ركان الخضر | محمد جفال | يزن قر
شكّل النزوح أحد أبرز الآثار الناجمة عن العمليات العسكرية في سوريا، وتدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية، والتي دفعت ملايين السوريين إلى مغادرة مناطقهم والانتقال إلى مدن وبلدات أكثر استقرارًا.
واعتبرت الأمم المتحدة أن سوريا شهدت أضخم أزمة نزوح في العالم، حيث اضطر أكثر من 13 مليون شخص إما للفرار خارج البلاد وإما للنزوح داخل حدودها.
ومع تتابع عمليات النزوح على مدار سنوات الثورة، نشأت مجتمعات خارج بيئتها الأصلية، وواجهت ضغطًا وصعوبات وتحولات في أساليب المعيشة والاقتصاد والعادات الاجتماعية.
تحاول عنب بلدي مناقشة ملف النزوح من باب تأثيراته المجتمعية على العادات والتقاليد وأساليب الحياة لكل منطقة، ومدى ضغطه على فرص العمل والبنية التحتية والخدمات المقدمة، من خلال استطلاع آراء عدد من الوافدين والمجتمعات المضيفة، للوقوف على أبرز ما تغير في حياتهم نتيجة الظاهرة التي سادت كثيرًا من المناطق السورية خلال السنوات الماضية.
كما تحاور مجموعة من خبراء علم الاجتماع، محاولة الوصول إلى أبرز تأثيرات الظاهرة على النازحين والمجتمع المضيف، واستكشاف الطرق العلمية المناسبة لاستثمار إيجابيات الظاهرة ونبذ سلبياتها، في سبيل تعزيز السلم الأهلي بعيدًا عن أي تصادم مستقبلي قد تولده بعض التصرفات المجتمعية غير المدروسة.
النزوح الأكبر في تاريخ سوريا..
المجتمع المضيف بين الاندماج والضغط
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، شهدت البلاد أكبر موجة من النزوح في تاريخها، وعلى مستوى العالم، ولم يقتصر أثر هذا النزوح على الأشخاص الذين اضطروا إلى ترك منازلهم، بل امتد إلى المجتمعات التي استقبلتهم، فأعاد تشكيل التركيبة السكانية للعديد من المناطق، وفرض تحديات جديدة على الخدمات والبنية التحتية وسوق العمل والعلاقات الاجتماعية.
وصنفت دراسة لـ”المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” النزوح السوري إلى ثلاث موجات رئيسة، الأولى بين آذار 2011 ونهاية 2012، وهو نزوح “متناثر ومؤقت، يسعى إليه أشخاص فارون من مناطق الاحتجاجات الساخنة إلى المدن المحيطة بصورة مؤقتة”.
ووصل عدد النازحين إلى 1.6 مليون نازح حتى نهاية 2012.
أما الموجة الثانية فكانت خلال عامي 2013 و2014، وشهدت ارتفاعًا كبيرًا في أعداد النازحين جراء تصاعد العمليات العسكرية، وقُدّر عدد النازحين حتى تشرين الأول 2013 بـ6.5 مليون شخص، بينهم نحو 1.8 مليون نازح من محافظة حلب، ثم ريف دمشق بـ770 ألف نازح، وإدلب بـ708 آلاف نازح.
الموجة الثالثة حصلت بعد تدخل روسيا عسكريًا في سوريا في 30 من أيلول 2015، إذ ازدادت وتيرة العمليات العسكرية، وبلغ عدد النازحين نتيجة العمليات العسكرية الروسية عام 2016 نحو 2.2 مليون سوري.
دراسة المركز لم تشمل موجات أخرى منها كبيرة، خصوصًا في شمال غربي سوريا، إذ أشار بيان للأمم المتحدة إلى نزوح نحو 900 ألف مدني من تلك المنطقة، منذ بداية كانون الأول 2019 حتى منتصف شباط 2020، بسبب “استمرار الحملة العسكرية”.
المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أعلن في آذار 2022 عن نحو 6.9 مليون نازح في سوريا.
ولاحقًا، أشار تقرير صادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن الفترة الممتدة بين كانون الأول 2024 و5 من شباط 2026 شهدت مغادرة أكثر من 1.03 مليون من النازحين لمخيمات النزوح.
كما سُجلت 1.5 مليون حالة عودة بين كانون الثاني وآب 2025، لترتفع الحصيلة الإجمالية لعودة النازحين إلى 1,712,744 شخصًا حتى مطلع شباط الماضي.
امرأة سورية نازحة من مدينة رأس العين تحمل طفلًا خلال سيرها في مخيم الطلائع للنازحين في الحسكة شمال شرقي سوريا – 23 تموز 2026 (AFP)
إدلب ومحيطها.. المعاناة الكبرى
كانت مدن مثل إدلب ودمشق واللاذقية والحسكة، بحكم استقرارها النسبي خلال سنوات الحرب، من الوجهات التي قصدها نازحون من محافظات عدة.
