لمى قنوت
أسند النظام الداخلي لمجلس الشعب صلاحيات واسعة لرئاسة المجلس ومكتب المجلس امتدت إلى التأثير في عمل اللجان، التي عادة ما تسهم في الدول الحديثة بتعزيز الديمقراطية والحوكمة، ولها دور مهم في العملية التشريعية والرقابية، وتوطيد التشاركية والحوار مع فئات واسعة من الشعب والمجتمع المدني، لكن، ومع تحليل مواد النظام الداخلي نجد أننا أمام هندسة مؤسسية وزعت السلطة التنفيذية على كل من رئيس المجلس ومكتب المجلس، وهي منسجمة مع سياق مركزية السلطة الانتقالية، وهيمنة نواتها الحاكمة على صناعة القرار، والصلاحيات الضخمة التي يتمتع بها الرئيس الانتقالي في الإعلان الدستوري.
امتدت صلاحيات رئيس المجلس، وفق المادتين “21” و”22″، أبعد من الأدوار الإجرائية التقليدية، كإدارة المناقشات في الجلسات، وموعد انعقادها، وإقرار جدول الأعمال وغيرها، إلى إدارة البنية المؤسسية للمجلس وإصدار قرارات تشكيل اللجان وأسماء أعضائها والإشراف على أعمالها، وترؤس جلسات اللجان التي يحضرها (المادة 22-3)، و”ممارسة أي مهام أخرى ينص عليها هذا النظام أو يكلَّف بها المجلس في حدود اختصاصه” (وفق المادة 21-12)، إضافة إلى تنظيم علاقة المجلس مع السلطة القضائية والسلطة التنفيذية.
ومنحت المادة “29” مكتب المجلس صلاحية تشكيل اللجان الدائمة وتسمية رئيس اللجنة ونائبها ومقررها، وأجازت له أن يقرر إعادة تشكيل أي لجنة دائمة أو دمجها، بناء على اقتراح معلل منه، أو تعديل اختصاصها، إذا تعذر قيامها بمهامها أو إخلالها الجسيم بأحكام النظام، ما جعل مكتب المجلس شريكًا في البنية الهرمية للمجلس، بينما قلصت مساحة اللجان في إدارتها الذاتية وتشكيل بنيتها التنظيمية التي يجب أن تنطلق من الهيئة العامة، وهو توزيع للسلطة داخل مجلس الشعب لمصلحة القيادة المؤسسية (رئيس المجلس ومكتب المجلس) وتضخيم لصلاحياتها على حساب إضعاف استقلالية اللجان.
الرقابة البرلمانية والمركزية الإجرائية
بنى النظام الداخلي نمطًا تنظيميًا للرقابة داخل المؤسسة التشريعية لرئاسة المجلس، فهو إضافة للصلاحيات الواسعة في تنظيم أعمال اللجان، على اللجان أن تحيل للرئاسة مسألة امتناع أي جهة حكومية عن المشاركة بمعلومات أو إيضاحات أو وثائق أو بيانات لازمة قد تطلبها إحدى اللجان لأداء مهامها (المادة 64-4)، وينطبق الأمر نفسه على اللجان المؤقتة (المادة 83-5)، وبذلك يكون النظام الداخلي قد جعل من رئاسة المجلس بوابة لمعظم التفاعلات المؤسسية سواء داخل المجلس أو في علاقته مع السلطة التنفيذية، وجعل أدوات الرقابة تمر عبره أيضًا، وصيغت العلاقة مع الحكومة المؤقتة كعلاقة تنسيق وتعاون أكثر من كونها علاقة رقابة ومساءلة، وبمنطق الواقع، هي أقرب إلى المساءلة المعلوماتية منها إلى المساءلة السياسية.
مجلس أفراد بديلًا عن مجلس تعددي
امتد أثر غياب قانون الأحزاب خلال المرحلة الانتقالية على تشكيل مجلس الشعب، فالنظام الداخلي نظم حقوق وواجبات الأعضاء، نساء ورجالًا، بوصفهم أفرادًا، بعيدًا عن التأسيس لوجود كتل برلمانية أو الاعتراف بوظائف الأغلبية والمعارضة كركيزتين للعمل البرلماني. ويتسق هذا الاتجاه مع خطاب السلطة التي تتجنب الحديث عن الديمقراطية والتعددية الحزبية، وتستخدم مصطلحي الشورى والتوافق، وذلك بالتوازي مع خطابات صدرت عن شخصيات قريبة من السلطة حذرت من التحزب داخل المجلس، وأخرى عللت مخاطر إقرار قانون أحزاب في هذه المرحلة، بالإضافة إلى ممارسات صاحبت تشكيل المجلس، كدعوة أعضائه إلى لقاء جمعهم مع الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، في القصر الجمهوري، لا في مقر المجلس، وهي ممارسة في رمزيتها، ودلالاتها السياسية، علاقة بين سلطتين يقودها ويوجهها رأس السلطة التنفيذية، لا علاقة بين سلطتين تتفاعلان ضمن منطق فصل السلطات. وعليه، فإن مجلس الشعب هو مجلس يضم أفرادًا يتفاعلون مع السلطة التنفيذية ضمن إطار توافقي، لا مجلسًا تعدديًا تتنافس داخله كتل وأحزاب وبرامج سياسية تريد صياغة السياسات العامة، وتمارس الرقابة على السلطة التنفيذية.
إضعاف البعد السياسي للرقابة البرلمانية على السياسة الخارجية
إن استبدال “لجنة الشؤون العربية والخارجية والمغتربين” التي كانت موجودة في النظام الداخلي عام 2017، والمعنية بمتابعة ومناقشة السياسة الخارجية، وهي لجنة موجودة في الكثير من الأنظمة الداخلية للبرلمانات، بلجنة تحت مسمى “لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية” تختص بالنظر في اقتراحات ومشروعات القوانين المنظمة للسلك الدبلوماسي والقنصلي (المادة 59)، ينقل اهتمام المجلس من مراقبة ومناقشة مضمون السياسة الخارجية إلى تنظيم الجهاز الإداري المنفذ لها، وهو يحد من الدور السياسي للمجلس، ويعزز تمركز السياسة الخارجية للبلاد بيد الرئيس الانتقالي ووزير الخارجية وبقية محتكري القرار في السلطة التنفيذية.
ويأتي تعديل اسم اللجنة منسجمًا مع بقية نصوص النظام الداخلي، حيث النموذج الرقابي محدود الفاعلية، يحصر علاقة اللجان بالوزراء بطلب المعلومات والاستماع إليهم، دون أن يقترن ذلك بآليات مساءلة ملزمة، وبموجب الإعلان الدستوري لا يملك مجلس الشعب منح الحكومة الثقة ولا يحجبها، والكثير من الإجراءات الرقابية والتنظيمية تمر عبر رئيس المجلس أو مكتب المجلس، الأمر الذي يعزز المركزية المؤسسية في الوظيفة الرقابية.
