أقرّ مجلس النواب اللبناني اليوم، الأربعاء 12 من آب، اقتراح قانون يمنح عفوًا عامًا ويخفض بصورة استثنائية مدة بعض العقوبات، بعد سنوات من المطالبات بإقرار القانون وأشهر من النقاشات والخلافات السياسية والقانونية حول الجرائم التي يشملها والفئات المستفيدة منه.
ويأتي إقرار القانون في وقت تعاني فيه السجون اللبنانية من اكتظاظ شديد، إذ بلغ عدد السجناء 6268 شخصًا حتى 30 من آذار الماضي، بحسب إحصاءات مديرية السجون، بينما بلغت نسبة الاكتظاظ نحو 300% وفق تقرير الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان لعام 2025.
ويهدف القانون، بحسب مصادر لبنانية، بالدرجة الأولى إلى تخفيف الضغط عن السجون، ولا سيما في ظل وجود موقوفين أمضوا سنوات خلف القضبان من دون صدور أحكام نهائية بحقهم.
وأعلنت رئاسة مجلس النواب في بيان إقرار “اقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي معدلًا”، بعد إدخال تعديلات على النص خلال الجلسة التشريعية.
ويُعد القانون الأول من نوعه منذ قانون العفو الذي أقره لبنان عام 1991، بعد عام من انتهاء الحرب الأهلية التي استمرت بين عامي 1975 و1990، إذ أغلق القانون آنذاك ملفات مرتبطة بجرائم الحرب من دون أن تترافق العملية مع مساءلة شاملة أو مصالحة حقيقية بين أطراف النزاع أو تحقيق العدالة للضحايا وذويهم.
سنوات من المطالبات
عاد ملف العفو العام إلى الواجهة خلال السنوات الماضية، وبرز بصورة خاصة في أوساط نواب من الطائفة السنية، على خلفية ملف الموقوفين الإسلاميين، وبينهم أشخاص أوقفوا على خلفية أحداث مرتبطة بالحرب في سوريا، وبعضهم بقي سنوات من دون محاكمة.
وينحدر قسم كبير من هؤلاء من مدينة طرابلس شمالي لبنان، وهم موقوفون أو محكومون في قضايا تتعلق بجرائم مختلفة، بينها قتال الجيش اللبناني والاعتداء عليه وتنفيذ تفجيرات.
لكن المطالب بإقرار العفو لم تقتصر على هذه الفئة، إذ طالب “حزب الله” بأن يشمل القانون عددًا من الموقوفين والمطلوبين الشيعة في منطقتي بعلبك والهرمل شرقي لبنان، وغالبيتهم متهمون بقضايا تتعلق بالمخدرات وسرقة السيارات.
كما طالبت قوى وأحزاب مسيحية بأن يتضمن القانون أحكامًا يستفيد منها لبنانيون غادروا إلى إسرائيل بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوبي لبنان عام 2000، وسط مخاوف لدى عائلاتهم من تعرضهم لأعمال انتقامية بسبب ارتباط بعض أفرادها بـ”جيش لبنان الجنوبي” الذي كان متعاونًا مع إسرائيل خلال سنوات الاحتلال.
وبحسب تقديرات نيابية سبقت إقرار القانون، كان عدد المستفيدين المحتملين يقدّر بنحو 3300 شخص، بينهم محكومون بجرائم غير خطيرة، وموقوفون منذ سنوات من دون أحكام، وأشخاص أنهوا مدد عقوباتهم لكنهم ظلوا محتجزين بسبب غرامات مالية غير مسددة. ولم تعلن السلطات اللبنانية بعد العدد النهائي للمستفيدين من القانون.
ما الذي يتضمنه القانون؟
وفق الصيغة التي ناقشتها اللجان النيابية قبل إحالتها إلى الهيئة العامة، يشمل العفو الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026، ويؤدي في القضايا التي يغطيها إلى إسقاط الملاحقات والعقوبات، مع الحفاظ على حق المتضررين في المطالبة بالتعويضات المدنية.
في المقابل، يستثني القانون مجموعة واسعة من الجرائم، بينها القتل العمد، والإرهاب ضد المدنيين والعسكريين، والاعتداءات الخطيرة على الجيش، والتجسس والتعامل مع إسرائيل، إضافة إلى جرائم الفساد والإثراء غير المشروع والاعتداء على المال العام.