شهدت إدلب ازديادًا كبيرًا ضاعف عدد سكانها إلى نحو أربعة ملايين نسمة، جراء النزوح الداخلي الطوعي أو القسري.
وأظهرت إحصاءات لمنظمات إنسانية عاملة في الشمال السوري انتشار
1607 مخيمات (1259 مخيمًا نظاميًا و348 عشوائيًا).
ضمت هذه المخيمات نحو 1.2 مليون مدني، ووصل العدد الإجمالي للنازحين في المخيمات وخارجها إلى أكثر من مليوني مدني، بمعدل
%49من سكان شمال غربي سوريا (حماة وحلب وإدلب).
وشهدت دمشق ومحيطها أيضًا تغيرات وضغطًا كبيرين بسبب انتقال سكان المحافظات المحيطة، خصوصًا من القنيطرة ودرعا، ومن محافظات أخرى بعيدة، إذ تضاعف عدد السكان، وتوسعت بعض الضواحي، بعد أن تحولت إلى مناطق استقرار جديدة، بينما ازداد عدد المشردين والفقراء بشكل ملحوظ في أحياء العاصمة ومركزها.
أما مدينة اللاذقية فشهدت مع وصول أعداد كبيرة من النازحين من حلب تغيرات في أنماط الحياة اليومية، بدءًا من الضغط على قطاع السكن والخدمات، وصولًا إلى ظهور مهن وأسواق جديدة نتيجة انتقال الحرف والخبرات مع النازحين.
وبينما وجد بعض النازحين مساحة للعيش هربًا من الموت، وإعادة بناء حياتهم، واجه المجتمع المضيف تحديات مرتبطة بزيادة الطلب على الموارد المحدودة، ما فتح نقاشًا حول طبيعة العلاقة بين السكان الأصليين والوافدين، وما إذا كان النزوح الطويل الأمد سيقود إلى اندماج اجتماعي أوسع أم سيبقي ضغوطًا تحتاج إلى حلول تنموية وإدارية مستدامة.
وحمل النزوح السوري سمة الاستمرار والتكرار، إذ تضطر العائلة الواحدة إلى النزوح أكثر من مرة، بسبب تدهور الأوضاع في المناطق التي نزحت إليها أول مرة، ما يدفعها إلى النزوح مرة ثانية أو عدة مرات.
ضغط الخدمات وأزمة السكن
غيّرت سنوات النزوح ملامح المدن والمناطق المضيفة على أكثر من صعيد، وكان قطاع السكن والخدمات العامة من أكثر القطاعات تأثرًا، مع تزايد الطلب على أماكن الإقامة وارتفاع الكثافة السكانية في عدد من الأحياء والمناطق.
أصحاب مكاتب عقارية في اللاذقية قالوا لعنب بلدي، إن الإيجارات ارتفعت خلال سنوات النزوح إلى نحو الضعف في بعض المناطق، نتيجة زيادة الطلب على المنازل والشقق السكنية، مشيرين إلى أن وصول أعداد كبيرة من العائلات النازحة، ولا سيما من مدينة حلب وريفها، أحدث حركة غير مسبوقة في سوق العقارات.
في المقابل، أدى هذا التغير في طبيعة استخدام المساحات السكنية إلى زيادة الضغط على الخدمات المتوفرة في بعض المناطق، من مياه وكهرباء ونظافة وطرق، في ظل ارتفاع عدد السكان مقارنة بالطاقة الاستيعابية الأصلية لهذه المناطق.
وبالتوازي مع أزمة السكن، واجهت المؤسسات المحلية تحديات إضافية في قطاعات التعليم والصحة والخدمات البلدية، مع زيادة سكانية فرضت نفسها خلال سنوات الحرب، في وقت بقيت فيه قدرة الجهات الخدمية على التوسع محدودة بفعل الظروف الاقتصادية والإدارية.
انتقال النشاط الاقتصادي
إلى جانب تأثيره على السكن والخدمات، ترك النزوح أثرًا واضحًا على النشاط التجاري في المجتمعات المضيفة.
وشهدت محافظة إدلب، عام 2021، ارتفاعًا في نسبة البطالة، بنسبة تتراوح بين 78 و80% من السكان المحليين، بحسب أرقام حصلت عليها عنب بلدي من مكتب “منسقو استجابة سوريا”.
ورغم جهود الإغاثة، ووجود حكومتين (المؤقتة والإنقاذ) في الشمال السوري، فإن الظروف الاقتصادية تسببت بخروج كثير من أصحاب الخبرات والجامعيين من سوق العمل، أو العمل في مهن وأعمال مياومة، أو خارج تخصصاتهم.
فريق “منسقو استجابة سوريا” نشر استبانة في 8 من شباط 2020، أشار 89% من المشاركين فيها والبالغ عددهم نحو 3900 شخص في الشمال السوري إلى أنهم عاطلون عن العمل، بينما تراوحت نسبة الراغبين بالعمل ضمن المنظمات وفي أعمال حرة بين 29 و33%.
