مهرجان الشعر الأول.. لماذا بقي هؤلاء خارج القصيدة

  • 2026/08/09
  • 3:27 م
أحمد عسيلي

أحمد عسيلي

enab_get_authors_shortcode

أحمد عسيلي

أقيم في دمشق خلال الأيام الماضية مهرجان الشعر العربي الأول على خشبة دار الأوبرا، في خطوة قُدمت بوصفها إعلانًا عن عودة الحياة الثقافية إلى العاصمة بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، وشارك في المهرجان شعراء من سوريا وعدد من الدول العربية، وتوزعت فعالياته بين أمسيات شعرية وفقرات موسيقية.

وربما كان هناك شيء من الأمل بأن يعيد هذا الحدث للشعر حضوره في المشهد السوري، وأن نقرأ نقاشات حول تطور القصيدة، وعلاقة الشعر بجيله الجديد، إلا أن الجدل الذي رافق المهرجان لم يتركز على القصائد بقدر ما انشغل بالأسماء التي حضرت، والأسماء التي غابت، وبالانطباع الذي خرج به كثيرون، بأن الشعر العمودي كان الحاضر الأبرز، مقابل حضور محدود أو شبه غياب لتيارات شعرية أخرى، وفي مقدمتها بالتأكيد قصيدة النثر.

لم يقتصر هذا النقاش على شعراء معارضين للسلطة، بل شارك فيه أيضًا شعراء ونقاد لا يُعرف عنهم خصام سياسي مع الدولة، لينتقل الجدل من السياسة إلى سؤال يتعلق بطبيعة السياسة الثقافية نفسها.

السؤال الحقيقي هنا ليس من دُعي إلى المهرجان ومن لم يُدعَ؟ بل هناك سؤال آخر أكثر أهمية: أي ذاكرة ثقافية يريد هذا المهرجان أن يؤسس لها؟

للإجابة عن هذا السؤال، دعونا نشد الرحال إلى الفيلسوف الفرنسي الكبير بول ريكور، الذي شغلته هذه القضية في كتابه الشهير “الذاكرة، التاريخ، النسيان”.

يميز ريكور بين الذاكرة والتاريخ، فالذاكرة ليست سجلًا محايدًا للأحداث، بل عملية اختيار مستمرة لما نريد الاحتفاظ به في وعينا الفردي والجماعي، أما التاريخ فهو محاولة دائمة لمراجعة الوقائع والوثائق والشهادات، حتى عندما تخالف ما نرغب في تذكره، ولذلك يحذر ريكور من الخلط بين الاثنين، لأن الذاكرة، على مشروعيتها، تصبح خطرة عندما تعتقد أنها تمثل التاريخ كله.

هذه الفكرة تمتد إلى كل فعل ثقافي، فالمهرجانات والجوائز والمتاحف والتماثيل، وحتى من يقف على خشبة المسرح، ليست مجرد نشاطات فنية، بل هي أيضًا أدوات تصوغ الذاكرة الجماعية، إنها تجيب، من دون أن تقول ذلك صراحة، عن سؤال بسيط: من يمثل ثقافة هذا البلد؟ ومن يستحق أن يكون جزءًا من صورتها أمام نفسها وأمام الآخرين؟

وهنا تبدأ المشكلة.

فإذا شعر قطاع من المثقفين بأن المشهد لا يتسع لهم، فإن القضية لا تعود مرتبطة بشاعر أو قصيدة، بل تتحول إلى سؤال عن الاعتراف، والاعتراف ليس مكافأة تمنحها الدولة لمن يعجبها، بل هو شعور المواطن والمثقف والفنان بأن له مكانًا داخل الفضاء الوطني، حتى وإن اختلفت أفكاره أو ذائقته أو مدرسته الأدبية.

وهنا يلتقي ريكور مع أستاذنا فرويد بطريقة لافتة، فقد علمنا فرويد أن الكبت لا يعني اختفاء ما نرفضه، بل يعني تأجيله، فما يُستبعد من الوعي لا يختفي، وإنما يبحث عن طريق آخر للعودة، ويمكن استعارة هذه الفكرة، بحذر، عند الحديث عن المجتمعات، فحين يشعر جزء من الوسط الثقافي أنه غائب عن الذاكرة الرسمية، لا يختفي وجوده، بل يعود في صورة شعور دائم بعدم الاعتراف، أو في شكل مؤسسات ثقافية موازية، أو سجالات لا تنتهي حول من يمثل الثقافة الوطنية.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو القضية مرتبطة بأسماء بعينها، رغم أن عددًا من الشعراء المعروفين، من اتجاهات فكرية وأدبية مختلفة، قالوا إنهم علموا بالمهرجان عبر وسائل الإعلام أو لم يتلقوا دعوة للمشاركة (وقد تحدثت إلى بعضهم في أثناء الإعداد لهذه المادة)، كما أن النقاش لم يقتصر على مسألة الدعوات، بل امتد إلى الانطباع بأن المهرجان منح مساحة أوسع لمدرسة شعرية بعينها على حساب مدارس أخرى، سواء كان هذا الانطباع دقيقًا أو مبالغًا فيه، فإنه يكشف سؤالًا حقيقيًا حول معنى التمثيل الثقافي في مرحلة تأسيسية كهذه.

ولا يتعلق الأمر هنا بالمفاضلة بين الشعر العمودي وقصيدة النثر، أو بين مدرسة أدبية وأخرى، فهذه معركة نقدية ينبغي أن تبقى مفتوحة، وهي جزء طبيعي من تطور الأدب، المشكلة تبدأ عندما تتحول المؤسسة العامة إلى طرف داخل هذه المعركة، بدل أن تكون الحارس الذي يضمن بقاء أبوابها مفتوحة أمام الجميع.

من حق أي شاعر أو ناقد، أو حتى وزير ثقافة، أن يفضل شكلًا أدبيًا على آخر، لكن الوزارة ليست ذائقة شخصية، وهذا هو جوهر العمل المؤسسي، وظيفتها ليست أن تختار القصيدة الأجمل، بل أن تحمي المجال الذي تستطيع فيه القصائد المختلفة أن تتجاور، لأن الدولة، عندما تمنح منصة عامة، لا تمنحها باسم ذوق المسؤولين عنها، بل باسم المجتمع كله.

المسألة هنا لا تبدو مرتبطة بالشعر وحده، فإذا اعتادت المؤسسة أن تمنح الشرعية لصوت واحد في الشعر، فما الذي يمنعها غدًا من أن تمنحها لصوت واحد في الرواية، أو لاتجاه فلسفي واحد، وربما لاحقًا لحزب واحد فقط في السياسة! فالوطن الذي يضيق بقصيدة، قد يضيق غدًا بفكرة، ثم بإنسان، أما الثقافة التي تتسع للجميع، فهي وحدها القادرة على أن تتحول إلى ذاكرة مشتركة، لا إلى ذاكرة فريق واحد.

مقالات متعلقة

  1. شاعرة سورية تفوز بجائزة "ربيع الشعر العربي" عن أفضل قصيدة
  2. شعراء سوريون يفوزون بجوائز مسابقة "إنصاف تركيا"
  3. وفاة الشاعر السوري عبد الناصر الحمد بدمشق
  4. ثلاثة شعراء سوريين في "مهرجان الشارقة للشعر العربي"

مقالات الرأي

المزيد من مقالات الرأي