقابل، ترى بطلات العمل أن تفاعل الجمهور، وما حمله من تأثر مع الأحداث، شكل مؤشرًا على وصول الرسالة التي أرادها العرض، وهي أن قصة “أمل” ليست مجرد حكاية مسرحية، بل دعوة للتوقف أمام واقع المرأة وما تواجهه من قيود وخيبات عبر مراحل حياتها.