في اللاذقية.. ظروف مختلفة
في اللاذقية، أسهم انتقال عدد من تجار وأصحاب الحرف الحلبيين إلى المدينة خلال سنوات الحرب في تنشيط بعض القطاعات وتغيير ملامح عدد من الأسواق.
وبحسب بعض التجار في مدينة اللاذقية الذين تحدثوا لعنب بلدي، أسهم قدوم التجار الحلبيين في تنشيط الحركة التجارية وإدخال أنماط جديدة من البيع والتسويق، مستفيدين من الخبرة الطويلة التي يتمتع بها كثير منهم في مجالات التجارة والصناعة، ولا سيما تجارة الألبسة.
وتحولت منطقة سوق “العنابة” إلى أبرز مركز استقر فيه التجار القادمون من حلب، إذ افتتح عدد كبير منهم محال تجارية، خاصة في قطاع الألبسة، ما غيّر ملامح السوق خلال سنوات قليلة.
تجار من اللاذقية في سوق “العنابة” قالوا لعنب بلدي، إن وصول التجار الحلبيين انعكس على طبيعة الحركة التجارية في المنطقة، إذ استقطب السوق شريحة جديدة من المتسوقين من داخل اللاذقية وخارجها، وأصبحت أكثر نشاطًا وكثافة مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات النزوح.
وأضافوا أن ازدياد عدد المحال التجارية وتنوع البضائع أسهم في تحويل سوق “العنابة” إلى إحدى أكثر المناطق التجارية حيوية في المدينة، بعدما كانت الحركة التجارية فيها أقل كثافة قبل وصول التجار النازحين.
من التوتر إلى التعايش
تباينت ظروف التعايش بين النازحين والمجتمعات المضيفة في الشمال السوري، وكان النازحون والمضيفون يعيشون ظروفًا متشابهة، ما ساعد على الاستيعاب والاندماج في المدن والمناطق الريفية، مع ظروف مختلفة ضمن المخيمات.
أما في اللاذقية فلم تكن العلاقة بين المجتمع المضيف والنازحين مستقرة منذ البداية، إذ رافقت موجات النزوح الأولى إلى المدينة حالة من القلق لدى كثير من السكان المحليين، مع الارتفاع المفاجئ في عدد السكان وما تبعه من ضغط على الخدمات العامة، وارتفاع في أسعار الإيجارات، واكتظاظ المدارس والمراكز الصحية، إلى جانب ازدياد المنافسة في سوق العمل.
قال عدد من سكان اللاذقية لعنب بلدي، إن السنوات الأولى للنزوح شهدت توترات ومشاحنات متفرقة، غذّتها الضغوط المعيشية والتغيرات السريعة التي طرأت على المدينة، إضافة إلى شعور بعض الأهالي بأن الخدمات المتاحة لم تعد تلبي احتياجات الجميع بالوتيرة نفسها.
إلا أن هذه التوترات بدأت تتراجع تدريجيًا مع مرور الوقت، بعد أن اعتاد الطرفان الواقع الجديد، ونسجت بين السكان والنازحين علاقات اجتماعية ومهنية أوسع.
وأسهم انخراط النازحين في سوق العمل، وافتتاحهم مشاريع ومحال تجارية، واندماج أبنائهم في المدارس والجامعات، في تعزيز الاحتكاك اليومي وتحويل العلاقة من استضافة مؤقتة إلى شكل من أشكال التعايش.
وأشار من تحدثوا لعنب بلدي إلى أن الروابط الاجتماعية اتسعت مع مرور السنوات، إذ نشأت علاقات صداقة وجيرة، وفي بعض الحالات مصاهرة بين عائلات من المجتمعين، بينما تراجعت النظرة التي كانت تربط النازحين باعتبارهم وافدين مؤقتين، وأصبح كثير منهم جزءًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في المدينة.
تحديات التعايش المجتمعي
ترى الباحثة والاختصاصية الاجتماعية غدران نجم أن العلاقة الحالية بين السكان المحليين والنازحين، أو “العائدين” كما تفضل تسميتهم، تتسم بطابع مركب، فلا يمكن وصفها بأنها علاقة تعايش مطلق أو توتر دائم، وإنما تتحرك ضمن مساحة مرنة تتأثر بالظروف الاقتصادية والخدمية والاجتماعية.
وفي حديث إلى عنب بلدي قالت نجم، إن المجتمع السوري أظهر خلال السنوات الأولى من النزوح مستوى مرتفعًا من التضامن الأهلي والإنساني، خاصة خلال سنوات الحرب والأزمات الطارئة، إذ تقاسم السكان المحليون والنازحون المساكن والخدمات، وبرزت مبادرات مجتمعية متبادلة دعمت المتضررين.
العلاقة الحالية بين السكان المحليين والنازحين تتسم بطابع مركب ومزدوج، فهي لا تخضع لمعادلة واحدة حادة، أي لا تعايش مطلق ولا توتر تام، بل تتحرك في مساحة مرنة متأثرة بالظروف الاقتصادية والخدمية والاجتماعية الحالية.
