تشهد مؤونة الأجبان في محافظة الرقة تراجعًا ملحوظًا في قدرتها على الوصول إلى شريحة واسعة من الأسر، نتيجة الارتفاع الكبير في أسعارها خلال العام الحالي، وقد دفع هذا الغلاء العديد من العائلات إلى الاستغناء عنها، رغم كونها من المواد الغذائية التي اعتادت الأسر على إعدادها وتخزينها ضمن مؤونتها السنوية.
وسجلت أسعار أجبان الغنم خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة ارتفاعًا كبيرًا تجاوز 30%، إذ وصل سعر الكيلوجرام الواحد إلى 46 ألف ليرة سورية قديمة (460 ليرة جديدة).
وخفّضت حليمة العلي كمية مؤونة أسرتها من الجبنة إلى النصف بسبب ارتفاع أسعارها وعدم قدرتها على شراء احتياجات أسرتها كاملة.
وقالت حليمة، لعنب بلدي، إنها كانت تُعدّ سنويًا مؤونة من الجبن تبلغ نحو تنكتين، أي ما يقارب 50 كيلوجرامًا، إلا أن ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية دفعاها إلى خفض الكمية إلى النصف.
اشترت حليمة كيلو الجبنة العام الماضي بـ33 ألف ليرة سورية، واستطاعت حينها تأمين كامل مؤونتها، مضيفة: “أما هذا العام فلم أتمكن من شراء سوى نصف الكمية التي اعتدت على تخزينها”.
وتشتهر محافظة الرقة بتربية المواشي وتعد هذه المهنة الثانية التي يمتهنها سكان المحافظة بعد الزراعة، ما يجعلها إحدى المحافظات المنتجة للأنواع الجيدة من جبنة الغنم.
ارتفاع تكاليف الشراء يفوق الراتب الشهري
يسوّق مربو الأغنام والأبقار منتجاتهم في سوقين رئيسيين بمحافظة الرقة الأول هو سوق القوتلي الواقع في الطرف الشرقي من مدينة الرقة، ويعد السوق الرئيسي في المحافظة، أما الثاني فهو سوق المزارع، ويقع وسط المدينة بالقرب من دوار الدلة.
من جهته، قال محمد الحمادة إنه لا يعتزم شراء الجبن كمؤونة شتوية هذا العام، كما جرت العادة في السنوات السابقة، مرجعًا ذلك إلى ارتفاع تكاليف الشراء، إذ تكلّف “التنكة” الواحدة أكثر من مليون ليرة سورية، وهو مبلغ مرتفع بالنسبة لموظف لا يتجاوز راتبه الشهري مليوني ليرة سورية.
وأضاف الحمادة، لعنب بلدي، أن معظم الأسر هذا العام لم تتمكن من شراء الجبنة بسبب أسعارها المرتفعة وضعف القدرة الشرائية في محافظة الرقة.
بالتوازي، تشهد أسواق محافظة الرقة حالة من الركود الملحوظ نتيجة تراجع القدرة الشرائية لدى السكان، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الدخل وارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات، الأمر الذي دفع كثيرًا من الأسر إلى تقليص نفقاتها والتركيز على تأمين الاحتياجات الضرورية فقط.
ويقول تجار محليون وأصحاب محال تجارية، إن المواطنين باتوا يقتصرون على شراء الكميات الضرورية فقط، بينما تراجعت مبيعات السلع غير الأساسية بشكل كبير.
وقال عدد من أهالي محافظة الرقة، التقتهم عنب بلدي، إن الجبنة أصبحت مادة كمالية بالنسبة لمعظم الأسر محدودة الدخل، وبات الحصول عليها أمرًا صعبًا بسبب ارتفاع أسعارها وتراجع القدرة الشرائية.
وأكد الأهالي أن الجبنة كانت إحدى أهم المواد التي تخزّن ضمن المؤونة المنزلية إلى جانب المربيات والمكدوس واللبنة، لكنها تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مادة يصعب على كثير من العائلات تأمينها، في ظل تراجع الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
ويعتمد آلاف الأهالي على تربية الأغنام كمصدر أساسي أو مكمل لتأمين معيشتهم، سواء من خلال إنتاج اللحوم والألبان ومشتقاتها أو عبر تجارة المواشي.
ضعف في بيع الجبنة محليًا
وشهدت الثروة الحيوانية في محافظة الرقة خلال عامي 2021 و2022 تدهورًا حادًا، تمثل في نفوق وفقدان آلاف رؤوس الماشية وتراجع معدلات تكاثرها بشكل كبير، نتيجة موجات الجفاف التي ضربت المنطقة خلال تلك الفترة.
وأسهم انخفاض معدلات هطول الأمطار وتراجع المراعي الطبيعية وارتفاع أسعار الأعلاف في زيادة الأعباء على المربين، ما دفع العديد منهم إلى تقليص أعداد قطعانهم أو بيع جزء منها لتأمين تكاليف التربية والمعيشة.
وفي السياق ذاته، أوضح تاجر مشتقات الحليب فواز الحمدي أن ذروة إنتاج الجبنة انتهت قبل 20 يومًا، ما أدى إلى ارتفاع أسعارها.
وقال الحمدي، في حديثه لعنب بلدي، إن هذا العام شهد ضعفًا في مبيعات الجبن محليًا، واقتصر شراء الجبن وتموينه على عدد قليل من الأهالي.
وعن إنتاج الجبن في محافظة الرقة وتسويقه، بين أن سعر كيلو الجبنة في بداية الموسم كان 30 ألف ليرة سورية بينما تجاوز حاليًا 40 ألف ليرة سورية.
وأكد الحمدي، في ختام حديثه، أن معظم كميات الجبنة التي تورد إلى أسواق الرقة تنقل إلى المحافظات الأخرى عبر التجار، وتتصدّر محافظة حلب هذه العملية.
