بعد عامين من الدراسة والتحضير، كان ليث ينتظر هذا الصيف ليقدم امتحانات الثانوية العامة ويبدأ مرحلة جديدة من حياته، لكنه لم يتمكن من دخول قاعة الامتحان أساسًا بعد نقل مراكز امتحانات طلاب السويداء خارج المحافظة.
وعندما صدرت النتائج، وجد اسمه بين الراسبين، رغم أنه لم يتقدم للامتحان أصلًا.
ليث ليس حالة فردية، إذ واجه آلاف الطلاب في السويداء المصير نفسه.
ونظم عشرات من الأهالي والطلاب والمعلمين وناشطين في المجتمع المدني وقفة احتجاجية أمام مبنى مديرية التربية في السويداء، الاثنين 10 من آب، للمطالبة بإقرار دورة امتحانية استثنائية داخل المحافظة.
وكان ليث من بين المشاركين في الوقفة، وقال إنه أمضى عامين متتاليين في التحضير للامتحانات، إذ درس مع دفعة 2025 وتقدم للامتحانات، لكن شهادته لم يُعترف بها، فعاد للدراسة مع دفعة 2026، قبل أن يُحرم من التقدم للامتحانات مرة أخرى.
وأضاف لعنب بلدي: “كان عندي حلم وخطة لمستقبلي مثل أي طالب، لكني اليوم ما زلت أنتظر فرصة حتى أحقق هذا الحلم، سأبقى أطالب بحقي حتى أصل إلى مرادي، وأكمل طريقي الدراسي”.
كيف وصل الطلاب إلى هذه النتيجة؟
تأتي الوقفة وسط أزمة امتحانات بدأت في أيار الماضي، عندما أعلنت وزارة التربية والتعليم نقل مراكز امتحانات طلاب السويداء إلى دمشق وريف دمشق، مبررة القرار بالظروف الأمنية.
وجاء ذلك على خلفية تعرض كوادر تابعين لوزارة للتهديد بالسلاح.
وقوبل القرار برفض من الأهالي والطلاب، الذين اعتبروا أن الانتقال إلى خارج المحافظة يفرض عليهم أعباء إضافية تتعلق بتكاليف النقل والإقامة، إلى جانب المخاوف الأمنية وصعوبة التنقل.
وبالتزامن مع انطلاق امتحانات الثانوية العامة، أطلقت مبادرة “حقنا نتعلم” المحلية تحركات ووقفات للمطالبة بحق طلاب السويداء في تقديم امتحاناتهم داخل محافظتهم، مؤكدة أن حق التعليم لا ينبغي أن يكون رهينة للخلافات أو التجاذبات السياسية.
ومع صدور نتائج الشهادات العامة في سوريا في أوائل آب، عاد الملف إلى الواجهة، بعدما ظهرت علامة الصفر أمام أسماء آلاف الطلاب والطالبات من أبناء السويداء الذين لم يتمكنوا من التقدم للامتحانات.
وبالنسبة إلى هؤلاء الطلاب، لم تكن علامة الصفر نتيجة أداء ضعيف في الامتحان، وإنما نتيجة عدم تمكنهم من دخول الامتحان أساسًا.
وبحسب إحصائية نشرتها مبادرة “حقنا نتعلم”، تمكن 334 طالبًا وطالبة فقط من التقدم لامتحانات الشهادة الثانوية العامة في السويداء من أصل 6952 طالبًا مسجلًا، أي بنسبة 4.8%، بينما لم يتمكن 95.2% من الطلاب المسجلين من التقدم للامتحانات.
وتعكس هذه الأرقام حجم الفجوة بين أعداد الطلاب المسجلين وبين من تمكنوا فعليًا من خوض الامتحانات، في وقت وجد فيه آلاف الطلاب أنفسهم خارج العملية الامتحانية رغم تحضيرهم طوال العام.
مطالب بدورة استثنائية
استجابة لهذه الظروف، دعا ناشطون في المجتمع المدني إلى الوقفة أمام مديرية التربية، مؤكدين أن مستقبل الطلاب “ليس ورقة مساومة، وأن حقهم في التعليم لا يجوز أن يكون أداة ضغط أو رهينة للسياسة”، ومطالبين بمنحهم فرصة عادلة لاستكمال عامهم الدراسي.
ويرى بعض الأهالي المشاركين في الوقفة أن الأزمة لا تزال تدور في حلقة مفرغة رغم التحركات والمطالبات المستمرة، معتبرين أن المجتمع المدني في السويداء “يقوم بما يستطيع ضمن الإمكانات المتاحة”، بينما يبقى الحل بإيجاد معالجة فعلية لملف الامتحانات.
ويقول أحد الأهالي المشاركين في الوقفة الاحتجاجية: “عندما خسر طلابنا السنة الأولى كان لا بد أن نعمل كي لا يخسروا سنة ثانية، لكن ذلك لم يحدث، واليوم أخشى أن نصل إلى مرحلة نقول فيها: كي لا يخسروا سنة ثالثة أيضًا”.
في المقابل، يرى بعض المواطنين أن حل القضية لا يحتاج إلى إجراءات استثنائية بقدر ما يحتاج إلى إعادة التعامل مع مديرية التربية في السويداء كباقي المديريات المرتبطة بوزارة التربية في دمشق، “فما معنى مقاطعة التعليم مع استمرار التواصل في ملفات الكهرباء والمحروقات والبضائع والرواتب والشؤون الرسمية وغيرها؟”.
وكانت مديرية التربية في السويداء قد طالبت سابقا بإقامة دورة امتحانية استثنائية داخل المحافظة، وأعلنت جاهزيتها لاستقبال الوفود واللجان الامتحانية وتأمين المستلزمات اللازمة لإجراء الامتحانات وفق الأصول الرسمية، إلا أن هذا المطلب لم يلقَ تجاوبًا من قبل الوزارة.
ويطالب الأهالي بمنح الطلاب فرصة جديدة للتقدم إلى امتحاناتهم داخل السويداء، معتبرين أن تحميلهم نتائج ظروف لم تكن بإرادتهم يعني خسارة عام دراسي جديد بالنسبة إلى كثير منهم.
وبالنسبة إلى ليث وغيره من الطلاب، لا تتوقف القضية عند علامة ظهرت في نتيجة، وإنما عند عامين من الدراسة وحلم بمستقبل جامعي ومهني أصبح معلقا بقرار يتيح لهم أخيرا دخول قاعة الامتحان.