غدران نجم
باحثة واختصاصية اجتماعية
وأضافت نجم أن استمرار النزوح بالتزامن مع تفاقم الأزمة الاقتصادية أدى إلى بروز مؤشرات توتر اجتماعي، بعضها بقي صامتًا وبعضها ظهر بصورة واضحة، نتيجة المنافسة على الخدمات الأساسية، مثل المياه والكهرباء والمستشفيات الحكومية، إلى جانب شعور بعض العمال المحليين بأن العمالة النازحة تنافسهم بأجور أقل، فضلًا عن ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، وهو ما انعكس على مختلف الأطراف.
وبحسب الباحثة، فإن هذه التوترات تختلف من منطقة إلى أخرى، إذ تشهد بعض المناطق الريفية مستويات مرتفعة من التعاون في العمل والمناسبات الاجتماعية، بينما تبرز الاحتكاكات بصورة أكبر في المناطق المكتظة بالسكان، حيث تزداد المنافسة على الخدمات والمساعدات.
إعادة تشكيل حياة الملايين..
مجتمع جديد يولد خارج مناطقه الأصلية
لم يكن النزوح الداخلي في سوريا مجرد انتقال جغرافي فرضته الحرب، بل تحول إلى تجربة اجتماعية أعادت تشكيل حياة ملايين السوريين وعلاقاتهم وأدوارهم داخل الأسرة والمجتمع، فمع انتقال الأسر من مدنها وقراها إلى بيئات جديدة، لم يحمل النازحون معهم ممتلكاتهم فقط، بل حملوا عاداتهم ولهجاتهم ومهنهم وذاكرتهم، ليجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يفرض عليهم إعادة بناء حياتهم.
ومع مرور سنوات الحرب، لم تعد كثير من مناطق النزوح أماكن إقامة مؤقتة، بل تحولت إلى فضاءات اجتماعية جديدة، نشأت فيها علاقات عمل وصداقات ومصاهرة، وتبدلت فيها أدوار أفراد الأسرة، في وقت تراجعت فيه بعض شبكات الدعم التقليدية القائمة على العائلة الممتدة والقرب المكاني.
قال عواد العبود، وهو نازح من مدينة رأس العين يقيم في مدينة الحسكة منذ سنوات، إن أصعب ما واجهه في بداية النزوح لم يكن فقدان المنزل فقط، بل الشعور بأنه بدأ حياته من جديد في مدينة لا يعرف فيها أحدًا.
وأضاف، “في البداية كنا نعتقد أن وجودنا هنا مؤقت، لذلك بقي ارتباطنا بكل تفاصيل رأس العين قويًا، لكن مع مرور السنوات بدأنا نبني علاقات جديدة، تعرفنا إلى الجيران، وأصبح أولادنا يدرسون مع أبناء الحسكة، ثم افتتحنا محلًا صغيرًا نعيل منه الأسرة”.
وأشار إلى أن العمل ساعده على الاندماج في المكان الجديد، لكنه لم يلغِ ارتباطه بمدينته الأصلية، وقال، “أصبحت لدي حياة هنا، لكن الحنين إلى رأس العين لم يغادرني، الإنسان يبقى مرتبطًا بالمكان الذي نشأ فيه”.
ويرى أن النزوح أتاح له التعرف إلى أشخاص من مناطق مختلفة، معتبرًا أن الحرب جمعت السوريين في بيئات لم تكن تجمعهم سابقًا.
من جهتها، قالت نوهات محمد، وهي معلمة نزحت من عفرين إلى القامشلي، إن النزوح دفعها إلى تحمل مسؤوليات جديدة لم تكن تتوقعها، بعدما اضطرت إلى العمل للمساهمة في إعالة أسرتها.
وأضافت، “في عفرين كانت حياتنا مستقرة، وكانت الأدوار داخل الأسرة واضحة، لكن بعد النزوح تغير كل شيء، تعلمت مهنة جديدة، وأصبحت القرارات داخل الأسرة مختلفة”.
وترى أن أبناءها أصبحوا أكثر انفتاحًا نتيجة اختلاطهم بأطفال من مناطق متعددة داخل المدارس، وقالت، “تعرفوا إلى لهجات وعادات مختلفة، وأصبح لديهم أصدقاء من بيئات لم تكن موجودة في حياتنا سابقًا”.
البنية الاجتماعية وأنماط العلاقات
يرى الباحث الاجتماعي محمد علي قاسم أن النزوح الداخلي يمثل واحدًا من أعمق التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع السوري خلال العقود الأخيرة، لأنه لم يغيّر أماكن إقامة السكان فقط، بل أعاد تشكيل علاقاتهم بالمكان وببعضهم بعضًا.