كما يستثني جرائم غسل الأموال والجرائم المرتبطة بأموال المودعين والمصارف، والاغتصاب والاتجار بالبشر والعنف الأسري والتعذيب والإخفاء القسري، إلى جانب سرقة الآثار والجرائم البيئية، وبعض الجرائم المتكررة المتعلقة بالسرقة والمخدرات.
وبموجب النص، يمكن أن يستفيد بعض متعاطي المخدرات وغير المكررين، ومزارعي القنب، والمدانين بجرائم تتعلق بالأسلحة من دون ارتباط بالقتل أو الإرهاب، إضافة إلى بعض اللبنانيين غير المقاتلين الذين غادروا إلى إسرائيل بعد انسحابها من جنوبي لبنان، مع استثناء المتعاملين معها.
كما يتضمن القانون تخفيضًا للعقوبات، إذ كان النص يقترح تحويل الأشغال الشاقة المؤبدة إلى السجن لمدة 17 عامًا، وخفض العقوبات الأخرى بمقدار الثلث، وجاء ذلك في سياق إعادة تنظيم مدد العقوبات بعد إقرار البرلمان، الثلاثاء، قانون إلغاء عقوبة الإعدام.
ويبرز كذلك بند يتعلق بالموقوفين الذين أمضوا مددًا طويلة من دون صدور أحكام بحقهم. وكانت اللجان النيابية قد اقترحت في مرحلة سابقة الإفراج عن من أمضى أكثر من 14 عامًا في التوقيف من دون حكم، مع استمرار محاكمته خارج السجن، قبل أن تُطرح تعديلات خفضت المدة إلى 12 عامًا.
وبحسب التعديلات التي أقرها البرلمان، خُفض شرط إخلاء السبيل من 14 إلى 12 سنة، وحذفت كلمة “مبرم” من المادة المتعلقة بالأحكام، ليصبح إخلاء السبيل محصورًا بمن لا يوجد بحقه أي حكم صادر، وليس فقط من لا يملك حكمًا مبرمًا.
أحمد الأسير في صلب النقاش
برز اسم الشيخ أحمد الأسير خلال النقاشات السياسية والإعلامية حول القانون، بسبب إدانته في قضايا مرتبطة باشتباكات عبرا مع الجيش اللبناني عام 2013.
ولا يعني إقرار قانون العفو خروجه تلقائيًا من السجن، إذ تستثني الصيغة الجرائم المرتبطة بقتل العسكريين والإرهاب من العفو الكامل. لكن تخفيض العقوبات أو البنود المتعلقة بالموقوفين لفترات طويلة قد تؤثر في بعض الملفات، بحسب التصنيف القانوني النهائي لكل قضية.
وقال النائب نبيل بدر، بعد إقرار القانون، إن العمل سيتجه إلى المحكمة العسكرية لخفض عقوبة الأسير من المؤبد إلى عقوبة أقل، بما يسمح له بالاستفادة من تخفيض السنوات السجنية. وأضاف أن المسار قد يؤدي، وفق تقديره، إلى خروجه بعد مدة قصيرة، بحسب القرارات القضائية التي ستصدر لاحقًا.
وفي ملف الموقوفين الإسلاميين، قال النائب عماد الحوت، إن 79 موقوفًا إسلاميًا من أصل 146 سيخرجون من السجون بموجب القانون، معتبرًا أن استمرار توقيف الأشخاص بعد تجاوز المدة القانونية للتوقيف الاحتياطي لم يعد مقبولًا.
أما الفنان فضل شاكر، المرتبط اسمه أيضًا بأحداث عبرا، فلا يُعد من الأشخاص الذين سيخرجون من السجن بموجب القانون، إذ أُخلي سبيله بكفالة قبل إقرار القانون ولا تزال محاكماته مستمرة، بحسب المعطيات الواردة في النصوص التي تناولت القانون.
كما أثير اسم نوح زعيتر، الذي ارتبط اسمه بقضايا تتعلق بالمخدرات والأسلحة في منطقة البقاع، وكان قد أوقفه الجيش اللبناني في تشرين الثاني 2025. ويعتمد مدى استفادته من القانون على طبيعة الملفات والأحكام الصادرة بحقه، في ضوء الاستثناءات التي يتضمنها التشريع.
