بين “المقاومة” و”المعارضة”: الحقيقة أولًا.. وملف المختطفات نموذجًا

  • 2026/08/05
  • 4:20 م
تعبيرية (عنب بلدي/ مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تعبيرية (عنب بلدي/ مولدة بالذكاء الاصطناعي)

enab_get_authors_shortcode

رامز كبيبو

سوريا اليوم خارجة من 15 عامًا من حرب ونزاع مفتوح، سبقتها 40 عامًا من حكم استبدادي ظالم وفاسد. هذا الإرث الثقيل يجعل واقعها هشًا، ويجعل أي ملف حساس، كملف النساء والفتيات المبلَّغ عن اختطافهن أو فقدانهن، قابلًا لأن يتحول من قضية عدالة إلى وقود لانقسام أهلي جديد. وفي بلد بهذه الهشاشة، لا رفاهية للاستقطاب المطلق: السلم الأهلي والعدالة الاجتماعية ليسا شعارين، بل شرطا بقاء لكل السوريين بمختلف انتماءاتهم الدينية والطائفية والعشائرية والمناطقية والسياسية والفكرية.

من هنا تبرز إشكالية حقيقية في الخطاب المتداول: الخلط بين “المقاومة” و”المعارضة” في التعامل مع السلطة القائمة. فثمة من يرفع شعار “مقاومة” السلطة إلى حد يُفهم منه عداؤها أو مقاطعتها بالكامل. وهذا خطاب مختلف جوهريًا عن المعارضة العقلانية، التي تحاسب السلطة وتنتقدها وتطالبها بالإصلاح من دون أن تقطع كل قناة عملية معها. ممارسة المعارضة العقلانية لا تعني التسليم، كما أن التواصل مع السلطة الراهنة لا يعني منح الثقة أو الشرعية المفتوحة.

ملف المختطفات والمفقودات السوريات مثال دقيق على هذا الالتباس. الأرقام المتداولة عن الحالات متفاوتة بين تحقيقات صحفية وتقارير أممية وحقوقية وأخرى حكومية، وهذا التفاوت لا يعني بالضرورة تناقضًا متعمدًا من أي جهة، بل يكشف غياب سجل وطني موحّد يطابق الأسماء ويتابع المآلات. المطلوب هنا ليس الانفعال ولا تبادل الاتهامات المسيئة بين الناشطين والمؤيدين للسلطة الحالية، بل الدقة والحرفية: التمييز بين المفقودة والمخطوفة والمحتجزة والمخفية قسريًا، وبين ما هو مثبت وما هو غير مثبت. ومن هذه الدقة تحديدًا ينبغي توخي الحذر البالغ في استخدام مصطلح “السبايا” من دون دلائل وقرائن مثبتة، ليس تبرئة لأي جريمة، بل لأن هذا المصطلح، حين يُطلق تعميمًا، يلحق ضررًا مضاعفًا: بالضحايا أنفسهن اللواتي قد يواجهن وصمًا اجتماعيًا لا يستحققنه، وبأسرهن، وبالملف الحقوقي كله الذي يفقد مصداقيته إذا استُبق بأحكام غير مثبتة، وبالسلم الأهلي، وبالمجتمع العلوي الذي يتحمل أعباء خطاب تعميمي لا يمثله.

إن ربط جرائم الخطف والاغتصاب والاعتداء الجنسي في زمننا الراهن بالدين الإسلامي وبالسلطة الحالية في سوريا، باعتبارها سلطة ذات توجهات سياسية إسلامية، دون إثباتات أو قرائن واضحة، لأمرٌ مشين لا يجوز تمريره دون انتقاد صريح وصارم، نظرًا لما لهذا المصطلح من وصمة أخلاقية طويلة الأمد، ومن آثار سلبية جمة على ملف المفقودات السوريات في الدرجة الأولى، وعلى كافة الأطراف السياسية، وعلى سورية ومجتمعها ككل في نهاية المطاف.

المجتمع العلوي اليوم يعيش بين خوفين: خوف محق لدى الأبرياء من الاستهداف أو التمييز الطائفي نظرًا لتاريخ ومنبت السلطة الراهنة، وخوف مختلف في طبيعته من الملاحقة والمحاسبة لدى من كان له صلة فعلية بجرائم النظام السابق. وهذا الخوف، على تفاوت أسبابه، يدفع باتجاه الانكفاء والتقوقع داخل الجماعة، وفقدان الثقة بأي مؤسسة وطنية. وملف “المفقودات”، حين يُعالج بخطاب قطعي ويحوّل كل حالة فردية إلى دليل على سياسة ممنهجة أو إلى تعميم اتهامي شامل، يغذي هذا الخوف بدلًا من أن يعالجه، ويزيد عزلة المجتمع العلوي بدل أن يحميه. الخروج من هذه الحلقة لا يكون بإنكار المخاوف ولا بتضخيمها، بل بخطوات عملية تبني الثقة تدريجيًا نحو مستقبل أفضل لسوريا وكل السوريين.

هنا تحديدًا يصبح التعاون المشروط مع الدولة، بأجهزتها الأمنية والقضائية، ضرورة لا خيارًا: فهي وحدها من يملك صلاحيات تتبع الاتصالات وتفتيش الأماكن وإصدار مذكرات التوقيف وملاحقة الجناة قانونيًا. الإنكفاء عن هذا التعاون باسم “المقاومة” لا يعاقب السلطة بقدر ما يعاقب الضحية التي لا تجد جهة بديلة تملك هذه الصلاحيات. لكن هذا التعاون، كي يبقى مشروعًا، يجب أن يبقى مشروطًا ومراقبًا: بلاغ آمن، وتوثيق حقوقي مستقل موازٍ، ومساءلة معلنة عن كل تقصير أو تورط، من دون أن يتحول إلى استسلام أو رضا بالأداء.

الحقيقة يجب أن تبقى فوق كل موقف سياسي مسبق، وفوق حسابات الصورة والمصلحة الشخصية لأي طرف، ناشطاً كان أم مسؤولًا. وضرورات الواقع السياسي والاجتماعي والدولي لا يمكن تجاهلها، فالسلطة القائمة اليوم هي الأمر الواقع الذي تتعامل معه الدول والمؤسسات الدولية، وهذا وصف لواقع سياسي عملي لا حكم على شرعيتها الكاملة ولا إعفاء لها من النقد والمحاسبة. تحكيم العقل، لا الانفعال، هو ما يخدم الضحايا وأهلهن، ويخدم سورية وأهلها، ويخدم السلم الأهلي والأقليات جميعًا. فالخطاب القطعي غير المسنود بدلائل يضر بكل الأطراف، وعدم المهنية في تناول هذا الملف يضر أولًا بالضحايا وبالناشطين أنفسهم وبالمجتمع العلوي. سوريا، بعد كل ما مرت به، لا تحتمل مزيدًا من القطيعة، وتحتاج إلى عقلانية وصبر وتعاون مشروط يضع الحقيقة والعدالة والسلم الأهلي فوق كل اعتبار آخر.

مقالات متعلقة

  1. "العفو الدولية" تطالب الحكومة بالتحقيق باختفاء نساء علويات
  2. "الداخلية" تكشف نتائج التحقيق بخطف نساء في الساحل
  3. قلق أممي بشأن "اختطاف" نساء من الطائفة العلوية
  4. حلب.. "قسد" تواصل خطف الأطفال وتجنيدهم في ميليشيا "الشبيبة"

قراء

المزيد من قراء