وقال إن ملايين السوريين وجدوا أنفسهم يعيشون مع مجتمعات تختلف عنهم في اللهجات والعادات وطبيعة العلاقات الاجتماعية، ما دفعهم إلى بناء شبكات جديدة خارج إطار العائلة الممتدة والحي الذي اعتادوا العيش فيه.
وأضاف أن هذه التحولات حملت جوانب إيجابية وأخرى سلبية، فمن جهة، وسّعت دائرة العلاقات بين السوريين، ونقلت الحِرف والخبرات بين المحافظات، وخلقت شراكات اقتصادية ومهنية، كما أسهمت في ظهور علاقات مصاهرة بين عائلات من مناطق مختلفة.
في المقابل، أشار قاسم إلى أن النزوح أدى إلى تراجع بعض أنماط التضامن التقليدية، لأن الإنسان عندما يبتعد عن بيئته الأصلية يفقد جزءًا من شبكة الدعم التي كانت تحيط به، ويحتاج إلى وقت لبناء شبكة جديدة.
ولفت إلى أن الأسرة السورية شهدت تغيرات واضحة خلال سنوات النزوح، إذ دخلت نساء كثيرات سوق العمل للمرة الأولى، واضطر شباب إلى تغيير مساراتهم التعليمية والمهنية بسبب الظروف الاقتصادية.
وقال، “لم يعد مفهوم الانتماء للمكان كما كان قبل الحرب، فهناك شباب يرتبطون بمكان ولادتهم، لكنهم يحملون في الوقت نفسه تجارب وعلاقات تشكلت في مناطق النزوح”.
النزوح الداخلي يمثل واحدًا من أعمق التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع السوري خلال العقود الأخيرة.
محمد علي قاسم
باحث اجتماعي
الآثار النفسية.. فقدان المكان ومحاولة استعادة الأمان
لا تقتصر آثار النزوح على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، إذ ترى خبيرة الدعم النفسي ديالى عبد الله، التي عملت مع نازحين في عدد من المخيمات والمجتمعات المتضررة في شمال شرقي سوريا، أن النزوح يعني فقدان الشعور بالأمان والاستقرار، وليس فقدان المنزل فقط.
وأضافت أن كثيرًا من النازحين حملوا معهم تجارب مرتبطة بفقدان الممتلكات أو مصادر الرزق أو أفراد من عائلاتهم، وأن استمرار عدم اليقين لسنوات طويلة جعل آثار الصدمات أكثر تعقيدًا.
وقالت إن الإنسان يستطيع التعامل مع حدث صعب عندما يعرف نهايته، لكن استمرار الانتظار وعدم معرفة المستقبل يزيد من الضغوط النفسية.
وأوضحت أن تغير البيئة الاجتماعية فرض تحديات على كثير من الأسر، إذ اضطر أفرادها إلى تحمل مسؤوليات جديدة، بينما فقد بعض النازحين جزءًا من شبكة الدعم التي كانت توفرها العائلة والمجتمع المحلي.
في المقابل، حذرت الخبيرة من أن تجاهل الآثار النفسية للحرب والنزوح قد يؤدي إلى انتقالها بين الأجيال، خصوصًا لدى الأطفال الذين نشؤوا في ظروف غير مستقرة، مشيرة إلى أهمية الدعم النفسي والاجتماعي والتعليم في مرحلة التعافي.
نازحون بمركز إيواء في قرية حميمات الداير بريف إدلب الشرقي – 20 نيسان 2026 (عنب بلدي/إياد عبد الجواد)
النزوح لم يغيّر أماكن السكن فقط
تشير تجارب النازحين وآراء المختصين إلى أن سنوات النزوح لم تنتج تجمعات سكانية جديدة فقط، بل أسهمت في تشكيل أنماط جديدة من العلاقات والانتماء والعمل.
كثير من النازحين لم يعودوا يعيشون في المكان الذي ولدوا فيه، وفي الوقت نفسه لم يقطعوا صلتهم بمناطقهم الأصلية، ما أنتج علاقة مركبة بين المكان الأول والمكان الجديد.
النزوح لم يكن تجربة سلبية بالكامل، إذ تمكن كثير من الأشخاص من تطوير قدرات جديدة على التكيف، وبناء علاقات مختلفة، واكتساب مهارات لم تكن متاحة لهم سابقًا.
ديالى عبد الله
خبيرة بالدعم النفسي
النزوح والهوية المجتمعية.. جيل يعاني التناقضات
أنتجت سنوات النزوح السوري خلال الحرب التي عاشتها البلاد جيلًا من الأطفال والشباب الذين نشؤوا وترعرعوا في مناطق بعيدة عن بيئتهم الأصلية.
وأدى استقرار الجيل الجديد من السوريين بعيدًا عن البيئة التي عاش فيها آباؤهم وأجدادهم إلى تغيير في بعض العادات الاجتماعية التي يتميز بها أبناء منطقتهم من الأجيال التي سبقتهم.