خلاف داخل البرلمان
لم يمر إقرار القانون من دون خلافات داخل البرلمان، إذ فقدت جلسة الثلاثاء نصابها بعد خلاف حول ملاحظات قيادة الجيش على اقتراح العفو.
وكان وزير الدفاع، ميشال منسي، قد طلب تلاوة ملاحظات قيادة الجيش أمام النواب، لكن رئيس الحكومة نواف سلام اعترض على الخطوة، معتبرًا أن الحكومة يمثلها رئيسها، وأن قيادة الجيش سبق أن أرسلت ملاحظاتها خطيًا.
وأدى السجال إلى احتجاج نواب من “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”، قبل أن يغادر عدد منهم القاعة، ما تسبب بفقدان النصاب وتأجيل مناقشة القانون إلى الأربعاء.
وفي جلسة الأربعاء، انسحبت كتلتا “التيار الوطني الحر” و”حزب الله”، إضافة إلى عدد من النواب، على خلفية عدم حضور وزير الدفاع ميشال منسي، الذي غادر الجلسة أيضًا.
وقال النائب حسين الحاج حسن، إن منع وزير من الكلام داخل البرلمان وخارجه يمثل سابقة، بينما اعتبر النائب سليم عون أن موقف التيار من الانسحاب جاء اعتراضًا على عدم السماح لوزير الدفاع بعرض رأي الجيش اللبناني أمام النواب.
في المقابل، قال نائب رئيس مجلس النواب، إلياس بو صعب، إن القانون “اتفقنا عليه بالسياسة لطي صفحة”، معتبرًا أن الحكومة مسؤولة عن رفع الظلم، ويمكنها العمل على إعادة المحاكمات وتصحيح ما وصفه بالتمييز.
وكان رئيس الحكومة، نواف سلام، قد كتب عبر منصة “إكس” قبل إقرار القانون: “نحو عدالة إصلاحية لا انتقامية”، مرحّبًا في الوقت نفسه بإقرار إلغاء عقوبة الإعدام، الذي أقره البرلمان الثلاثاء.
قانون جديد في سياق تاريخي
لا يمثل قانون العفو الجديد سابقة في تاريخ لبنان، إذ أقر البرلمان عشرات قوانين العفو منذ عشرينيات القرن الماضي، إلا أن معظمها كان مرتبطًا بجرائم أو فئات محددة.
وكان أبرز تلك القوانين قانون عام 1991، الذي جاء بعد انتهاء الحرب الأهلية، وشمل الجرائم المرتكبة قبل آذار من ذلك العام، وأغلق آلاف الملفات المرتبطة بالحرب، واستفاد منه قادة ميليشيات ومقاتلون.
وفي عام 1997 صدر عفو عن جرائم مخدرات سابقة استفاد منه آلاف المتهمين، بينما شهد عام 2005 قانونين بارزين، أتاح أحدهما الإفراج عن قائد القوات اللبنانية سمير جعجع بعد نحو 11 عامًا من السجن، وشمل الآخر موقوفين في قضيتَي الضنية ومجدل عنجر.
ويأتي القانون الحالي بعد أكثر من ثلاثة عقود على آخر قانون عفو عام واسع، وسط استمرار الانقسام السياسي حول الملفات التي ينبغي أن يشملها، وتباين بين مطالب عائلات الموقوفين ومخاوف عائلات العسكريين الذين قتلوا خلال مواجهات أمنية.
وبينما تركز الحكومة والجهات المؤيدة للقانون على تخفيف الاكتظاظ ومعالجة أوضاع الموقوفين الذين طال احتجازهم، يتمسك معارضون بضرورة عدم استفادة المتورطين في قتل العسكريين أو الاعتداء عليهم من أحكام العفو.
وبذلك يدخل لبنان مرحلة جديدة في التعامل مع ملف السجون والموقوفين، بعدما حسم البرلمان، الأربعاء، واحدًا من أكثر الملفات القانونية والسياسية إثارة للجدل، على أن يتحدد أثر القانون عمليًا مع بدء تطبيق مواده والنظر في ملفات المستفيدين كلٌّ بحسب وضعه القانوني والقضائي.
