مع ساعات الصباح الأولى، يبدأ عشرات عمال المهن الحرة في السويداء يومهم في ورشات البناء، والحقول، وأعمال النظافة والخدمات، محاولين إنجاز أكبر قدر ممكن من العمل قبل اشتداد حرارة الشمس.
وتفرض طبيعة كثير من المهن على العمال البقاء في أماكن مكشوفة لساعات طويلة، في وقت لا يملك فيه معظمهم خيار التوقف عن العمل، لأن غياب يوم واحد يعني خسارة مصدر دخلهم اليومي.
بأجور ضعيفة..الحر لا يوقف العمل
يقول عدي.ع، وهو يعمل في قطاع الإنشاءات، إن العديد من المهن تتطلب العمل في أماكن مكشوفة، مثل نجارة البيتون (الباطون)، وتركيب الحجر والبلاط الخارجي، وتلبيس الواجهات، وأعمال الحديد، والحفر، ونقل الرمل والإسمنت، إضافة إلى العزل وبعض أعمال الألمنيوم.
في أيام الحر الشديد مثل حر آب الحالي، حيث تتراوح درجات الحرارة عند 40 درجة مئوية، يبدأ عدي العمل عند الساعة الخامسة صباحًا وإنهائه عند الساعة الواحدة قبل ساعات الذروة، إلا أن ذلك ليس ممكنًا دائمًا، إذ تفرض طبيعة بعض الورش الاستمرار حتى ساعات بعد الظهر.
وفي قطاع البناء، يعمل بعض العمال لساعات طويلة تحت الشمس، إذ يذكر أحد العاملين في تركيب الحجر والبلاط أنه يبدأ عمله من السادسة صباحًا حتى الثالثة بعد الظهر، مقابل أجرة يومية تبلغ نحو 75 ألف ليرة سورية قديمة (تقابل 750 ليرة جديدة).
أما حيدر.ش، الذي عمل سابقًا في محل “كومجي”، كان يبدأ عمله من الساعة التاسعة صباحًا وحتى العاشرة ليلًا، وهو ما يعني أكثر من 12 ساعة عمل يوميًا.
دخل حيدر اليومي كان يتراوح بين 100 و150 ألف ليرة يتم تقاسمه مع مالك المحل، إلا أنه اضطر إلى ترك العمل بعدما وجد أن تشغيل محرك الهواء الذي لا يعمل إلا على البنزين يستهلك جزءًا كبيرًا من الأرباح، ما جعله يعمل بخسارة بدلًا من تحقيق دخل مناسب.
ولا تقتصر الأعمال التي تُنجز تحت أشعة الشمس على قطاع البناء، إذ تمتد إلى أعمال النظافة والزراعة والخدمات اليومية.
من جهته يقول وليد.ش، من بلدة قنوات، إنه يعمل في أعمال النظافة عندما تتواصل معه البلدية مقابل أجر يومي، بالإضافة إلى تقليم الأشجار، والتعشيب، كما يعمل في مواسم الحصاد وأي عمل قد يتوفر.
دخل وليد غير ثابت، إذ يعتمد على طبيعة العمل والجهة التي تطلبه، موضحًا أن أجره في كثير من الأحيان لا يكون محددًا مسبقًا، بل كما يقول: “شو بيطلع من نفس العالم اللي عم اشتغل عندها”.
ويضيف أن عدم استقرار الدخل يجبره على قبول مختلف الأعمال مهما كانت ظروف الطقس، لأن فرص العمل ليست متاحة بشكل دائم.
وفي ظل الظروف الاقتصادية، تظهر أحيانًا مشاهد لمشاركة أفراد الأسرة في إنجاز بعض الأعمال، ففي أحد المواقع، شاهدت عنب بلدي أبًا برفقة طفليه، اللذين يقدر عمرهما بنحو عشر سنوات، وهما يساعدانه في رصف أرضية أحد المنازل خلال يوم شديد الحرارة، إلا أن هذه المشاهد تطرح تساؤلات حول ضرورة حماية الأطفال وضمان عدم تعرضهم لأعمال قد تفوق قدرتهم أو تعرضهم لمخاطر صحية.
عوائق في وجه الأجور
ولا تتوقف معاناة العمال عند المخاطر الصحية، إذ يواجه كثير منهم تحديات اقتصادية مرتبطة بالأجور وعدم استقرار الدخل، وصعوبات أخرى تتعلق بتأخر صرف المستحقات أو عدم الحصول على كامل الأجر المتفق عليه، في ظل اعتماد كثير من العاملين في هذه المهن على اتفاقات شفهية دون عقود أو ضمانات تحفظ حقوقهم.
فيجد عمال المهن الحرة في السويداء أنفسهم أمام معادلة صعبة، في ظل ساعات العمل الطويلة تحت أشعة الشمس، والمخاطر الصحية، ومحدودية الأجور، و يبقى الاستمرار في العمل بالنسبة لكثيرين الخيار الوحيد لتأمين لقمة العيش، مهما كانت الظروف.
ضربة الشمس خطر يرافق العمال
مع ارتفاع درجات الحرارة، يحذر مختصون من المخاطر الصحية التي تهدد العاملين في الأماكن المكشوفة.
وقال بعض العمال الذين تحدث إليهم عنب بلدي إن حالات التعب والدوار تتكرر بين العمال خلال فصل الصيف، وأن بعضهم يتعرض لضربات شمس، إلا أن الحاجة إلى تأمين المصروف اليومي تدفعهم إلى الاستمرار في العمل رغم الظروف الصعبة.
وتقول صيدلانية في السويداء تحدثت إليها عنب بلدي إن ضربة الشمس تحدث نتيجة تعرض الجسم لدرجات حرارة مرتفعة لفترات طويلة، ما يؤدي إلى ارتفاع حرارة الجسم واضطراب وظائفه، وقد تظهر أعراض مثل الصداع، والدوخة، والتعب الشديد، والغثيان، وفي الحالات الشديدة قد تصل إلى فقدان الوعي.
وتشير إلى أن الوقاية تبدأ بتجنب التعرض للشمس خلال ساعات الذروة قدر الإمكان، والإكثار من شرب المياه والسوائل، وارتداء الملابس المناسبة وتغطية الرأس.