في المقابل، لا تخلو تجربة النزوح من بعض الآثار الإيجابية على جيل الشاب، من خلال الاطلاع على ثقافات مجتمعية جديدة، الأمر الذي يطرح سؤالًا حول كيفية تأثير النزوح على البنية الاجتماعية السورية على المدى البعيد، وكيفية محافظة الجيل الشاب على هويته المجتمعية التي تميز منطقته عن غيرها.
آثار النزوح على هوية الشباب السوري
المرشدة الاجتماعية ساميا الطارش، ترى في حديث إلى عنب بلدي، أن أهم الآثار السلبية للنزوح على هوية الأطفال والشباب الذين نشؤوا وترعرعوا في بيئات بعيدة عن مناطقهم الأصلية، تتمثل في فقدان الانتماء وعدم الإحساس بالأمان والاستقرار وضياع الهوية، الأمر الذي يسبب اضطرابات وصدمات نفسية عميقة.
وقالت إن ظروف النزوح والكوارث بشكل عام قد تؤدي إلى الانقطاع عن التعليم، الأمر الذي يؤثر على بناء إنسان مفيد في المجتمع، كما تقلل من قدرته على التكيف مع أبناء جيله.
وأوضحت الطارش أن الطفل يضطر عند تغيير مكان استقراره إلى مواجهة تحديات وصراعات بين بيئته القديمة والجديدة، مما يفرض عدم الإحساس بالاستقرار والأمان ويؤثر على ارتباطه بثقافة منطقته الاجتماعية، بالإضافة إلى عدم شعوره بالانتماء إليها.
من جهتها، أشارت الباحثة الاجتماعية رنا البدوي إلى أن الأطفال الذين قضوا معظم سنوات حياتهم بعيدًا عن مناطقهم الأصلية، لا يختبرون العودة إلى تلك المناطق كعودة إلى الوطن، بل كدخول إلى بيئة غريبة ومقلقة نفسيًا، والسبب هو أن الارتباط المكاني عند الأطفال يتشكّل بشكل أساسي عبر التجربة اليومية المباشرة وليس عبر المعنى الثقافي أو الرمزي المجرّد للمكان بخلاف البالغين، ولذلك فإن مناطق النزوح رغم كونها مكانًا مؤقتًا شكليًا، تصبح بالنسبة للطفل المرجع العاطفي الأعمق، بينما تتحول المنطقة الأصلية إلى مكان منسوب إليه وليس منتميًا له.
وبيّنت البدوي أن التناقض يولّد ارتباكًا في الهوية، فالقيم لا تُكتسب عبر التلقين المباشر، بل عبر التفاعل المتكرر من خلال أنساق متداخلة، تبدأ من النسق الجزئي المتمثل في الأسرة والمدرسة والأقران المباشرين، والنسق المتوسط من خلال العلاقة بين هذه الأنساق مع بعضها، والنسق الخارجي والكلّي الذي يشمل البنية الثقافية والدينية والسياسية الأوسع.
القيمة الاجتماعية عند الطفل تتكون، بحسب البدوي، كنتاج تراكمي لتكرار نفس الرسائل القيمية عبر هذه الأنساق مجتمعة، لا عبر نسق واحد بمعزل عن غيره، فحين ينشأ الطفل في بيئة متجانسة نسبيًا، فإن الأنساق الجزئية الثلاثة (الأسرة والمدرسة والأقران) تُرسل غالبًا رسائل قيمية متسقة ومتقاربة (تجانس ديني واجتماعي وقيم نجاة وتكافل جماعي مرتبطة بظروف الطوارئ)، كما أن هذا الاتساق يُنتج بنية قيمية صلبة لكنها ضيقة المرجعية إذا لم تُختبر أمام تنوع فعلي.
وحين يُنقل الطفل إلى بيئة أكثر تنوعًا اجتماعيًا ودينيًا وطبقيًا، يحدث ما يمكن تسميته عدم الاتساق بين الأنساق حيث يمكن للأسرة أن تحافظ على القيم الأصلية، بينما تعرضه المدرسة أو الأقران الجدد لمنظومة قيم مغايرة جزئيًا.
أهم الآثار السلبية للنزوح على الأطفال والشباب يتمثل في فقدان الانتماء وعدم الإحساس بالأمان والاستقرار وضياع الهوية.
ساميا الطارش
مرشدة اجتماعية
الحفاظ على هوية الشباب النازح
أشارت الباحثة رنا البدوي إلى أن الحفاظ على الهوية المجتمعية لجيل الشباب النازح يبدأ من داخل الأسرة في أثناء النزوح نفسه، لأن التنشئة الأولية تحتاج إلى استمرارية زمنية لتترسخ، وهذا يعني دعم الأسر النازحة على نقل اللهجة والحرفة والطقوس المحلية كممارسة يومية لا كتراث منفصل يُستعاد لاحقًا، لأن الهوية تُعاش ولا تُخزَّن.
