عندما تتسارع نبضات قلبك نتيجة الخوف أو الحماسة، فإن هذه البيانات لا تبقى حبيسة جسدك، فالشريحة الإلكترونية المثبتة في ساعتك الذكية تسجل تلك التغيرات بدقة.
ويرصد هذا الجهاز الصغير الذي يرافقك طوال اليوم فترات نومك ونشاطك، ويجمع معلومات عن مؤشراتك الحيوية قد لا تلتفت إليها أنت شخصيًا.
ومع ذلك، فإن الوظيفة الحقيقية لهذه الأجهزة تتجاوز مجرد تنظيم الحياة اليومية ومراقبة الصحة، فخلف التطبيقات الذكية والتصاميم الأنيقة تُدار عمليات تجارية تعتمد على البيانات، إذ تتحول الأنماط السلوكية للمستخدمين، مثل جودة النوم ومعدلات الإجهاد، إلى أصول رقمية يجري تحليلها واستغلالها تسويقيًا.
التسويق في الوقت الفعلي
شبّهت مهندسة البرمجيات آلاء الجدوع، في حديث إلى عنب بلدي، هذه الساعات بـ”المختبر التقني المصغر” الذي يلازم الإنسان أينما ذهب.
وقالت إن هذا المختبر يعتمد على مجسات بالغة الحساسية، تتولى مراقبة مؤشرات رئيسة، مثل معدل ضربات القلب لمعرفة أوقات الراحة والتوتر، وتغيرات نبضات القلب (HRV) بوصفها معيارًا لقياس الضغط النفسي، بالإضافة إلى تتبع جودة النوم، وفترات النشاط أو الخمول البدني.
لكن الرحلة لا تنتهي عند شاشة الساعة، بحسب الجدوع، إذ تشق هذه البيانات طريقها نحو خوادم الشركات المصنعة، لتخضع هناك لعمليات تحليل معقدة بواسطة خوارزميات الذكاء الاصطناعي، والنتيجة هي رسم ملف رقمي ونفسي مفصل للمستخدم، يعكس حالته الفيزيولوجية في كل ثانية.
وهنا تبدأ الحلقة التجارية، إذ تُعيد هذه الشركات توظيف المؤشرات الحيوية عبر ما يُعرف بـ”التسويق في الوقت الفعلي” (Real-Time Marketing).
وتستند هذه الاستراتيجية التسويقية إلى فكرة شديدة البساطة والذكاء في آن واحد، وهي أن الإعلان يكون أكثر فاعلية وقبولًا عندما يستهدف الإنسان وهو في حالة نفسية أو بدنية معينة.
آلية تنبؤ الخوارزميات باحتياجاتك الشرائية
ترسم الجدوع سيناريوهات هذا الواقع الرقمي بدقة، فعندما يرتفع معدل ضربات قلبك في أثناء ممارسة التمارين الرياضية، تترجم الخوارزميات هذا النشاط فورًا لتظهر لك إعلانات المكملات الغذائية والملابس الرياضية.
وإذا رصدت الساعة مؤشرات تدل على ارتفاع مستويات القلق والتوتر، تبدأ المنصات الإعلانية بدفع روابط لتطبيقات التأمل أو العطور المهدئة.
وحتى في فترات النوم المضطرب لن تكون بمعزل عن السوق، إذ سرعان ما ستلاحقك عروض الفُرُش الطبية أو المهدئات.
وحذرت مهندسة البرمجيات من الجانب الأكثر خطورة في هذه المنظومة، وهو “الاستهداف الخفي”، إذ يميل المستخدمون غالبًا إلى الاعتقاد بأن الإعلانات التي تظهر على شاشات هواتفهم مجرد مصادفات عشوائية، بينما الحقيقة أنها مصممة وموجهة بعناية فائقة، وبناء على تحليل دقيق للحالة النفسية والجسدية التي يمرون بها في تلك اللحظة بالذات.
وترى أنه بالرغم من الفوائد الصحية الملموسة لهذه التقنيات، فإن نموذج عمل الشركات المصنعة يعتمد على تحويل المستخدمين إلى سلع تجارية عبر استغلال بياناتهم.
وأشارت الجدوع إلى تطوير بعض الشركات خوارزميات ذكية قادرة على تحليل نبرة الصوت في أثناء المكالمات لتحديد الحالة المزاجية وتعديل العروض التسويقية بناء عليها، وهو ما دفع حكومات عدة لسن تشريعات صارمة تحظر هذه الممارسات وتجرمها قانونيًا.
توصيات لتأمين خصوصية الساعات الذكية
قدمت الاختصاصية مجموعة من التوصيات العملية لحماية البيانات الحيوية، تتضمن تعديل إعدادات الخصوصية بغرض منع مشاركة البيانات الصحية مع المُعلنين، بالإضافة إلى أهمية إعادة ضبط المصنع للساعات المستعملة لحذف بيانات المالك السابق.
وأكدت الجدوع ضرورة فحص صلاحيات التطبيقات قبل منح الأذون، مع دعوة المستخدم للتساؤل دائمًا عن مدى حاجة التطبيق الفعلية للوصول إلى مؤشراته الحيوية كنبضات القلب، إلى جانب العمل على نشر الوعي الرقمي الجماعي للحد من الاستغلال التجاري للمعلومات الشخصية.