كما أن بناء “عوالم فرعية” مؤسسية تدمج الهويات الإقليمية المتعددة بدل إذابتها، ضمن إطار مشترك من خلال اعتماد مناهج تتضمن تنوعًا ثقافيًا سوريًا صريحًا، عبر تنظيم أنشطة لا منهجية تُبرز خصوصية كل منطقة بدل تعميمها في “هوية وطنية” مجردة تمحو الفوارق، قد تساعد في هذا الجانب، بحسب الباحثة البدوي.
وأوضحت البدوي أن إتاحة مساحات أعياد جماعية دورية لأبناء المنطقة الواحدة في ظروف النزوح، لا تمثل رفاهية بل آلية بنيوية ضرورية لبقاء الهوية حية بدل أن تتحول إلى ذكرى.
الحفاظ على الهوية المجتمعية لجيل الشباب النازح يبدأ من الأسرة، لأن التنشئة الأولية تحتاج إلى استمرارية زمنية لتترسخ.
رنا البدوي
باحثة اجتماعية
من جهتها، لا ترى المرشدة الاجتماعية ساميا الطارش، أن كل ما في ظاهرة النزوح يحمل آثارًا سلبية على الأجيال السورية الجديدة، فمعايشة مجتمعات مختلفة في بعض العادات والتقاليد يساعد في التبادل الثقافي والاجتماعي مع المجتمع المضيف، حيث يتعلم الطفل أو الشاب مهارات جديدة تجعله أكثر مرونة في التعامل مع فئات المجتمع المتنوعة.
وأضافت الطارش أن التواصل مع المجتمعات المضيفة لا يؤثر على الاحتفاظ بالهوية الثقافية لبيئة النازح الأصلية، إذا ما حافظ على التواصل مع الأهل والأقرباء، وحافظ على الانخراط بالتعليم وحضور المناسبات والمواقف الدينية التي توثق الروابط الأسرية مثل الأعياد على سبيل المثال.
التصادم والتعايش والحفاظ على السلم الأهلي
من النزوح إلى التعافي المجتمعي
يرى الباحث محمد علي قاسم أن السيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في تحول العلاقات التي نشأت خلال سنوات النزوح إلى روابط اجتماعية مستقرة، بحيث تصبح المجتمعات التي استقبلت النازحين جزءًا من حياتهم، حتى مع إمكانية العودة الجزئية إلى المناطق الأصلية.
لكنه أشار إلى أن نجاح هذا المسار يحتاج إلى تحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، ودعم المجتمعات المضيفة، لمنع تحول المنافسة على الموارد إلى توترات اجتماعية.
ومن الجانب النفسي، ترى الباحثة ديالى عبد الله أن الاندماج يحتاج إلى معالجة آثار الفقد والخوف التي يحملها كثير من النازحين، مؤكدة أن دعم الأطفال والشباب سيكون عاملًا أساسيًا في بناء قدرة أكبر على التكيف.
استمرار التعايش الهش
بحسب قاسم، قد يستمر الوضع الحالي دون اندماج كامل إذا بقيت التحديات الاقتصادية والخدمية قائمة، إذ قد تبقى العلاقات اليومية مستقرة، لكنها تكون معرضة للتوتر بسبب المنافسة على العمل والسكن والخدمات.
وترى عبد الله أن استمرار عدم اليقين قد يزيد الضغوط النفسية، خصوصًا لدى الأسر التي لا تعرف إن كانت ستعود إلى مناطقها أو ستستقر في أماكن النزوح.
آليات التدخل.. من إدارة النزوح إلى التعافي
يرى الباحث محمد قاسم أن التعامل مع آثار النزوح يحتاج إلى الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى سياسات طويلة الأمد تركز على إعادة بناء العلاقات بين المجتمعات، وليس فقط إلى معالجة احتياجات النازحين المباشرة.
وأشار إلى أن نجاح أي تدخل مرتبط بوجود برامج تنموية تشمل النازحين والسكان المضيفين معًا، من خلال دعم فرص العمل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز التعليم، وخلق مساحات مشتركة تساعد على بناء الثقة وتقليل الفجوات الاجتماعية.
وحذر من أن حصر ملف النزوح بالمساعدات الإنسانية فقط قد يؤدي إلى استمرار حالة الاعتماد والعزلة، في حين أن تمكين الأفراد اقتصاديًا واجتماعيًا يساعد على تحويل المجتمعات التي استقبلت النازحين إلى بيئات أكثر استقرارًا.
من جانبها، ترى ديالى عبد الله أن الجانب النفسي يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي خطة للتعافي، وليس مرحلة لاحقة، موضحة أن كثيرًا من النازحين يحتاجون إلى مساحات تساعدهم على معالجة تجارب الفقد والخوف واستعادة الشعور بالأمان.
وأضافت أن دعم الأطفال والشباب، خصوصًا عبر التعليم والأنشطة الاجتماعية وبرامج الدعم النفسي، قد يكون العامل الأكثر تأثيرًا في منع انتقال آثار الحرب إلى الأجيال المقبلة.
إجراءات عاجلة.. مساحات تواصل منظمة
الباحثة رنا البدوي ركزت على إجراءات عاجلة تتطلب تدخلًا حكوميًا مؤسسيًا، مثل الشفافية في توزيع المساعدات الإنسانية، وتوسيع الخدمات الأساسية بدل توزيعها على قاعدة تنافسية تحدد المنافسة على السكن والصحة والتعليم كمولّد رئيس للتوتر.
وأشارت البدوي إلى خطوات على المدى المتوسط، مثل بناء مساحات تواصل منظمة بين الطرفين لأن التماسك الاجتماعي لا ينمو تلقائيًا بالتجاور المكاني وحده، بل يحتاج إلى أطر مقصودة للتفاعل، مثل تنفيذ مشاريع مجتمعية مشتركة وتشكيل لجان محلية مختلطة من الطرفين لإدارة قضايا الحي أو القرية.
أما الإجراءات طويلة المدى فتتعلق، بحسب البدوي، بتوظيف القواسم المشتركة القيمية والدينية بوعي مؤسسي يمكّن من تفعيل التعاليم الدينية المشتركة (تعاطف، صبر، تكافل) في البرامج التربوية والمجتمعية كأرضية مشتركة بين النازحين والمضيفين، خصوصًا مع الأطفال الذين هم الأكثر قابلية لبناء علاقات جديدة غير مثقلة بتاريخ النزاع، بالإضافة إلى خطاب مؤسسي وإعلامي يُقرّ بتعدد الهويات لا يمحوها بالاستناد إلى تحليل يتفادى خطاب الانصهار القسري في هوية وطنية مجردة، والانتقال إلى خطاب يعترف صراحة بالتنوع الإقليمي (نازح ومضيف على حد سواء) كثروة، لأن الشعور بتهديد الهوية الأصلية لدى أي من الطرفين يغذي التصلّب والرفض المتبادل.
أما الباحثة ساميا الطارش فترى أن هناك عدة خطوات للحفاظ على السلم الأهلي والتعافي المجتمعي بين النازحين والمجتمعات المضيفة، تتمثل في تعزيز الابتعاد عن العنصرية، وهو ما يتطلب عقد مجالس توعية مجتمعية باستمرار تركز على نفي العنصرية وتحث على التعايش بين النازحين والمجتمع المضيف، لإلغاء هذه العادات التي قد تشجع على التصادم وتبرز الخلافات بين منطقة وأخرى سواء على مستوى اللهجات أو العادات والتقاليد وغيرها مما يميز منطقة عن سواها.
إدارة الموارد والتوازن
بحسب الباحثة غدران نجم، فإن مستقبل العلاقة بين المجتمع المضيف والنازحين لن يتحدد بمرور الوقت، وإنما بقدرة المؤسسات على إدارة الموارد والأزمات، موضحة أن تحسين الواقع الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، واستقرار القوة الشرائية، وتقديم المساعدات للسكان المحليين والنازحين بصورة متوازنة، إلى جانب تحسين جودة الخدمات العامة، كلها عوامل تدفع نحو اندماج اجتماعي أكبر، بينما يؤدي استمرار الضغوط الخدمية والاقتصادية دون حلول إلى رفع مستويات الاحتكاك الاجتماعي.
وفي هذا السياق، أشارت المختصة الاجتماعية إلى أن معالجة آثار النزوح لا ترتبط فقط بإدارة الخلافات الاجتماعية، وإنما تتطلب إجراءات تنموية تخفف الضغط عن المناطق المضيفة، عبر الانتقال من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى مشاريع التعافي المبكر، التي تشمل تأهيل شبكات المياه، وصيانة المراكز الصحية، وتنظيم سوق الإيجارات، ودعم ترميم المنازل المتضررة، وتشجيع المشاريع الإنتاجية المشتركة بين السكان المحليين والنازحين.
وأكدت نجم أن فرص نجاح سياسات الدمج المجتمعي ترتفع عندما تقترن بتحسين الخدمات الأساسية وتوفير فرص العمل، لأن المشاريع التي يستفيد منها الجميع تسهم في تحويل النازحين من عامل ضغط إلى شركاء في التنمية المحلية.
وشددت الباحثة الاجتماعية على أهمية دور السلطات المحلية في إدارة الموارد بعدالة، وتسهيل الإجراءات الإدارية، وتشكيل لجان محلية لفض النزاعات، إلى جانب دور منظمات المجتمع المدني في تعزيز ثقافة الحوار والهوية الوطنية الجامعة، ودور المنظمات الدولية في الانتقال من الاستجابة الإغاثية إلى دعم مشاريع التعافي والتنمية المستدامة التي تخدم المجتمعين المحلي والنازح بصورة متوازنة.
سوريا تمتلك إرثًا طويلًا من التكافل الاجتماعي يمكن البناء عليه إذا اقترنت السياسات العامة بالعدالة في توزيع الموارد وتحسين الخدمات.
غدران نجم
باحثة اجتماعية
